لم تعد مصر التي نعرفها وعشقنا كل دروبها وثناياها وارتوينا من نيلها ولم يعد المصريون كما كانوا بطيبتهم وتسامحهم وبراعتهم في مواجهة الأزمات والخطوب «انظر حولي لأشاهد مصر تولد من جديد وتبحث عن مستقبل أفضل».

مصر الطيبة لم تعد كذلك فقد أرهقتها الأحزان والهموم وتكاد تسقط عاجزة أمام العاصفة المدمرة التي يقودها شبابها المندفع الغاضب ومازلنا نعيش الذروة والطوفان يتصاعد بشكل مخيف وما كان من المحرمات أصبح مباحاً، وعند كتابة هذا المقال تتوالى موجات الجنون رغم تنازلات الرئيس وتزداد احتمالات الصدام المرعب واشعر بكل آسى ان مصر العظيمة تعيش أخطر تحول في تاريخها الطويل الحافل، وتواجه خطر الحروب الأهلية وما تفجره من فجوات بين أبناء الشعب الواحد.

مصر يحكمها الآن القاطنون في ميدان التحرير وهم من الشباب النقي المخلص الذين قفز عليهم دخلاء انتهازيون يستهدفون الفتنة ولم يعد بينهم من يناقش أو يجادل أو يتحفظ أو يعارض، توحدوا وسكنوا الميدان رغم برودة الطقس، يطالبون بالديمقراطية ولا يقبلون الرأي الآخر ويستمدون قوتهم من الفضائيات المسلطة عليهم ترصدهم دقيقة بدقيقة منذ تفجرت هذه الانتفاضة ونجحت في تحويل هؤلاء الشباب إلى نجوم تطالعهم يومياً في القنوات التلفزيونية، يحبون مصر ويدفعون كرة النار لتحرق هذا الوطن.

المشهد بات خطيراً وتصعيد المطالب يضاعف العناد ويضع الجميع في مواجهة مخيفة ندعو الله ان يجنبنا اخطارها وأوزارها وعواقبها، وفى ميدان التحرير شاهدت الشباب الثوار وقد تعايشوا في مجتمع صغير، وجدت ترابطا وتلاحما كان مفقوداً وتكافلا وتسامحا كانا غائبين، يأكلون معاً وينامون معاً، فيهم العاطل عن العمل والباحث عن أمل وتساوى الغني والفقير وانصاف المتعلمين والمثقفون، يجمعهم العشق للوطن نجحوا في تحقيق مكاسب تاريخية بتنازل الرئيس وفتح ملفات الفساد وتعديل الدستور.

لكن الوجه الآخر في ميدان التحرير يكشف عن تجاوزات بلا حدود في التهجم على رموز الوطن واندفاع غير مدروس لزيادة سقف المطالب غير عابئين بالعواقب، وشعرت ان {شباب التحرير} لا يدركون الفارق بين سقوط النظام وبين انهيار الدولة وهنا تكمن الكارثة.

وسألت بعض الشباب عن تصوراتهم لتعديل الدستور وحل البرلمان، فلم اسمع سوى هتافات وأصوات عالية وصخبا وصرخات تطالب بالرحيل وهدم أركان الدولة، ووجدت البعض يفهم الإشكاليات القانونية لكن لا يقوى على التعبير عن رأيه أمام تسلط أصحاب الهتافات العمياء، ومنهم من لا يريد ان يفهم وبعضهم قانع بالحرية في ميدان التحرير ولهم كل العذر فلم تكن حولهم قيود تمنعهم من الهتاف برحيل الرئيس، ولكن عندما تركت ميدان التحرير وجدت الحياة تجري في المناطق والشوارع الأخرى ولمست رغبة حقيقية في عدم إيقاف دولاب العمل والبحث عن الرزق، وفي ظني ان مصر لم تكن حاضرة كلها في ميدان التحرير وكان قسم كبير من أبنائها يتمزقون ألماً وحزناً على فداحة الخسائر التي تكبدها الوطن وخوفاً من الصدام الوشيك مع حماة الوطن الجيش، ويشعرون بالضجر بسبب تعطل الحياة وسمعت بعضهم يؤكد ان الدولة بكاملها تتعرض للانكسار وان الشباب رغم دعوتهم النبيلة للإصلاح لا يدركون ان مصر مستهدفة من حدودها الشرقية وان تلك الثورة غير راشدة ولا تملك مقومات القيادة.

مصر تخوض ثورة تكاد تتحول إلى فتنة بسبب الدخلاء، وتعيش حالة فريدة سوف يذكرها التاريخ دوماً ثورة يحملها شباب شديد النقاء يعشق وطنه لكنه لا يحمل تصوراً للانتقال من نظام فاسد إلى مستقبل طموح، وهذا هو الخطر في تقديري الشخصي، فالمتسلقون يتحايلون لتلويث الثورة وبفضلهم نسمع طبول الفتنة ومؤشرات لإراقة الدماء وتخريب الدولة. كان الله في عون مصر العظيمة دائماً

كلمة أخيرة

موقف دولة الإمارات مما يحدث وزيارة سمو الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان وزير الخارجية للقاهرة في هذا التوقيت العصيب يعكس أصالة ونبل وشهامة وشجاعة دولة شقيقة في عالم من الجحود.