الكافيين يدخل معركة النزاهة الرياضية

إيمان جمعة
إيمان جمعة
حازم خميس
حازم خميس
مي الجابر
مي الجابر
عمرو عادل
عمرو عادل
عبدالله الشحي
عبدالله الشحي

في السنوات الأخيرة، أصبح «الكافيين» عنصراً مثيراً للجدل في الوسط الرياضي؛ بكونه مادة منبهة يستخدمها بعض الرياضيين لتحسين التركيز واليقظة قبل المنافسات، بينما تتابعها الجهات العلمية والتنظيمية بحذر، بوصفها مادة قد تؤثر على عدالة المنافسة، أو تشكل خطراً صحياً عند إساءة استخدامها.. وبين الفائدة المحتملة والمخاطر، لا يزال النقاش العلمي قائماً.. هل يبقى الكافيين محفزاً طبيعياً آمناً، أم يتحول إلى مادة تستدعي قيوداً أكبر في المستقبل؟

مع بداية عام 2025، أعادت الوكالة العالمية لمكافحة المنشطات تسليط الضوء على الكافيين، بعد سنوات من مراقبته ضمن البرنامج المخصص للمواد الخاضعة للرصد العلمي، في خطوة تعكس تزايد القلق من تأثيراته المحتملة على نزاهة المنافسات وصحة الرياضيين. «البيان» تفتح هذا الملف من زواياه المختلفة، عبر تحقيق موسع، يشمل تصريحات لعدد من أبرز المسؤولين والخبراء في الإمارات ومصر، بهدف تقديم رؤية شاملة حول التعامل مع الكافيين في الرياضة، والتعرف إلى الضوابط التنظيمية والاعتبارات الطبية، وأثره المحتمل على النزاهة في الملاعب.

قهوة وشاي

قالت الدكتورة مي الجابر، رئيس الوكالة الوطنية لمكافحة المنشطات لـ«البيان»، إن الكافيين يعد من المنبهات الطبيعية المنتشرة في حياتنا اليومية، حيث يوجد في القهوة والشاي ومشروبات الطاقة وبعض الأدوية، ويعمل على تنشيط الجهاز العصبي من خلال إيقاف تأثير مستقبلات «الأدينوزين»، وهي المادة المسؤولة عن الشعور بالاسترخاء والنعاس، ما يؤدي إلى زيادة التركيز واليقظة الذهنية.

وأضافت مي الجابر أن للكافيين آثاراً إيجابية متعددة تشمل تعزيز التركيز وسرعة رد الفعل والأداء المعرفي، وتحسين الحالة المزاجية، وتحفيز إفراز الدوبامين، إلى جانب دعمه لعملية التمثيل الغذائي، مشيرة إلى أن تأثيره لا يقتصر على الجانب الذهني فقط، بل يمتد إلى الأداء البدني أيضاً، من خلال تحفيز الأحماض الدهنية للحصول على الطاقة، ما يزيد من قدرة الجسم على التحمل، وهو ما جعل المختصين في الوكالة العالمية لمكافحة المنشطات يدرجونه ضمن المواد التي يتم دراسة تأثيرها على الأداء الرياضي.

مشروبات طاقة

وأوضحت مي الجابر أن استهلاك الكافيين بشكل معتدل يعد آمناً في العموم، إلا أن الإفراط في تناوله، خاصة عبر المكملات الغذائية أو مشروبات الطاقة ذات التركيزات المرتفعة، قد يؤدي إلى مخاطر صحية، وهو ما دفع الوكالة العالمية لمراقبة استخدامه في الوسط الرياضي، لرصد أي إساءة محتملة. وأكدت الجابر أن إدراج الكافيين ضمن برنامج المراقبة للعام 2025 لا يعني حظره، بل يعني مراقبة أنماط استخدامه في المنافسات الرياضية لتحديد ما إذا كان هناك توجه لدى بعض الرياضيين لاستغلاله بشكل مفرط للحصول على أفضلية تنافسية، موضحة أن برنامج الرصد يهدف إلى مراقبة المواد التي قد تؤثر على الأداء الرياضي، مع دراسة ما إذا كانت تستدعي اتخاذ إجراءات تنظيمية في المستقبل.

