عانت الكرة الليبية الكثير في ظل حكم الطاغية القذافي، ورغم الشعبية الكبيرة التي تحظى بها اللعبة في أوساط الناس، إلا أنها كانت مسرحا دائما لعبث ومزاجية القذافي الذي كان لايحب ولا يحتمل منظر المدرجات المملؤة بالجماهير الرياضية التي يفضلها أن تتجمع حوله وليس حول 22 لاعبا يركلون الكرة ، معتبرا ذلك المشهد ملهاة ويتعارض مع ما جاء في كتابه الأخضر الذي طبق فصوله على الليبيين وفرضه عليهم عنوة.
وقبل أن يشب ابناه الساعدي ومحمد وتستهويهما كرة القدم كانت تدخلات القذافي العلنية والخفية الهاجس الدائم للجماهير الكروية خلال الفترة الممتدة من أواخر السبعينات وحتى منتصف التسعينات التي غابت خلالها المنتخبات والفرق الليبية عن المشاركات الخارجية، إلا فيما ندر، بعد التحايل عليه بعدة حجج والتي كانت إحدى ثمارها استضافة ليبيا لنهائيات كأس إفريقيا 1982، والتي تحققت بعد محاولات عديدة بذلها أشخاص مخلصون في إقناع القذافي بحجة انها حدث يجمع الشباب الإفريقي وله بعد سياسي كما تلك الحقبة من السنوات المريرة لم تعرف إلا القليل من المشاركات العربية والإفريقية على مستوى الأندية وجميعها بعد منتصف الثمانينات من خلال فرق الاتحاد والأهلي بطرابلس والأهلي ببنغازي والنصر والمدينة والظهرة والوحدة.
مصيبة الدوري الليبي
أما الدوري الليبي لكرة القدم فقد أطلق عليه اسم مسابقة الموهوبين والمتفوقين ارضاء للقذافي، حدث ذلك رغم المواهب الكبيرة التي برزت فوق الملاعب الليبية، والتي وفي أواخر التسعينات أحكم كل من محمد والساعدي قبضتيهما على الرياضة، وأطلق والدهما العنان لهما ليفعلا كل ما يحلو لهما في المجال، لكنه ظل يتابعهما بصورة غير علنية .
واللافت هنا أن القذافي لم يعد يتربص بكرة القدم كما كان من قبل، ربما لأنه أدرك أن ذلك يتعارض مع هواية ورغبة ابنيه، واختار ابنه الأكبر محمد لنفسه منصب رئيس اللجنة الأولمبية الليبية بعد إبعاده للأستاذ بشير الطرابلسي الرجل الأولمبي المعروف، والذي انسحب بهدوء، ولم يكن بوسعه المعارضة. اللافت هنا ايضا ان القذافي الذي ظل يهاجم وينتقد رياضة الاحتراف وبيع وشراء اللاعبين صمت صمت القبور عندما اتجه ابنه الساعدي للعب في إيطاليا كمحترف مع فريق بيروجيا في تلك الدراما التي اراد من خلالها الايطاليون الحصول على رضا القذافي للفوز بعقود لشركاتهم في ليبيا.
كما أن القذافي الذي حرم المنتخب الليبي والفرق الليبية من المشاركات الخارجية في عديد المناسبات، لم يقف امام رغبة ابنه الساعدي عندما وجه الدعوة إلى فريقي يوفنتوس وبارما لخوض مباراة كأس السوبر الايطالية فوق ملعب طرابلس . وتجدر الإشارة الى أن الساعدي يمتلك 12 بالمئة في بورصة يوفنتوس.
الانفراد بالرأي
وكان محمد القذافي محباً للكرة ومشجعاً لنادي الاتحاد، أما أخوه غير الشقيق الساعدي فقد بدأ الدخول الى المسرح الرياضي منذ الصغر كمشجع للنادي الاهلي بطرابلس غريم الاتحاد في العاصمة، لكن طموحات الساعدي كبيرة جدا، فقد بدأ مزاولة الكرة مع رفاقة داخل الصالات قبل ان يكسر الحاجز ويصبح بقوة النفود لاعبا اساسيا بصفوف الأهلي، ومن بعده الاتحاد، ولعب معهما مباريات عديدة.
وكذلك الحال مع المنتخب، قبل ان يهيمن على اللعبة بالكامل بعد ان نصب نفسه رئيسا للاتحاد الليبي لكرة القدم. وفيما أعتقدت جماهير الكرة الليبية في البداية بأن الفرصة قد سنحت أخيراً بولع اثنين من ابناء القذافي بكرة القدم التي حاول ولدهما طمسها وعرقلتها على مدى سنوات طويلة، وظنت هذه الجماهير ان الكرة الليبية ستكون في القمة والدوري الليبي سيكون هو الاقوى في افريقيا، الا أن الايام أكدت عكس ذلك، وأن الامر يتعلق بالبحث عن الأضواء فقط.
