يبدو أن مرض الفضائح الرياضية أراد أن يهز هذا العام عالماً آخر، بعد أن زلزل عرش الاتحاد الدولي لكرة القدم «فيفا» والاتحاد الدولي لألعاب القوى، فقرر أن يحط رحاله هذه المرة في عالم التنس، والذي يتابعه الملايين حول العالم، خصوصاً بطولات الغراند سلام، بعد أن تكشف الوجه القبيح للكرة الصفراء عقب تقارير إعلامية أدهشت العالم في الأيام الماضية.
فقد نشرت هيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي» وموقع «بازفيد» الأميركي، تقريراً مفصلاً عن هذه الفضيحة الجديدة، بعد إطلاعهما على عدد من الوثائق والتي تفيد بعمليات واسعة متعلقة بالتلاعب بنتائج المباريات، وأن المتورطين فيها هم اللاعبون أنفسهم، والمصيبة الكبرى أن 16 منهم ضمن القائمة الخمسين للتصنيف العالمي للاعبي التنس، والأمر من ذلك أنهم رهائن بإرادتهم أو بغير إرادتهم لعصابات الرهانات في إيطاليا وروسيا.
وأشار التقرير إلى أن جميع هؤلاء، وبينهم «فائزون بالبطولات الأربع الكبرى، لم تتخذ بحقهم أي إجراءات واستمروا في مسيرتهم» من دون أي عقوبات اتخذت بحقهم. ولم تكشف هيئة الإذاعة أو موقع «بزفييد» أي أسماء للاعبين، لكنهما أكدا الحصول على إثباتات بالتلاعب على درجة عالية في الملفات السرية.
وتشير الوثائق إلى أن التحقيقات قد اكتشفت وجود نقابات للمراهنات في روسيا وشمال إيطاليا وصقلية تحقق عائدات بمئات الآلاف من الجنيهات من المراهنات على مباريات يعتقد المحققون أن هناك تلاعباً بنتائجها، وكان من بينها ثلاث مباريات في بطولة ويمبلدون.
أصل الحكاية
في العام 2007، جمعت المباراة النهائية ببطولة «سوبوت» للتنس في بولندا، النجمين الروسي نيكولاي دافيدينكو، والأرجنتيني مارتن فاسالو أرغويو، حيث أشارت التوقعات إلى أن الأول هو من سيحصد البطولة بسبب احتلاله التصنيف الرابع، بينما الأخير يحتل المركز 87.
إلا أن ما تم ملاحظته أن كل الرهانات ذهبت إلى اللاعب الأرجنتيني، ومعظمها قادمة من الحسابات في العاصمة الروسية موسكو، ما اعتبر ضرباً من الجنون، ما دفع رئيس مكافحة الفساد والرهانات في إحدى الوكالات، بالاتصال هاتفياً على نائب رئيس رابطة الرجال المحترفين في التنس، ليخبره بما يحدث.
وفجأة وخلال المباراة، بدأ دافيدينكو، بإبطاء حركته، والاستعانة بالفريق الطبي، بحجة إحساسه بآلام في الكاحل، ليرمي بعدها المشفة البيضاء ويعلن انسحابه من المباراة النهائية، والتي ترتب عليها فوز اللاعب الأرجنتيني.
مكتب الرهانات في العاصمة البريطانية لندن، أصدر قراراً ببطلان المراهنات على هذه المباراة، وقاموا بتسليم الملفات إلى رابطة التنس للمحترفين التي قامت بفتح تحقيق شامل حول هذا الحادث المريب.
إشارات التحذير
ومن جانبه، أكد ريتشارد إينغس، الذي عمل نائباً للرئيس التنفيذي للجنة القواعد في الرابطة حتى العام 2005، أنهم جمعوا قائمة ضمت 20 لاعباً تورطوا في العمليات المشبوهة والمرتبطة بالرهانات.
وأضاف إينغس، أن هناك عدداً من لاعبين تعمدوا عدم اللعب بطريقة جيدة، والادعاء بالإصابة حتى ينسحبوا من المباريات، ما يعني أنهم شركاء مع عصابات الرهانات التي كانت تدير مثل هذه العمليات بطريقة قوية.
