في كرة القدم، هناك مباريات تحسم بهدف في الدقيقة الأخيرة، وأخرى بركلات الترجيح، وثالثة تحتاج إلى حسابات معقدة لفارق الأهداف والمواجهات المباشرة، لكن ماذا لو تساوى المنتخبان في كل شيء؟ النقاط، والأهداف، وفارق الأهداف، والمواجهة المباشرة، وحتى البطاقات؟
هنا قد لا يبقى أمام كرة القدم سوى أن تترك مصيرها للصدفة، وهذا بالضبط ما حدث في واحدة من أغرب قصص التأهل في تاريخ كأس الخليج، عندما وجد منتخبا عُمان والعراق نفسيهما متساويين في كل شيء تقريباً، حتى أصبح معيار اللعب النظيف هو الخيط الأخير الذي يفصل أحدهما عن الآخر، وهنا كانت عُمان على بُعد بطاقة واحدة من حسم تأهلها، قبل أن تتحول لحظة احتفال إلى مشهد قلب الحسابات بالكامل.
وسجل المنتخب العُماني هدفاً كان كفيلاً بمنحه بطاقة العبور، وانطلقت الاحتفالات، لكن صاحب الهدف قرر خلع قميصه احتفالاً، فحصل على بطاقة صفراء، والبطاقة بدت في لحظتها مجرد تفصيل صغير وسط فرحة الهدف، لكنها كانت تحمل قيمة أكبر بكثير، فبهذه البطاقة تحديداً، تساوى المنتخبان حتى في معيار اللعب النظيف، ولم يعد هناك معيار آخر يمكن الاحتكام إليه، لا فارق أهداف.. لا أهداف مسجلة.. لا مواجهة مباشرة تحسم الأمر.. ولا حتى بطاقات يمكن أن تمنح أحدهما الأفضلية.
ولم يتبق سوى القرعة، وهكذا تحولت كرة القدم من لعبة تعتمد على الأقدام إلى لحظة تعتمد على الحظ، وأجريت القرعة لتحديد صاحب بطاقة التأهل، والأغرب أن القرعة ابتسمت لعُمان، ومجرد لحظة واحدة، وبطاقة صفراء واحدة، وقرعة واحدة، كانت كافية لتحويل نهاية المجموعة إلى واحدة من أكثر النهايات غرابة وإثارة في تاريخ البطولة.
ولكن قصة عُمان والعراق ليست حالة وحيدة، ففكرة ترك مصير فريق للقرعة ليست جديدة في كرة القدم، بل شهدت الملاعب حالات تاريخية كان فيها الحظ هو الحكم الأخير، بعدما عجزت كل الأرقام والنتائج عن الفصل بين المتنافسين.
قرعة وطفل وعملة
في كأس العالم بإيطاليا عام 1990، وجدت إيرلندا وهولندا نفسيهما في موقف مشابه، حيث تساوى المنتخبان في النقاط، وفارق الأهداف، والأهداف المسجلة والمستقبلة، كما انتهت مواجهتهما المباشرة بالتعادل 1-1، وبما أن نظام البطولة آنذاك كان يسمح بتأهل أفضل أصحاب المركز الثالث، كان المطلوب فقط تحديد صاحب المركز الثاني والثالث لترتيب مواجهات الدور التالي.
ولأن الأرقام لم تستطع الفصل بينهما، جاءت القرعة لتحسم الترتيب، أجريت القرعة علناً، وأسفرت عن حصول إيرلندا على المركز الثاني وهولندا على المركز الثالث، ليتأهل المنتخبان معاً، ومرة أخرى، كانت الكرة عاجزة عن الاختيار، فاختارت القرعة بدلاً منها.
ولكن ربما لا توجد قصة أكثر غرابة من تلك التي حدثت في تصفيات كأس العالم 1954، إذ تعادلت إسبانيا وتركيا في مجموع مباراتي التصفيات، ثم خاضتا مباراة فاصلة في روما انتهت أيضاً بالتعادل 2-2، وفي ذلك الزمن، لم تكن ركلات الترجيح قد أصبحت الحل المعتاد لحسم مثل هذه المواجهات، فماذا حدث؟
لم يكن هناك سوى القرعة، ولكن الطريقة كانت أقرب إلى مشهد سينمائي، إذ أُحضرت مجموعة أوراق تحمل أسماء المنتخبين، ثم أُعطي طفل إيطالي يبلغ من العمر 14 عاماً يدعى لويجي فرانكو جيما مهمة اختيار الورقة الحاسمة، وسحب الطفل اسم تركيا، وهكذا تأهل المنتخب التركي إلى كأس العالم، بينما خرجت إسبانيا من التصفيات بقرار لم يصدر من لاعب أو مدرب أو حكم، وإنما من يد طفل.