وأحاط كل من محمد والساعدي نفسيهما بأتباع في اللجنة الأولمبية الليبية والاتحاد الليبي لكرة القدم من ذوي القربى والأصدقاء، والذين سلمت اليهم مناصب رياضية مهمة، ولم يكن أغلبهم مؤهلين لذلك، وباستثناء بعض الطفرات التي تحققت للرياضة الليبية في سنوات هيمنة محمد والساعدي، إلا أن النتائج كانت غالبا مخيبة للآمال، مقارنة بما أنفقاه من أموال ضخمة، خاصة الساعدي الذي بدد أموالا كثيرة من أجل إظهار نفسه وسط نجوم الكرة في العالم في مشهد ظاهره تطوير الكرة الليبية وباطنه السعي وراء الأضواء.
ولم تحقق الرياضة الليبية من خلال اللجنة الأولمبية التي كان يديرها محمد القذافي إنجازات كبيرة، اللهم إلا بعض النتائج التي لاتقارن بما انفق من أموال باهظة، ولم يتحقق إلا القليل من المشاريع الرياضية، والتي اغلبها كان بطريقة تلفيقية، فيما جميع المدن الليبية تفتقر للملاعب والمرافق الرياضية الحديثة والمتطورة في بلد مثل ليبيا يسبح فوق بحيرة من النفط .
قرارات مزاجية
في مشهد يؤكد تدخل السياسة الليبية والمزاجية في الرياضة، قام القذافي سنة 1984 بمنع فريق الأهلي بطرابلس من السفر إلى القاهرة لخوض مباراة الذهاب النهائية في كأس الكؤوس الإفريقية أمام فريق الأهلي المصري، بحجة قطع العلاقات الدبلوماسية مع مصر، ولم تجد محاولات اقناع القذافي بضرورة استثمار هذه الفرصة النادرة بوصول فريق ليبي ولأول مرة الى نهائي إفريقي، ورفض سفر الفريق الى القاهرة، ليعلن الاهلي الانسحاب من هذا النهائي الذي كابد كثيرا من أجل الوصول إليه بعدما تمكن في الأدوار الأولى من ازاحة العديد من الفرق الافريقية القوية في ذلك الوقت.
مثل كانون ياوندي والنجم الساحلي والجرافة والسهام الحمراء، وكان انسحاب الاهلي حينها وبأوامر من القذافي نكسة كبيرة احبطت مشاعر اللاعبين والجماهير، وللتذكير كانت الفرق العربية في ذلك الوقت تلتقي مع الفرق المصرية رغم العلاقات الدبلوماسية المقطوعة بينها وبين مصر بسبب علاقتها بإسرائيل تطبيقاً لقرار الجامعة العربية لأن السياسة لا علاقة لها بالرياضة
تجنيد الجمهور
في يوم من أيام سنة 1979 صدرت الأوامر العليا، ربما من القذافي نفسه، لأفراد من الشرطة العسكرية والتحري بمحاصرة ملعب (11 يونيو) سابقا بطرابلس خلال مباراة الديربي بين الأهلي بطرابلس والاتحاد التي تحظى بمتابعة عدد كبير من جماهير الكرة الليبية.
وفور انتهاء المباراة تمت محاصرة الجمهور في الملعب، لتبدأ بعدها عملية القبض على الموجودين، واقتيد عدد كبير منهم بالقوة الى الحافلات التي تنتظرهم أمام الملعب، ومنها الى المعسكرات لكي يتم تجنيدهم والزج بهم في الحرب التي أشعلها القذافي مع دولة تشاد المجاورة لليبيا من الجنوب، والتي قتل فيها أكثر من عشرة آلاف ليبي بدم بارد دون قضية أو هدف. ولم تمنح للمقبوض عليهم في هذه المباراة الفرصة حتى لإعلام عائلاتهم عن مكان المعسكرات التي اقتيدوا إليها، ولا زالت هذه الحادثة راسخة في أذهان الليبيين، وهي واحدة من المشاهد التي لا تنسى في تاريخ الرياضة الليبية.