جرعات زائدة

وأشارت مي الجابر إلى أن سوء استخدام الكافيين قد يحدث عندما يتناول اللاعبون جرعات كبيرة بهدف تعزيز اليقظة والقدرة على التحمل، بما يتجاوز الاستهلاك الغذائي الطبيعي، لافتة إلى أن هذه الجرعات الزائدة قد تؤدي إلى آثار جانبية خطيرة مثل تسارع ضربات القلب، والجفاف، والقلق، وضعف التركيز أو التنسيق الحركي.

واختتمت حديثها موضحة أن الكافيين يخضع حالياً للمراقبة داخل إطار المنافسات، جنباً إلى جنب مع منشطات أخرى مثل البوبروبيون والنيكوتين والفينيليفرين، ما يعكس حرص الوكالة العالمية لمكافحة المنشطات على متابعة تأثير هذه المواد على الرياضيين، ودراسة ما إذا كانت اتجاهات استهلاكها تتطلب مزيداً من التدقيق.

تأثير ملحوظ

وأكد الدكتور حازم خميس، رئيس المنظمة المصرية لمكافحة المنشطات لـ«البيان»، أن إدراج الكافيين ضمن برنامج المراقبة لعام 2025 يعكس اهتماماً بمتابعة المواد التي قد تؤثر على الأداء الرياضي، موضحاً أن الكافيين، رغم كونه غير محظور حتى الآن، إلا أن الدراسات العلمية أظهرت تأثيره الملحوظ على الأداء البدني والذهني عند تناول جرعات معينة، وقد يؤثر على الصحة في بعض الحالات إذا تم استهلاكه بكميات كبيرة.

وأشار حازم خميس إلى أن الفرق بين إدراجه في «برنامج المراقبة» ووضعه في «قائمة المواد المحظورة» يتمثل في أن المراقبة لا تتضمن عقوبات، بل تهدف لرصد أنماط الاستهلاك وتقييم تأثيرها المحتمل، وفي حال أثبتت البيانات وجود استخدام مفرط أو خطر حقيقي، قد يُتخذ قرار بإدراجه ضمن المواد المحظورة مستقبلاً.

وعن الوضع في مصر، أوضح خميس أن المنظمة رصدت من خلال الزيارات الميدانية والاستبيانات زيادة في استهلاك مشروبات الطاقة وبعض المكملات التي تحتوي على الكافيين، خاصة في الرياضات التي تعتمد على التركيز أو المجهود البدني، مؤكداً أن هذا الاستخدام لا يزال في نطاق المتابعة، ولم يتم تسجيل أي حالات طبية حادة، مع استمرار مراقبة الآثار الجانبية مثل تسارع ضربات القلب أو القلق أو اضطرابات الهضم.

مخاطر صحية

وتحدث حازم خميس، عن المخاطر الصحية المرتبطة بالإفراط في الكافيين، موضحاً أنها تتركز في التأثيرات القلبية والعصبية، خاصة عند تجاوز الجرعة اليومية الآمنة، والتي تختلف من شخص لآخر، لكنها تتراوح بين 3 إلى 6 ملغ لكل كيلوغرام من وزن الجسم، محذراً من أن الإفراط في تناوله قد يؤثر سلباً على الأداء الرياضي والاستشفاء البدني.

وفيما يتعلق بالدور التوعوي، أوضح أن المنظمة تتابع المواد المراقبة عبر رسائل وندوات موجهة للرياضيين، مشدداً على أهمية مبدأ «الغذاء أولاً» والابتعاد عن المكملات غير الموثوقة، حتى لو لم تكن المادة محظورة، كما أشار إلى متابعة التطورات العلمية المتعلقة بتأثير التركيب الجيني على استقلاب الكافيين، لافتاً إلى التوجه العالمي نحو مراعاة الفروقات الجينية في تنظيم استخدام المواد المنبهة.