وقال إينغس، إنه تحدث إلى عدد من اللاعبين حول هذا الموضوع، حيث قال له خمسة لاعبين إن هناك أشخاصاً قدموا لهم عروضاً مالية تصل إلى 50 ألف دولار لكي يتلعبوا بالنتائج، مشيراً إلى أنه كان من الصعب على الجميع سواء من المسؤولين، الجماهير، ووسائل الإعلام معرفة حقيقة ما يحدث بالفعل.
وأضاف إينغس، أنه قام بعرض قانون على اللجنة، أجبر فيه اللاعبين على تسليم سجلات هواتفهم وحسابتهم المصرفية، لمعرفة إذا ما كانت هناك عمليات للتلاعب، وبالفعل هذا الإجراء أسهم في معرفة فضيحة المباراة الشهيرة.
فريق التحري
ومع ازدياد الشكوك حول عمليات الفساد، تم تكليف فريق مما عملوا سابقاً في لجنة مكافحة الفساد بسباقات الخيل البريطانية، بالتحقيق حول هذا الموضوع، والذين اكتشفوا أن المباراة الفضيحة شهدت مراهنات كبيرة على أرغويو، خاصة من تسعة حسابات مالية في موسكو، ما يوحي بأنها إما تدار من شخص واحد، أو أن هناك شركاء في هذه العملية.
وأشار المحققون إلى أنهم عندما حصلوا على أسماء الأشخاص الذين يمتلكون هذه الحسابات، منهم من قال إنهم راهنوا بناء على الأخبار المتعلقة بإصابة دافيدينكو قبل المباراة، والبعض الآخر رفض الحديث بل حذروا بأنهم لو تحدثوا عن هذا الموضوع، سوف يتعرضون لأضرار جسدية، ما سبب نكسة كبيرة لفريق التحقيقات.
ثم توجهت الأنظار إلى من كانوا يديرون المباراة، حيث تم الحديث مع حكم المباراة وأخصائي العلاج الطبيعي، اللذين أكدا أنه لم تكن هناك دلائل قوية على إصابة اللاعب الروسي، بينما أظهرت السجلات الطبية للاعب وجود التهاب في أواتر القدم، وهو شيء شائع بين لاعبي التنس، وعلى الرغم من تأكيد بعض الأطباء أن دافيدينكو زارهم بعد وقت قصير من المباراة الشهيرة، إلا أن المحققين لم يجدوا التشخيص في سجلاته.
سياسة الإنكار
كما قام فريق التحري بالتحقيق مع دافيدينكو في فندق الشيراتون بمطار فرانكفورت، حيث أنكر معرفته بالموضوع وتلاعبه بالمباراة، وعندما طلب منه تسليم سجلات مكالماته ماطل اللاعب طويلاً قبل أن يرضخ في النهاية ويسلم البيانات.
أما أرغويو، فقد كان متعاوناً مع التحقيقات على الرغم من نفيه المشاركة في التلاعب بنتيجة المباراة، كما أنه قام بتسليم هاتفه لفريق التحقيق، الذين اكتشفوا أن اسم اللاعب الروسي كان موجوداً في هاتف الأول، على الرغم من إنكار الأخير معرفته بمنافسه.
واكتشف المحققون أنه على الرغم من حذف بعض الرسائل النصية إلا أنهم تمكنوا من استرداد بعضها، حيث كانت المفاجأة وجود رسائل نصية متبادلة بينه وبين اللاعب دافيدينكو، بالإضافة إلى عدد من الأشخاص الذي يمتلكون حسابات للرهانات في إيطاليا، بل أيضاً زيارات لآخرين له في الفندق، حيث عرضوا عليه المال مقابل القيام بهذه العمليات المشبوهة.
واستنتج فريق التحقيقات أن هناك عصابات في روسيا وإيطاليا راهنت على 72 مباراة، بينما كان هناك أكثر من 28 لاعباً متواطئين في هذه العمليات، ومنها بطولة ويمبلدون، وفرنسا المفتوحة.
فيليبس: عرضنا الأدلة فقالوا لنا شكراً والباب هناك
شُكلت وحدة النزاهة في التنس في سبتمبر العام 2008، حيث اطلعت على التحقيقات المرتبطة بالقضية، فيما أعلنت رابطة محترفي التنس أنه ليس هناك دليل قاطع على قيام اللاعبين بعمليات تلاعب خلال المباراة.
