التشجيع الرياضي على الطريقة الحديثة والمسماة «ألتراس»، تحولت إلى قضية الساعة في مصر منذ الحادث الدامي في استاد بورسعيد قبل أيام، والذي يلقي بظلاله حتى الآن على كل نواحي الحياة، وكان سبباً في توقف النشاط الرياضي بوجه عام ووجود اتجاه يؤيده الأغلبية بعدم استئناف المباريات إلا بعد إعلان نتائج التحقيق وأسماء الجناة الذين تسببوا في إزهاق أرواح 73 مشجعاً في عمر الزهور، وتلعب جماعات الألتراس دوراً أساسياً في الضغط على النادي الأهلي وعلى جهات التحقيق وكافة مؤسسات الدولة إرضاء لعائلات الضحايا وللتأكيد على الدور الذي تقوم به هذه الروابط على كافة الصعد الرياضية والسياسية. واللافت أن الخلاف الذي تفجر بين ألتراس أهلاوي من جهة وألتراس «جرين ايجلز» المنتمية للنادي المصري من جهة أخرى تحول إلى صراع يهدد بعواقب دامية.
وفى محاولة للدفاع عن النفس أعلنت رابطة «جرين ايجلز» براءتها من كارثة استاد بورسعيد، ووجهت رسالة إلى الرابطة الأهلاوية تقول «انتم من وضعتم القواعد ونشرتم ثقافة العنف في التشجيع قبل أي روابط اخرى في مصر، ونلقي بمسؤولية ما حدث على التقصير الأمني والتزاحم في المدرجات ونطالب مثلكم بالكشف عن الجناة والقصاص».
والرسالة تكشف بعض عقائد هذه الروابط، فقد اتهمت رابطة الأهلي ورابطة الزمالك التي تطلق على نفسها «وايت نايتس زمالك»، بإرساء أسلوب العنف والعدوانية في التشجيع الرياضي ومحاربة الروابط الخاصة بأندية المحافظات مثل «يلو دراجونز الإسماعيلي»، و«جرين ماجيك الاتحاد السكندري»، و«جرين ايجلز المصري البورسعيدي».
جذور الظاهرة
وحادث استاد بورسعيد يدفعنا للبحث فى جذور ظاهرة المشجعين الجدد وكيف ظهرت وانتشرت ومتى نشأت في الملاعب العربية، وحصلت على معلومات مهمة تثير الدهشة حول مبادئهم وصفاتهم وقواعدهم من أحد المشجعين البارزين في رابطة ألتراس منتمية لناد مصري كبير رفض الكشف عن هويته التزاماً بقواعد الألتراس التي تمنع الظهور الإعلامي نهائياً لأعضائها، ورغم خطورة الوضع في أعقاب الحادث، لكنه تمسك بالاستمرار على نفس النهج العنيف في التشجيع، مؤكداً أن الالتراس عضو فاعل في المجتمع يعبر عن موقفه من كافة القضايا وليست الرياضية فحسب.
الظهور الأول
نشأت الأساليب الحادة في التشجيع لأول مرة في البرازيل عام 1946 بشكل محدود عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية، وانتقلت إلى أوروبا وتحديداً يوغسلافيا التي كانت تضم عدة جمهوريات أصبحت مستقلة حالياً، والبداية تمثلت في التراس نادي هايدوك سبليت الكرواتي يوم 28 أكتوبر من عام 1950، عندما اقتحم المشجعون الملعب عقب فوز الفريق وانطلقوا في الشوارع للتعبير عن الفرحة بانفعال شديد وغير مسبوق، أدى إلى صدام مع قوات الأمن، ولكن الظهور الحقيقي كان في إيطاليا التي تعتبر الحاضن الرسمي لهذا النوع من التشجيع عام 1962، وأخذ أشكالاً جديدة في مساندة الفرق والهتاف والإنشاد بأدوات وطبول لم تشهدها الملاعب من قبل، وفي عام 1984 استوردت كرة القدم الفرنسية الألتراس وتحديداً في نادي أوليمبيك مرسيليا، ولعبت دوراً في زيادة معدلات التعصب والانتماء للأندية الفرنسية، ثم انتقلت إلى انجلترا ومعظم دول أوروبا.