واختتم تصريحاته بدعوة الرياضيين والمدربين إلى التعامل الواعي مع الكافيين واستشارة المختصين قبل استخدامه، مشدداً على أن الصحة تأتي في المقام الأول قبل أي مكسب رياضي مؤقت.

يقظة وتركيز

قال الدكتور عمرو عادل، المدير الفني للوكالة الوطنية لمكافحة المنشطات لـ«البيان»، إن الكافيين من المنبهات الطبيعية التي تعزز اليقظة والتركيز لدى الرياضيين، مشيراً إلى أن تناوله بجرعات مرتفعة قد يمنح أفضلية في الأداء خلال المنافسات، وأكد أن إدراجه ضمن برنامج المراقبة لعام 2025 خطوة مهمة لرصد هذه الجرعات وتحليل أنماط استخدامها.

وأوضح عمرو عادل أن الوكالة العالمية ستراقب مستويات الكافيين في العينات المخبرية لرصد أي سوء استخدام محتمل، خاصة عند تجاوز الجرعات الطبيعية، وهو ما سيساعد مستقبلاً في تحديد ما إذا كان الكافيين سينتقل إلى قائمة المواد المحظورة.. وبيّن أن الفرق التنظيمي بين المواد المحظورة والمراقبة يكمن في أن الأولى يحظر استخدامها وتؤدي إلى عقوبات عند ظهورها في التحاليل، بينما يتم فقط رصد الثانية دون توقيع عقوبات، بهدف تقييم تأثيرها على الأداء الرياضي.

وحول المخاطر الصحية، أوضح أن الجرعات المرتفعة من الكافيين قد تؤدي إلى اضطرابات قلبية وعصبية مثل القلق والأرق وارتفاع ضغط الدم، إضافة إلى كونه مدراً للبول، ما قد يسبب الجفاف أثناء النشاط الرياضي.

أشكال جديدة

وأشار عمرو عادل إلى أن انتشار المكملات الغذائية ومشروبات الطاقة زاد من احتمالات إساءة استخدام الكافيين، خاصة مع سهولة الحصول عليه، ما يجعل مراقبته ضرورية لحماية صحة الرياضيين وضمان نزاهة المنافسات، كما لفت إلى ظهور أشكال جديدة من الكافيين مثل العلكة والحبوب المركزة، التي تتيح امتصاصاً أسرع للمادة داخل الجسم، لكنها في الوقت ذاته ترفع من احتمالية التعرض لآثار جانبية خطيرة مثل القلق وخفقان القلب، ما يستدعي تطوير وسائل المراقبة وتكثيف التوعية.

وأكد عادل على الدور المحوري للأجهزة الطبية والرقابية داخل الأندية والمنتخبات في توعية الرياضيين، خاصة الفئات الشابة، بمخاطر المكملات والمنشطات.

وختم تصريحاته بالتأكيد على أن إدراج أي مادة ضمن قائمة المحظورات يستند إلى دراسات علمية دقيقة، ويتم إذا ثبت أن لها تأثيراً على الأداء أو تشكل خطراً صحياً، أو تتعارض مع القيم الأخلاقية للرياضة.

إجراءات تنظيمية

وقال المهندس عبدالله أحمد الشحي، الأمين العام للوكالة الوطنية لمكافحة المنشطات لـ«البيان»، إن الوكالة تتخذ إجراءات تنظيمية واضحة عند إدراج مادة جديدة ضمن قائمة المواد المحظورة من قبل الوكالة العالمية لمكافحة المنشطات «WADA»، تبدأ بدراسة التعديلات فور استلامها في أكتوبر من كل عام، يليها إصدار تعميم رسمي للجهات الرياضية المحلية يوضح تفاصيل المواد الجديدة وآلية التعامل معها، على أن تدخل التعديلات حيز التنفيذ في يناير من العام التالي.

وأوضح الشحي أن الوكالة تفعل هذه التعديلات ميدانياً من خلال حملات توعوية عبر المنصات الرقمية وورش العمل المباشرة مع الرياضيين والأجهزة الفنية والطبية، لضمان وصول المعلومات بوضوح.

