من المتعارف عليه اجتماعياً في المملكة الأردنية الهاشمية أن الأردني ما أن يسطر إنجازاً لافتاً، حتى يكون (المنسف) حاضراً كأرقى وسيلة للاحتفال بهذا الإنجاز، ولتعويض الجهد الذي بذل في سبيل الوصول الى الهدف المنشود.
ولا يستطيع أي كان أن يتلمس أهمية الوجبة الوطنية الأولى في الأردن، ما لم يعش طقوسها عن قرب والوقوف على مدى التصاق الشعب الأردني بها، إذ لا يمر أسبوع من حياة المواطن الاردني إلا ويكون المنسف حاضراً على مائدته، وهو الوجبة التي تزدحم بالسعرات الحرارية العالية التي تمنح الجسد طاقة هائلة لا يوازيها ربما في الوطن العربي سوى وجبة (الهريس) الخليجية المعروفة.
وارتبط المنسف في الأعوام الماضية بالإنجازات اللافتة التي حققها النشامى وتجسد ذلك أول مرة في نهائيات كأس آسيا، التي استضافتها الدوحة مطلع عام (2011)، عندما تناقل الاعلام الأردني صوراً للاعبين الأردنيين ويهم يلتفون حول (سدور) المنسف في مقر إقامتهم بالدوحة بعد الفوز على السعودية في الجولة الثانية من عمر الدور الاول بهدف نظيف.
إذ بدا نجوم المنتخب الاردني حينها في قمة السعادة وهم يتناولون وجبتهم الوطنية الأولى، فيما انهالت التعليقات عبر مواقع التواصل الاجتماعي والمنتديات الالكترونية مشيدة بأداء اللاعبين، وهي التعليقات التي تضمنت عبارات (تستاهلون، الله حيهم، صحة وهنا، افلحوا) وغيرها من العبارات التي عادة ما تواكب تناول المنسف في المناسبات الاجتماعية الأردنية.
منسف البرازيل
ما يتبادر الى ذهن المتلقي الآن يتمثل في سر العلاقة ما بين المنسف والنشامى، والاجابة هنا بكل بساطة تتعلق بالانجاز والكد والتعب، فمع اقتراب المنتخب الاردني من حلم المونديال عندما يواجه نظيره خامس اميركا الجنوبية ذهاباً في عمان يوم (13) نوفمبر واياباً يوم (20) الشهر نفسه خارج الديار، فإن عودة المنتخب من تلك القارة مكللاً بإنجاز التأهل الى المونديال سيكون له الاثر الاكبر على عموم الشعب الاردني والذي سيحتفي بالنشامى بحسب الاصول المتعارف عليها بحيث يكون المنسف سيد هذه الاحتفالات بلا منازع..
وربما لأول مرة في تاريخ الأردن سيكون منسفاً بطعم المونديال !.
امتداد تاريخي
وعند النظر إلى تاريخ المنسف سنجد أنه مرتبط بحياة البداوة، فمعنى كلمة المنسف لغوياً رغوة حليب الضأن عند غليه، نسف الطعام - أي انهاؤه حتى آخره.
مكونات المنسف عادة هي الارز ولحم الضأن الى جانب لبن الجميد الذي يعرف كذلك بـ(المريس) المكون من لبن النعاج المجفف في كرات تحفظ لمدد طويلة عادة، بحيث تستخدم في أي وقت بعد ذلك عبر تفتيتها وغمرها بالمياه حتى تذوب، ثم يتم غليها ومزجها مع اللحم والمرق.
وعند الرجوع الى أصول المنسف سنرى أن العرب القدماء اشتهروا بوجبة الثريد التي كانت تحتوي على الخبز المقطع المضاف اليه المرق واللحم، وظل الثريد حتى وقت قريب وتحديداً منذ مطلع القرن الماضي معتمداً لدى القبائل العربية المختلفة، قبل أن يدخل الأرز واللبن إليه ليصل في النهاية الى هذا الشكل المتطور (المنسف).
عادات وتقاليد
ويولم الاردنيون المنسف في مختلف المناسبات الاجتماعية، إذ عادة ما يحتفى بالضيوف في حفلات الزفاف بتقديم هذه الوجبة التي تعبر عن كرم الضيافة العربية الاصيلة والاعتزاز بمن حضر وقام بواجب الاحتفاء بالعريس، كما يقدم في اليوم الاول للعزاء لمن شاركوا في دفن الفقيد كما يوزع على الفقراء والمساكين في ذات المناسبة.
ويعتبرمن المعيب أن يتم تناول المنسف بالملعقة، إذ يتم تناوله عادة وقوفاً بحيث يتم ثني اليد اليسرى خلف الظهر فيما تستخدم اليد اليمنى وحدها في تقطيع اللحم ومزجه بالارز واللبن في كرات وتناولها، كما أنه من المعيب أن ينفخ آكل المنسف في اللقمة التي يتناولها في حال كان ساخناً، ولا يحق للضيف أن يمد يده على رأس الضأن الذي يتوسط (سدر) المنسف عادة، إلا بعد أن يقوم الداعي إلى الوليمة بتفتيته للضيوف.