وبعد 14 عاماً، تكرر السيناريو في بطولة كأس الأمم الأوروبية 1968، ففي نصف النهائي، انتهت مواجهة إيطاليا والاتحاد السوفييتي بالتعادل السلبي بعد الوقت الإضافي، ولم يكن نظام ركلات الترجيح قد أصبح الحل المعتمد، ومرة أخرى، عادت العملة المعدنية إلى ملعب كرة القدم.
ونزل قائدا المنتخبين مع الحكم إلى غرفة الملابس، وأجريت القرعة عن طريق رمي العملة، ورجح الحظ كفة إيطاليا، لتصل إلى النهائي، قبل أن تتوج باللقب لاحقاً، ولكن إذا كانت هذه القصص تبدو غريبة، فإن ما حدث بين باربادوس وغرينادا عام 1994 يتجاوز مجرد القرعة أو رمية العملة، لأنه لم تكن المشكلة في كيفية اختيار المتأهل، بل في أن اللاعبين أنفسهم أصبحوا لا يعرفون أي مرمى يجب أن يسجلوا فيه.
الكرة الأفريقية
تاريخ كأس أمم أفريقيا يحتفظ أيضاً بقصص نادرة خرج فيها كل شيء عن المألوف، ولم تجد المنتخبات أمامها سوى انتظار القرعة لتحديد صاحب بطاقة العبور، ومن بين هذه القصص، تبرز حكاية المنتخب التونسي، الذي دخل سجلات البطولة من باب استثنائي عام 1965، عندما حسمت القرعة بطاقة التأهل إلى المباراة النهائية.
وفي تلك النسخة، تساوى المنتخب التونسي مع نظيره السنغالي في عدد النقاط وفارق الأهداف والأهداف المسجلة، ولم تكن لوائح البطولة في ذلك الوقت تتضمن معايير إضافية، مثل اللعب النظيف، يمكن اللجوء إليها لكسر حالة التساوي، وهكذا، وبعد أن عجزت الأرقام عن اختيار المتأهل، تدخلت القرعة لتقول كلمتها.
وخرج اسم تونس، لتنال «نسور قرطاج» بطاقة التأهل إلى النهائي على حساب السنغال، في واحدة من أغرب طرق العبور في تاريخ البطولة القارية، ولكن المفارقة أن القرعة لم تكتف بكتابة قصة تونس، بل عادت لتلعب دوراً بارزاً مع منتخب آخر، هو الجزائر، ففي كأس أمم أفريقيا 1988 بالمغرب، وجد المنتخب الجزائري نفسه في مواجهة حسابات معقدة أمام كوت ديفوار، بعد تساوي المنتخبين في معايير الحسم، بما فيها النقاط وفارق الأهداف والأهداف المسجلة، كما انتهت مواجهتهما المباشرة بالتعادل 1-1.
ومرة أخرى، لم تجد الأرقام ما تقوله، فجاءت القرعة، وسحب اسم منتخب الجزائر، ليحجز بطاقة التأهل إلى نصف النهائي على حساب كوت ديفوار، وبعدها، ظلت تلك الواقعة واحدة من أشهر حالات الحسم بالقرعة في تاريخ الكرة الأفريقية، إلى أن عادت القصة نفسها إلى الواجهة، ولكن بعد 38 عاماً وبجيل جديد تماماً.
ففي كأس أمم أفريقيا تحت 17 عاماً 2026 بالمغرب، عاش المنتخب الجزائري للناشئين سيناريو يكاد يكون نسخة حديثة من قصة 1988، وهذه المرة كان المنافس هو منتخب غانا، وفي نهاية دور المجموعات تساوى المنتخبان في كل الحسابات الأساسية، بعدما حصد كل منهما 4 نقاط، وسجل كل منهما 5 أهداف، واستقبل 4 أهداف، بفارق أهداف بلغ هدفاً واحداً، كما انتهت المواجهة المباشرة بينهما بالتعادل 2-2.
ولا فارق في النقاط أو في الأهداف أو في المواجهة المباشرة، وبعد استنفاد معايير الحسم، عادت القرعة لتظهر من جديد، وجاءت النتيجة لمصلحة الجزائر، ليحجز منتخبها للناشئين بطاقة التأهل إلى ربع النهائي، ويضمن كذلك التأهل إلى كأس العالم تحت 17 عاماً 2026 في قطر، وهكذا، وبعد 38 عاماً من واقعة المنتخب الأول، وجد جيل الناشئين الجزائري نفسه يعيش القصة ذاتها تقريباً، وفي البلد نفسه الذي شهد واقعة 1988.