وأضاف أن الوكالة تعتمد على تعميمات رسمية ومنصاتها الإلكترونية لإبلاغ الاتحادات والأندية بأي تحديثات جديدة، إلى جانب عقد ورش عمل ومحاضرات دورية تشرح التعديلات.

فترة انتقالية

وأشار عبدالله الشحي إلى أن الوكالة تولي أهمية كبيرة للتوعية الوقائية، من خلال برامج مستمرة تستهدف الرياضيين والأطقم الطبية، وتحذر من مخاطر المكملات أو مشروبات الطاقة التي قد تحتوي على مواد مدرجة دون علم الرياضيين، مع توفير قنوات اتصال للرد على الاستفسارات. وفي حال رصد حالة تعاطي لمادة أُدرجت حديثاً ضمن قائمة الحظر، أكد الشحي أنه يتم فتح تحقيق وفقاً للمدونة العالمية ولوائح الدولة، للتأكد من توقيت الاستخدام، موضحاً أن العقوبات تطبق في حال ثبوت الاستخدام بعد سريان الحظر، مع مراعاة الظروف الخاصة بكل حالة. واختتم الشحي بالتأكيد على أنه رغم عدم وجود فترة انتقالية رسمية، إلا أن الوكالات الوطنية توفر فترة توعية تبدأ من إعلان التعديلات، مشدداً على مسؤولية الرياضي في الامتثال للقواعد فور بدء تطبيقها.

ورش عمل

قالت إيمان جمعة، المدير التنفيذي للمنظمة المصرية لمكافحة المنشطات، لـ«البيان»، إن المنظمة تتابع بدقة التحديثات الصادرة عن الوكالة العالمية لمكافحة المنشطات، مشيرة إلى أن الكافيين مدرج منذ سنوات ضمن برنامج المراقبة، ويتم التعامل معه توعوياً للحد من مخاطر الإفراط في استخدامه.

وأوضحت جمعة أن الكافيين جزء أساسي من المحتوى التوعوي الذي تقدمه المنظمة للرياضيين والأطقم الطبية، من خلال البرامج التدريبية وورش العمل، مع التركيز على الفئات الناشئة، بهدف تعزيز وعيهم بمخاطر استهلاكه المفرط، سواء عبر المكملات الغذائية أو مشروبات الطاقة.

وأكدت إيمان جمعة، أن إدراج الكافيين في برنامج المراقبة إجراء تنظيمي قائم منذ سنوات ويخضع لمراجعة سنوية بناءً على البيانات العلمية، مشيرة إلى أن البرنامج يهدف إلى جمع وتحليل بيانات الاستخدام دون أن يعني ذلك حظر المادة.

تعميم فوري

وعن آليات التواصل، أوضحت إيمان جمعة أن المنظمة تعتمد على نشرات رسمية ولقاءات دورية مع الاتحادات والأجهزة الطبية، إلى جانب نشر التحديثات على منصات التواصل الاجتماعي لضمان وصولها إلى الرياضيين.

وفي حال اتخاذ قرار بحظر الكافيين أوضحت جمعة أن المنظمة ستصدر تعميماً فورياً للجهات الرياضية، وتحدث المواد التدريبية، وتطلق ورش عمل عاجلة لشرح القرار وآليات تطبيقه.

أما عن الوضع المحلي في مصر فأشارت إلى أن المتابعة المستمرة أظهرت تزايداً ملحوظاً في استهلاك المكملات والمشروبات التي تحتوي على الكافيين، وغالباً ما يرتبط ذلك بقلة الوعي أو تقليد بعض الأنظمة التدريبية الخارجية.

واختتمت بتأكيد أن إدراج أي مادة في برنامج المراقبة لا يعني حظرها فوراً، لكنه يمثل خطوة أولى لدراسة تأثيرها على النزاهة الرياضية وصحة الرياضيين، مشددة على أهمية التوعية العلمية كخط دفاع أول في مواجهة المنشطات.