الألتراس العربي
وظاهرة الألتراس لم تعرف طريقها للملاعب العربية إلا في عام 1989 بواسطة مجموعة مشجعين ليبيين عاشوا في إيطاليا ونقلوا التجربة لبلادهم وأسسوا رابطة «ريد دراجونز» المنتمية لنادي الاتحاد الليبي، وبعد 6 سنوات ظهرت في تونس في رابطة «كورفا نورد95» نسبة إلى عام 1995 تاريخ مولدها وتنتمي لنادي الإفريقي التونسي، وكان لهذه الرابطة سبق تطوير اساليب التشجيع الراقي المتنوع، وعام 2001 تأسست رابطة «بريجاد سوسة» المنتمية لنادي النجم الساحلي، ولم تمض شهور قليلة حتى ظهرت في الملاعب التونسية رابطة «المكشخين» المنتمية لنادي الترجي.
وشهد عام 2003 أول حالة انشقاق داخل رابطة «كوردانورد 95»، إلى رابطتين تعاديان بعضهما بشدة رغم انتمائمها لناد واحد هو الإفريقي، الأولى «افريكان وينر» والثانية «ليدرز كلوب».
وفي المغرب ظهر الألتراس عام 2004 وانتشرت لدى معظم الأندية وابرز الروابط «وينرز الوداد» المنتمية لنادي الوداد المراكشي، ورابطة «جرين بويز» المنتمية لنادي الرجاء البيضاوي. وفى عرب آسيا كان الظهور الأول في الأردن عام 2008 برابطة «جرينز الوحدات»، وانتقلت إلى سوريا في نفس العام برابطة «بلو صن» المنتمية لنادي الكرامة.
الظهور الأول في مصر
وفي مصر كان الظهور الأول عام 2007 برابطة ألتراس الأهلي، وبعدها بشهور رابطة «وايت نايتس» المنتمية للزمالك، والتي أعلنت عن نفسها في مباراة مع الهلال السوداني يوم 17 مارس من العام نفسه، وتوالت روابط الإسماعيلي «يلودراجونز» والاتحاد «جرين ماجيك» والمصري «جرين ايجلز».
مواصفات وأسرار مرعبة
المشجع عضو هذه الروابط يجب أن تتوافر فيه مواصفات ذات خصوصية من طراز فريد، اهمها التشجيع طوال 90 دقيقة دون توقف وبغض النظر عن نتيجة المباراة، وعدم الجلوس طوال المباراة، واختيار مدرجات بعيدة تسمى المنطقة المعتمة خلف أحد المرميين، والسفر خلف الفريق مهما كانت المسافة طويلة ومرهقة، والأغرب من ذلك ان تقاليدهم تحتم تنظيم مسيرات في المدن تهتف بشراسة لإظهار قوتهم في التشجيع والتأثير في الجماهير المنافسة.
ومبادئ الالتراس التشجيع بالأناشيد الحماسية المكتوبة خصيصاً للمباراة وإلقاء الألعاب النارية لإضفاء البهجة ورفع معنويات اللاعبين، وتعتبر اللوحات أهم أسلحتهم فى التشجيع، لأنها تحمل شعار الرابطة والذي يساوي كرامة المشجعين وعليهم حمايته بكل قوة، وهم يعتبرون الاستيلاء على الشعار إهداراً لكرامتهم وهو ما حدث في مباراة بورسعيد عندما قام التراس المصري بالاستيلاء على قمصان مشجعي الأهلي ولوحتهم التي تضمنت شعارات عدائية.
والسرية التامة أحد مبادئ الروابط، رغم أنهم رياضيون لكن يلجؤون للتكتم فى التحضير للمباريات وتأليف الهتافات والتدريب عليها بالذهاب إلى الملعب مبكراً، ويبقى التمويل المادي لغزاً، نظراً للكلفة العالية للألعاب النارية والتنقلات الجماعية، والمعلن أن التمويل ذاتي من خلال جمع المال من بعضهم وبيع شعارات الرابطة.