باربادوس وغرينادا
كانت بطولة كأس الكاريبي عام 1994، تعتمد نظاماً استثنائياً للتخلص من التعادل، فإذا انتهت المباراة بالتعادل في وقتها الأصلي، يلعب وقت إضافي يحسم بالهدف الذهبي، لكن المفاجأة أن الهدف الذهبي كان يحتسب بهدفين.
وفي مجموعة ضمت باربادوس وغرينادا وبورتوريكو، فازت بورتوريكو على باربادوس 1-0، ثم تعادلت غرينادا مع بورتوريكو سلبياً، قبل أن تحسم غرينادا المباراة بهدف ذهبي، ليحتسب الفوز حسابياً 2-0، وبقيت مباراة باربادوس وغرينادا هي الفاصل، وكانت الحسابات واضحة في ظاهرها، باربادوس تحتاج إلى الفوز بفارق هدفين.
وبدأت المباراة، ونجحت باربادوس في التقدم 2-0، وكان كل شيء كان يسير كما تريد، ولكن في الدقيقة 83، سجلت غرينادا هدفاً، لتصبح النتيجة 2-1، وفجأة تغيرت الحسابات، وأصبحت غرينادا في طريقها للتأهل، بينما باتت باربادوس بحاجة إلى هدف ثالث، لكن الوقت المتبقي لم يكن يسمح بالكثير، وهنا ولدت واحدة من أغرب الأفكار التكتيكية في تاريخ اللعبة، فإذا كان تسجيل هدف في مرمى غرينادا صعباً، فلماذا لا تسجل باربادوس في مرماها؟
وبالفعل، بدأ لاعبو باربادوس في تناقل الكرة، ثم وصلت إلى حارس المرمى، قبل أن تجد طريقها إلى الشباك، وسجل هدف في مرمى باربادوس بـ«نيران صديقة»، لتصبح النتيجة 2-2، وللوهلة الأولى، يبدو أن باربادوس ارتكبت خطأً كارثياً، ولكنها في الحقيقة كانت تبحث عن طريق آخر للتأهل، لأن التعادل يعني الذهاب إلى الوقت الإضافي، وهناك سيكون أمامها نحو 30 دقيقة لتسجيل الهدف الذهبي، بدلاً من مطاردة هدف ثالث خلال ثلاث دقائق.
ولكن غرينادا فهمت الخدعة، وإذا كانت باربادوس تريد التعادل للذهاب إلى الوقت الإضافي، فإن غرينادا رأت أن بإمكانها استخدام الفكرة نفسها، وبدأ لاعبو غرينادا محاولة التسجيل في مرماهم، وهنا حدث ما لا يمكن أن يتخيله أحد في مباراة كرة قدم، إذ كانت باربادوس تحاول منع غرينادا من التسجيل في مرمى باربادوس، وغرينادا كانت تحاول تسجيل هدف في مرماها، بينما يبحث كل منتخب عن النتيجة التي تمنحه التأهل.
وأصبح الملعب وكأنه مسرح لمباراة منطقها مقلوب تماماً، مرمى لا يريد أحد أن يدخل فيه الكرة، ومرمى آخر يحاول الفريقان الوصول إليه لأسباب مختلفة، وفي النهاية، نجحت باربادوس في السيطرة على الكرة والحفاظ على التعادل حتى صافرة نهاية الوقت الأصلي، والآن بدأت المباراة الحقيقية، وذهب المنتخبان إلى الوقت الإضافي، وعادت القواعد إلى منطقها المعتاد، والفريق الذي يسجل الهدف الذهبي يحسم المباراة.
وهنا لم تعد باربادوس بحاجة إلى تسجيل هدف في مرماها أو حماية مرماها من خصم يريد التسجيل فيها، وهذه المرة، كان عليها أن تفعل شيئاً واحداً فقط، أن تسجل في المرمى الصحيح، وبالفعل، سجلت باربادوس هدف الفوز، وعلى أرض الملعب أصبحت النتيجة 3-2، لكن وفق نظام البطولة، كان الهدف الذهبي يحتسب بهدفين، وهكذا أصبحت النتيجة الحسابية فوز باربادوس 4-2 على غرينادا، وبهذا الهدف الغريب، حسمت باربادوس بطاقة التأهل.
ولم تكن المباراة مجرد مواجهة على أرض الملعب، بل كانت معركة حسابات وقوانين وثوانٍ معدودة، جعلت اللاعبين يتصرفون بطريقة قد تبدو مستحيلة في أي مباراة أخرى، وفي كرة القدم العادية، يسعى كل فريق إلى التسجيل في مرمى منافسه، أما في باربادوس وغرينادا عام 1994، فقد وصلت الأمور إلى مرحلة مجنونة وعجيبة في كرة القدم.