بعدها قامت وحدة النزاهة بدعوة فريق التحقيق للاجتماع بهم في العاصمة البريطانية لندن، حيث قاموا بعرض وتسليم كل الأدلة التي بحوزتهم.
واستطاعت «بي بي سي» البريطانية أو «باز فيد» الأميركية، من الحديث مع أحد المحققين الذين شاركوا في تقصي حقيقة هذا الأمر، ويدعى مارك فيليبس الذي قال «أعطيناهم كل شيء ولكنهم لم يقوموا بأي شيء على الإطلاق».
وأضاف مارك فليبس «لقد قلنا لهم هذا ما تحتاجون إليه، سلمناهم عدداً من الملفات والأدلة الإلكترونية».
وأكد فليبس «من واقع خبرتي في سباقات الخيل البريطانية، هذه الأدلة كانت قوية جداً، وأفزعت اللجنة، ولكنهم في نهاية المطاف قالوا لنا شكراً، والباب هناك».
وقال فليبس، لقد انتظرنا وتوقعنا أن تقوم الوحدة باستدعاء اللاعبين، ولو فعلوا هذا الشيء لكانت رسالة للجميع، ولكنهم لم يفعلوا شيئاً.
كان هناك 28 لاعباً في تقرير 2008 لم يتم مراقبتهم على الإطلاق، ومنذ العام 2009 تم تحذير وحدة النزاهة من تسعة لاعبين، ولكنهم تجاهلوا هذا الشيء.
قائمة السبعين
واطلعت «بي بي سي» و«بازفيد» على وثائق تظهر أن هناك ما لا يقل عن تسع قوائم تم تسليمها إلى وحدة النزاهة، ضمت 70 اسماً من المشتبهين بالقيام بعمليات التلاعب، وتكرر فيها اسم 17 لاعباً على مدار السنوات الماضية.
وفي العام 2011، ظهر اسم 20 لاعباً قاموا بعمليات التلاعب بالمباريات، إلا أن لجنة النزاهة فضلت عدم اتخاذ أي إجراء تأديبي، وغضت الطرف عن هذه الأسماء.
وقال فرانشيسكو بارانكا المدير العام لإحدى وكالات مكافحة التلاعب بالنتائج، إن مشكلة التنس بدأت تكبر شيئاً فشيئاً.
وأضاف بارانكا، أنهم حاولوا محاربة هذه المشكلة ولكن للأسف الشديد إن المسؤولين عن التنس ليسوا مهيئين بخوض معركة جدية ضد مثل هذه العمليات.
الشرطة تراقب
وعلى الرغم من الاتهامات الموجهة إلى لجنة النزاهة بالتراخي، إلا أن ذلك لم يمنع بعض الجهات الأمنية العالمية من التواصل مع اللجنة.
ففي العام 2013، تمت محاكمة أحد اللاعبين السابقين بتهم التلاعب بالنتائج، حيث قام بتسليم قائمة لـ 28 لاعباً، 6 منهم سبق تواجدهم في التحقيقات السابقة.
بعدها تم إرسال هذه الأسماء إلى وحدة النزاهة في ويمبلدون، إلا أنه لم يحدث أي شيء، ولم تتم معاقبة اللاعبين.
وقال بن غن، قائد شرطة سابق أجرى تحقيقاً رئيسياً بشأن المراهنات في عالم التنس وأدى في النهاية إلى إنشاء وحدة نزاهة التنس: «هناك عنصر من عناصر الإبقاء على الأمور طي الكتمان».
وأضاف غن، «إذا كانوا جادين حقاً في التعامل مع هذا، فيتعين عليهم إنشاء وحدة نزاهة بصلاحيات قوية».
وأرسلت جمعية الأمن الرياضية الأوروبية، التي تراقب المراهنات، قائمة بأكثر من 50 مباراة يشتبه في التلاعب بنتائجها إلى وحدة نزاهة التنس عام 2015.
وقالت الجمعية إن رياضة التنس تجذب المراهنات المشبوهة أكثر من أي رياضة أخرى.


