لعب ازدهار الحالة الاقتصادية في العالم بشكل عام في نهاية القرن التاسع عشر، وانتشار الثقافة وتوسع العلاقات الدولية بين المجتمعات، دوراً كبيراً في تطور الحركة الرياضية العالمية من خلال إقامة المباريات.
وكان لابد إزاء هذا الواقع من وضع الأنظمة التي تدير الألعاب والمسابقات وترعى شؤونها، وإنشاء الملاعب الضخمة وما يلزمها.
وفي منتصف هذا القرن، كانت اليونان محط إعجاب عدد من علماء الآثار الذين زاروا أولمبيا وكشفوا عن بقايا الملاعب الرياضية القديمة، فقام رجل الأعمال اليوناني ايفانغيلوس زاباس بفكرة إحياء الألعاب الأولمبية.
وتناولت أهمية الدور «في إعادة التقليد التاريخي...» ثم انهمرت الدراسات والمواضيع والتحقيقات «عن الأمجاد الأولمبية في العصور الغابرة» و«إمكانية التصدي للأزمة الاقتصادية وتجاوزها... وها هو السباق اليوناني الأصيل ينطلق».
أدت هذه الحملة المركزة إلى اتساع الصدى في الدول الأوروبية الأخرى، وتعدى الحديث الفائدة الرياضية إلى فرصة الاستفادة من الألعاب لتأهيل الأماكن القديمة وتسليط الأضواء على النشاطات الفنية والثقافية الموازية، التي يجب أن ترافق المسابقات وإعادة تنظيم التصميم العمراني لأثينا، والفوائد الإضافية من النواحي السياحية والإنمائية والبيئية والاقتصادية كافة.
حدد الموعد من 6 إلى 15 أبريل 1896 لإقامة الألعاب الأولمبية الحديثة الأولى، وشارك فيها 285 رياضياً من 13 دولة هي: النمسا، استراليا، بلغاريا، بريطانيا، هنغاريا، ألمانيا، اليونان، الدنمارك، الولايات المتحدة، فرنسا، تشيلي، السويد وسويسرا.
منافسات
وتضمنت المنافسات مسابقات المصارعة، الدراجات، الجمباز، ألعاب القوى، السباحة، الرماية، التنس، رفع الأثقال والسلاح. وحضر الافتتاح أكثر من 80 ألف متفرج، وهو رقم قياسي بقي صامداً حتى عقد الأربعينات من القرن العشرين... وكان أول الفائزين المتوجين الأميركي جيمس كونولي في الوثبة الثلاثية (13.71م)
قدرت تكاليف الألعاب بـ 600 ألف دراخما وغالبية المتبارين دفعوا نفقات مشاركتهم.
بين المشاركين: 21 ألمانياً و19 فرنسياً و14 أميركياً و8 إنجليز و180 يونانياً. تضمنت الرياضات التسع التي شملتها الألعاب 43 مسابقة واقتصرت على الألعاب الفردية.
الدورة الثانية
أرادت فرنسا إن تظهر فخرها بما آلت إليه «إمبراطورية توسعها» في العالم ولا سيما في أفريقيا. رأت السلطات العليا أن لا ضرر البتة في إن تقام الألعاب الأولمبية الثانية المقررة في باريس في إطار المعرض العالمي.
كانت أولى إشارات المزج بين المصالح والطموحات والغاية من جعل الرياضة مرآة الشعوب تعكس تطورها ونهضتها.
وإذا كانت البادرة وقتذاك بريئة مما غلف الرياضة في السنوات التالية لا سيما بعد الحرب العالمية الثانية، فإن الوعي الهادف إلى استغلال الفرص وانتهاز المناسبات متجذر في التكوين الإنساني على مر العصور.
بعد النجاح الذي تميزت به الألعاب الأولى، أعتقد كثر أن أثينا وأولمبيا ستكونان مركزاً دائماً للمنافسات المنبعثة من التاريخ العريق. لكن اللجنة الأولمبية وتكريماً لمؤسس الألعاب الحديثة البارون بيار دو كوبرتان ارتأت أن تقام الألعاب التالية عام 1900 في فرنسا وتحديداً في العاصمة باريس.
انطلقت المنافسات في 20 مايو واستمرت حتى 28 أكتوبر، كونها ذابت في المعرض العالمي. وشارك فيها 997 رياضياً بينهم 22 امرأة من 24 بلداً.
الدورة الثالثة
سقطت الدورة الأولمبية الثالثة التي أقيمت في مدينة سانت لويس الأميركية عام 1904 في «بحر» المعرض الدولي، وقبل أن ينسى العالم التخبط الذي رافق الدورة الثانية في باريس قبل أربعة أعوام.
دورة رافقها أيضاً استعراض كبير في محاولة إنجاحها وتعزيز نصرها على شيكاغو بعد صراع طويل، فالألعاب كانت أساساً منوطة بالمدينة الثانية، وتلك كانت رغبة رئيس اللجنة الأولمبية الدولية بيار دو كوبرتان، غير إن زيارته لرئيس الولايات المتحدة فرانكلين روزفلت عام 1889، كشفت له عن «الرغبة الداخلية الدفينة» بتجيير الألعاب إلى سانت لويس.
بسبب غلاء السفر إلى الولايات المتحدة من أوروبا، غاب رياضيون كثر، والمنافسات وملحقاتها التي أقيمت ما بين الأول من يوليو و23 نوفمبر استقطبت 651 رياضياً فقط بينهم 6 سيدات من 12 بلداً.
وكان اللافت إن 39 مشاركاً مثلوا بريطانيا والمجر وألمانيا واليونان والنمسا وسويسرا في مقابل 533 دافعوا عن ألوان الولايات المتحدة.
وتصدرت الولايات المتحدة جدول الميداليات بـ78 ذهبية، تلتها ألمانيا وكوبا وكندا (4)... ولم تحصل استراليا والنرويج وجنوب أفريقيا على أي ميدالية.