انسحاب المنتخب الليبي
في سنة 1992 تلقى السفير الليبي بتونس عبدالعاطي العبيدي تعليمات تطلب منه ضرورة إبلاغ المنتخب الليبي لكرة القدم بالعودة سريعاً إلى طرابلس وإلغاء معسكره التدريبي القصير الذي كان يقيمه في ضاحية عين دراهم تأهباً للسفر من هناك الى المغرب لملاقاة نظيره المغربي في تصفيات كأس إفريقيا، وكان المنتخب الليبي قد سافر الى تونس في حافلة عن طريق البر بسبب الحظر الجوي المفروض علي ليبيا في تلك السنوات بسبب قضية لوكيربي، وحل الارتباك بين اعضاء البعثة، ولم يجدوا حافلة تعود بهم الى طرابلس، وتمت الاستعانة بعدد من سيارات الأجرة التي عادت بهم سريعا ليستقبلهم القذافي في مقره بباب العزيزية.
وأبلغهم بأنه لن يسمح لهم بالسفر إلى الدار البيضاء عن طريق تونس وتساءل أمامهم: (إذا كان المغاربة يريدونكم ان تلعبوا معهم لماذا لم يرسلوا إليكم طائرة إلى طرابلس تقلكم إلى هناك؟ لماذا لا يفعل ملك المغرب ذلك ويقف معنا ضد الحصار الجوي؟!)، وبعد هذه المقابلة لعب القذافي الكرة (التي لم يحبها يوماً) مع أعضاء المنتخب. ، قبل أن يعودوا إلى بيوتهم مصدومين مما حصل لهم، ولتضيع مشاركة أخرى من المشاركات المهمة للمنتخب الليبي في شطحة من شطحات ومزاجيات القذافي.
رصاص في المدرجات
في شهر يوليو من سنة 1996 وفور إعلان الحكم الليبي عبدالله سالم عن نهاية مباراة أخرى من مباريات الأهلي بطرابلس والاتحاد بالدوري الليبي، جرت بعض المناوشات البسيطة بين اللاعبين والجمهور كما هو متوقع في مثل هذه المباريات الحساسة، لكن المفاجأة كانت مذهلة، فبعد نحو خمس دقائق من ذلك اقتحم منصة الملعب فصيل جنود مسلح مجهول الهوية من ذوي البشرة السمراء، وبدأ في اطلاق النار عشوائياً صوب المدرجات، في اللحظات التي كان الجمهور يهم بمغادرة الملعب، ولم يكثرت أحد للأمر في البداية، ظنا منهم بأن الرصاص كان يطلق في الهواء للتخويف والسيطرة على حادثة الشغب.
بما في ذلك افراد الشرطة الموجودون حول الملعب، لكن الصدمة كانت كبيرة عندما بدأ الضحايا يتساقطون والدماء تسيل منهم، حينها ادرك الجميع هول الكارثة، فقد كانت الرماية بالدخيرة الحية، حتى أفراد الشرطة صدموا من هذا المشهد الدموي ... كل ذلك جرى في أقل من خمس دقائق، ليغادر الفصيل الأسود المنصة في لمح البصر ويعود إلى مكانه المجهول تاركاً وراءه أعداداً كبيرة من القتلى والجرحي. وفي اليوم الثاني استلم الأهالي جثامين قتلاهم من المستشفي بعد أن طلبوا منهم الإقرار بأن الجثث لمشاغبي كرة قدم، وألزموهم بالتوقيع على ذلك.
احتفالات سياسية
لم يكن القذافي يحب كرة القدم على الإطلاق، وحاربها، ووصفها بالملهاة والمضيعة للوقت، وكانت الفترة الممتدة من أواخر السبعينات وحتى أخر الثمانينات هي الأسوأ في تاريخ اللعبة، باستثناء بعض الطفرات، ولم يظهر القذافي بملاعب كرة القدم إلا خلال الاحتفالات السياسية التي كان يدعو فيها الجماهير إلى استقباله، والتي تم خلالها استغلال الملاعب، خاصة ملعبي طرابلس وبنغازي، لتنظيم هذه الاحتفالات، وإفساد أرضية الملاعب التي داست عليها السيارات وسنابك الخيول، كما قام القذافي سنة 1984 باستغلال الصالة الرياضية الوحيدة في بنغازي حينذاك لنصب المنشقة التي أعدم فيها عدداً من معارضي حكمه وسياسته أمام الجماهير.
