تطبيق الاحتراف في مصر أصبح الشغل الشاغل في الوقت الحالي رغم ما يحيط الوطن من أعاصير وعواصف عاتية، ويمكن القول ان الوقت يمضي ولا أحد يعلم من أين نبدأ؟ واستمعت إلى شهادة ذات دلالة من الصديق أحمد عيسى أحد رواد كرة الإمارات حول ما وصل إليه الاحتراف في عامه الرابع مستلهماً عبارة أدلى بها اللاعب إسماعيل مطر أنكر فيها وجود احتراف حقيقي في دوري الإمارات، وهالني قول أحمد عيسى بأن الاحتراف هبط بالباراشوت أي المظلة وتم التعامل معه دون تمهيد وبشكل كامل يخلو من التدرج، وقوله ان الاحتراف الإماراتي مثله في تجارب عربية أخرى متعددة، يطبق في بيئة مشوهة لا يساعد على إنضاج التجربة كما يجب ان يكون التطبيق، ولم يكن طرح عيسى هجوماً ضارياً بل نقداً عميقاً صادراً من قيادة رياضية واعية، تتابع من بعيد وترى المشهد أفضل من المشاركين فيه، ولفت انتباهي لفظ الهرولة نحو الاحتراف الذي ردده خلال شهادته القيمة والمهمة، ولاحظت انه يقوم بتشخيص تجارب ليست في الإمارات فحسب بل في دول عربية تطبقه شكلاً دون الغوص في مضمونه ومنها مصر التي تتهياً متأخراً لخوض هذه النقلة الخطيرة الرياضية بعد أشهر معدودات في بيئة بعيدة تماماً عن التفاصيل والمضمون. منطق أحمد عيسى ونحن نتفهمه يرى ان ارتفاع أسعار اللاعبين في السوق ليس مسؤولية اللاعبين بل من حدد هذه الأسعار الفلكية التي لا تقترب من الواقع، وفى ظني ان الاحتراف المصري المطبق جزئياً منذ عام 1991 انحرف كثيراً وتركز على إبرام العقود دون لوائح شاملة جامعة، مستسلماً لصراعات الأندية خاصة الأهلي والزمالك، الأمر الذي أسفر عن تطبيق مشوه، ففي مجتمع يعاني من مشكلات اقتصادية وانخفاض القوى الشرائية وتدني معدلات الأجور، نسمع عن لاعبين يتعاقدون مقابل مبالغ تصل إلى 8 ملايين جنيه مثل ابوتريكه وشيكابالا و6 ملايين جنيه لأكثر من 20 لاعباً فى مصر. وربما نفهم ان الأوضاع الاقتصادية في الإمارات تسمح بارتفاع معدلات الأجور في دوري المحترفين، لكن أحمد عيسى في شهادته تحفظ على التصاعد الصاروخي لعقود اللاعبين في ظل عدم التزامهم بقيود الاحتراف مثل احتفاظهم بوظائفهم، وعدم احترام واجباتهم كلاعبين محترفين يمتهنون كرة القدم كوظيفة حقيقية، ونتفق معه في إصراره على غياب التقييم العلمي وضرورة استكمال النواقص وهى لوائح صارمة واتحاد يسيطر على الأندية وخضوع العملية برمتها لرقابة الدولة. وأخشى ما أخشاه ان تنحرف تجربة دوري المحترفين في مصر عن مسارها، في ظل الارتباك السائد على جميع الأصعدة منذ ثورة 25 يناير وصعوبة توفيق الأندية لأوضاعها خاصة ان المرجعية القانونية غامضة ومبهمة لعدم صدور قانون معدل ينتظر الاعتماد منذ 3 سنوات حتى الآن. الكلام حول الاحتراف متعدد الجوانب لكن منطق أحمد عيسى نراه واقعياً للغاية لأنه رؤية من بعيد لمتابع فاهم ذي خبرة، وعلى المستوى الشخصي فإن أحمد عيسى كان الأقرب إلى نفسي منذ عرفته عام 1980 واعترف أنى تأثرت به كثيراً واستفدت من أطروحاته في قضايا رياضية كانت محل جدل عنيف في تلك الفترة مثل عودة اللاعب الأجنبي، ومن دون مبالغة كان ومازال صاحب فلسفة خاصة لم يتم الاستفادة منها كما يجب، ولا أبالغ في ان الرياضة المصرية أحوج ما تكون إلى العقليات المرتبة المنظمة الممنهجة التي تساهم في التطوير ليس تنظيراً فارغاً بل عن تجارب واقعية ثرية. قضايا الاحتراف ليست وحدها التي تجمعنا بل هموم وطن كبير لا يختلف في أوجاعه وطموحاته.