حكاية حلم

معركة المطر!

لم يعبأ أحد في البيت بنظراته الساكنة، فقد اعتاد الجميع أن يكونوا مثله.. يتأملون ويفكرون في هدوء وصمت، ولا ينبس أحد بكلمة حتى لا يعكر صفو الآخر.. أطل من شرفته، يتابع السحب الركامية المقبلة ببطء، معلنة عن زخات مطر، تغتسل بها فرجان وشوارع دبي، يمدد البصر نحو السماء.. وحده يعيش حرباً لا يعي ما فيها سواه، فهو من يحدد وطيسها وهدنتها، وهو من يرسم، في الجانبين، خططها وبدايتها.. يحرك القطع الحربية هنا، وينتظر متدبراً في سبل إيقافها هناك، فيمضي ساعات في التعامل، مع هذا وذاك.. معركة تستنزف من وقته وذهنه الكثير، لكنه يستمتع بها، يومئ برأسه للأمام، يزداد صوت المطر، فتزداد وتيرة المعركة، فهي حرب لا يصلح معها سٌبات، ولا سِنة من نوم أو غفلات، تحتاج ليقظة دائمة، حتى يستسلم أحد الطرفين، عندئذ، تتثبت في رأسه خطة الانتصار، هكذا يحرك قطع الجيش الأسود، بخطوات متقنة، ثم يواجهه بنظيره الأبيض في دفاعات محصنة.

يحتاط.. فتستمر المعركة ساعات، وربما أيام، إلى أن يعلن هو وحده، نهايتها بحصار محكم على ملك مستسلم.. فيفوز على نفسه بعد جهد وفير، اضطربت فيه أنفاسه، بين شهيق وزفير.. تدريبات ذهنية اعتاد عليها، فوق قطعة شطرنج يبسطها في خياله أمام عينيه، فلا يراها إلا هو.

كان يعلم أن قدراته أكبر من أن تتقوقع في غرفته، في منافسة مع أشقائه الأربعة، وأن أحلامه، تتسع لتجوب العالم.. حين تنتهي جلسته مع نفسه.

نبوغه بين أسرته.. حفّزه للانخراط في اتحاد الشطرنج عند تأسيسه 1976.. تفوق في البطولات المفتوحة للناشئين، ولم يخسر أي مباراة.

في طريق الحلم.. شارك وهو ابن الحادية عشرة، في بطولة العالم تحت 17 سنة بفرنسا، مع لاعبين مخضرمين أكبر منه في العمر، وكشف عما يملك من قدرات، وموهبة في استراتيجية البدايات.

بعد خوضه العديد من البطولات.. انطلق نحو حلمه الكبير، في مدينة جالابا‎ ‎بالمكسيك عام 1981، تفوق ذاك الفتى القادم من دانة الدنيا، على كل منافسيه في معركة العقول الذكية، وتوج بلقب بطولة العالم للناشئين تحت 14 سنة.. هكذا حقق حلمه ورفع علم الإمارات في ذلك المحفل العالمي.. ويعود ليتشرف باستقبال المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيّب الله ثراه.

إنه سعيد أحمد سعيد بطل العالم السابق في الشطرنج.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات