أمام الخيمة الكبيرة التي تتسع لمئات الناس، لمحته يقف في بداية الممر المؤدي إلى الداخل.. يتهلل وجهه وهو يستقبل القادمين.. ملامحه المحبة، باتت مألوفة لي منذ سنوات.. اعتدت أن أراه مبتسماً يخفي إرهاقه وتعبه، وهو يوجه هذا، ويرشد ذاك.. ينظم وينسق، فلا يجعل للزحام مكاناً ولا مقاماً، لم أره عبوساً قط.. هو كما هو، بسجاياه الطيبة، يبث الثقة والطمأنينة على المحيطين به.. يتحرك في همة ونشاط، بطاقة يتوهج معها حبه للعطاء، وعشقه للخير.. مازال كما شاهدته أول مرة، وكأن السنين لم تنل منه، شاباً عشرينياً، وهب نفسه للخدمة العامة.. جندي مجهول، لم تفتنه أضواء الشهرة، ولم ينسب يوماً شيئاً لنفسه، سعيد هو، بوجوده خلف كل صورة جميلة.. نبرات صوته الجادة، تشير إلى ثراء ثقافته.. منذ كان طفلاً وحلمه البسيط ينمو في أروقة إنكار الذات، يرتقي بإنسانيته إلى أسمى معانيها، أحلامه تشير إلى أنه ظل على ما هو عليه منذ رأيته، حينها عرفت منه، كيف كان يجتهد مع رفاق الطفولة، وينذرون أنفسهم لخدمة الصائمين في الطرقات طوال شهر رمضان.. ينتشرون في إشارات المرور ويقدمون للمارة بعض التمر والماء، ثم يعود إلى بيته قبيل العشاء، فيفطر بعد أن أفطر الناس، وينعم بسعادة غامرة لما فعله.. اعتاد منذ صغره، على هذا النهج، إذ لا حلم له إلا خدمة الوطن ومن يعيش فيه.
كان هو نفسه، ومعه أصدقاؤه، يسهمون منذ عامين، بجهودهم المضنية في تنظيم الأولمبياد الخاص العالمي لذوي الاحتياجات الخاصة، وكان معهم، مثل القناديل، يضيئون بما يعملون، صالات ومراكز التدريب وأماكن الإقامة.. أذكر أنه كان ضمن «عشرين ألفاً» جادوا بأوقاتهم وجهودهم، لتيسير أعمال الرياضيين الذين قدموا للتنافس من 190 دولة، وقبلها بعام كان موجوداً في الأولمبياد الخاص للألعاب الإقليمية التاسعة 2018.
شاهدته وهو يقف بجانب العشرات من زملائه وزميلاته، في الطرقات يرفعون أعلام الوطن ويلوحون بها، معربين عن رضاهم، عما يقومون به من عمل، فرحين بما يسعدون به الآخرين، أذكره جيداً، حين كان يمسك بيد أحد المسنين ليعبر به الطرقات، في معرض الكتاب، ليصل به إلى حيث يريد.
كثيراً ما لمحته بنشاطه المعهود، في ملاعب الكرة يعاون المنظمين والجمهور على دخول مباريات البطولات في كل المحافل الدولية والعالمية التي تستضيفها الدولة.
هذه المرة شاهدته مع رفقة الخير، في مراكز تطعيم اللقاح الخاص بـ«كورونا»، لا يملون من سؤال، ولا يكلون من تكرار. رأيته كما آراه دائماً.. متطوعاً من شباب هذا الوطن.. نبتاً في أرض الخير، فكان حلمه للخير.