قرار غريب
في منتصف شهر يناير من سنة 1989 تهافتت جماهير الكرة الليبية على شبابيك التذاكر، وقطعت أكثر من 70 ألف تذكرة كانت مطروحة للبيع تخص مباراة المنتخب الليبي مع نظيره الجزائري ضمن تصفيات التأهل إلى كأس العالم 1990 بإيطاليا، لكن صدمتها كانت كبيرة صباح يوم المباراة عندما أعلن الاتحاد الليبي لكرة القدم عن انسحاب المنتخب الليبي وإهداء المباراة للمنتخب الجزائري، دون التطرق إلى الأسباب، لكن أعداداً كبيرة من جمهور الكرة الليبي تمسكت بالأمل وذهبت إلى الملعب قبل توقيت المباراة، خاصة وأن المنتخب الجزائري كان قد وصل إلى طرابلس وأقام بقرية جنزور السياحية، والتحق به بعدها لاعبوه المحترفون، ومن بينهم رابح ماجر، لكن الصدمة كانت كبيرة جداً.
فقد تجلت أمامها الحقيقة، لكنها هذه المرة لم تصمت، وتجاسرت في تحدي القبضة الحديدية للقذافي، وانطلقت الجماهير من أمام الملعب في مظاهرة غاضبة تعالت فيها الهتافات ضد القذافي، لكن هذه المظاهرة تم القضاء عليها وتفريقها من الكتائب الخاصة وقوات الأمن قبل أن تصل الى ميدان الشهداء بوسط العاصمة، وكانت محطتها النهائية أمام نادي المدينة. ، وبطبيعة الحال فقد سقط خلالها بعض الضحايا والجرحى، وما زالت قصة هذه المباراة غامضة حتى الآن.
ورطة
التايب وصف الثوار بالصراصير
خسر النجم الأول لكرة القدم الليبية طارق التايب نجوميته خلال الأيام الأولى من ثورة17 فبراير عندما دفعه رجال العقيد معمر القذافي إلى التحدث إلى الثوار بلغة متغطرسة، ودعاهم إلى العودة إلى ديارهم والكف عن العبث والتخريب، بل إنه وصفهم بالصراصير، وعارض بالتالي ثورة الحرية و الكرامة. و قد لاقت هذه التصريحات استياء كبيرا من الشعب الليبي، الذي طالما اعتبر التايب النجم الأول، وطالما أحبه كثيرا نظرا لموهبته الكروية الخارقة. وبات التايب اليوم يعيش مختفيا ومتخوفا من ردة فعل قد تحصل في أية لحظة، على الرغم من أنه قدم اعتذاره للشعب الليبي.
اعتراف
أكرم الهمالي: الساعدي احتقرنا وصنع لنفسه نجومية مزيفة
أكد اللاعب الليبي أكرم الهمالي أن اقتحام الساعدي لعالم كرة القدم لم يكن إلا لهدف واحد فقط؛ هو الاستمتاع وفرض نفسه لاعباً بصورة رسمية مع فريقي الأهلي بطرابلس والاتحاد والمنتخب الليبي. ولم تكن الأموال الضخمة التي صرفها توظف في إطارها الصحيح، بل كان جلها يذهب في الأغراض التي تخص طموحاته، وكأن هذا الأمر كان مدبراً.
وأصبح الساعدي يفرض نفسه في التشكيلة لأن أي مدرب ليس أمامه إلا خيارين؛ إما أن يختار الساعدي في التشكيلة، أو يذهب ويأتي غيره، لذلك فإن أغلب المدربين كانوا لا يجدون مفراً من مجاملته من أجل أن تكون عقودهم مجزية، وكان الساعدي يبث الفرقة بين اللاعبين، ويحاول استمالة بعضهم والإغداق عليهم من أجل أن يحظى بولائهم ومجاملتهم له، وأيضا الوشاية ببعض اللاعبين الآخرين الذين لا يروقون له وليسوا مقتنعين به لاعباً. والحقيقة أن الساعدي استغل حاجة اللاعبين لتحسين أوضاعهم المادية، وهذا الذي جعل أغلب اللاعبين يتعاملون معه كواقع مفروض عليهم وينصاعون لرغباته، وكذلك يلتصقون به حباً في المال والسفر.
جريمة
بشير الرياني واجه نهاية مأساوية
في أواخر شهر ديسمبر من سنة 2005 جرى قتل اللاعب المدرب الليبي بشير الرياني، حيث قضى الرياني نحبه في استراحة الساعدي الذي كان يتردد عليه وتربطه به علاقة، حيث قال البعض إن الرياني كان شخصية محببة للساعدي بالقفشات والنكت التي يلقيها أمامه، وبخصوص مقتله يبدو أن الرياني قد تجاوز الحدود المسموح بها في هذه العلاقة وسرب معلومات خطيرة، لتكون نهايته مأساوية وفي ظروف غامضة. وقيل انه مات منهوشا من الكلاب التي أطلقت عليه في الاستراحة. ورغم الروايات العديدة إلا أن الرياني مات مقتولا في استراحة الساعدى وسلمت جثته لأسرته.


