حظيت رياضة الجوجيتسو باهتمام منقطع النظير من قبل صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي، نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة.

وكان الاهتمام نابعاً من رؤية سموه في صقل الشخصية فكرياً، إلى جانب الفوائد الصحية والبدنية. وتجلى ذلك الاهتمام من خلال رعايته لمسابقة نادي أبوظبي للقتال التي أطلقها سمو الشيخ طحنون بن زايد آل نهيان، للمرة الأولى في العام 1999. وكان لتلك الرعاية دور كبير في تحقيق المسابقة نجاحاً لافتاً منذ عامها الأول، وذلك على صعيد الاستقطاب والمشاركة والفوز بلقبها وتخريجها أبطالاً عالميين في رياضة الجوجيتسو.
كما بلور سموه هذا الدعم، من خلال تأسيس بطولة أبوظبي العالمية لمحترفي الجوجيتسو في العام 2009، وحضوره النسخ الست من بطولة أبوظبي العالمية لمحترفي الجوجيتسو في أبوظبي وتأسيس اتحاد الجوجيتسو الإماراتي وإشراك هذه الرياضة ضمن مقررات المنهج التعليمي لأكثر من 100 مدرسة حكومية في أبوظبي.

وقد لاقت تلك الرياضة المتابعة الكريمة من سمو الشيخ هزاع بن زايد آل نهيان، مستشار الأمن الوطني، رئيس المجلس التنفيذي، الذي كان من أوائل المشجعين للاعبي المنتخب الوطني، أثناء انعقاد دورة بطولة العالم لمحترفي الجوجيتسو في أبوظبي.

الأب الروحي وقصة عشق لا حدود لها
حطت رياضة الجوجيتسو رحالها، حيث كانت تجد لها أباً روحياً يزودها بوقود الازدهار والنجاح وينشر شعبيتها في مختلف شرائح المجتمع. وفي هذا السياق، فإنه عندما تُذكر تلك الرياضة في دولة الإمارات، يتبادر للذهن اسم سمو الشيخ طحنون بن زايد آل نهيان، الذي يعود له جل الفضل وعظيم الأثر في انتشار هذه الرياضة وتطورها وإعطائها مساحة كبيرة.

وقد بدأت قصة شغـــفه واهتــــمامه بهذه الرياضة، أثناء دراسته في سان دييجو في الــعام 1995، حيث كان يتابع دوري بطولة القتال النهائي (المعروفة اختصاراً باسم يو إف سي UFC)، ليصبح بعــــدها من المعـــجبين بهذه الرياضــــة التي كانت منتشرة في مختلف الولايات المتحدة الأميركية.

التحق سمو الشيخ طحنون بن زايد بمدرسة جريسي بارّا ليتعلم أسس رياضة الجوجيتسو وبعد عودته إلى أرض الوطن في العام 1997، حرص سموه على نشر تلك الرياضة في دولة الإمارات، لما لها من دور كبير في التأثير إيجاباً على الجانبين العقلي والبدني. فأسس نادي أبوظبي للقتال في العام نفسه، وكانت رؤيته قائمة على أن تكون العاصمة أبوظبي الحاضنة العالمية لمجتمع الجوجيتسو العالمي. وأدرج جملة جديدة من القوانين ونظام النقاط، ساهمت في الحد من استخدام الضربات الوحشية واعتمدت على التشابك بالأيـــدي وهــجمات الإخضاع كطريقة أكثر فاعلية وتفــوقاً، ومـــكنت بقــية منتسبي الفنون القتالية الأخرى من المشاركة في هذه الرياضة.
ويُعرف عن سمو الشيخ طحنون شغفه الكبير بجـــميع الفـــنون القتالية، فـــقد أتقـــن منذ نعومة أظفاره العديد من الرياضات القتالية العالمية: الجوجيـــتسو، المصارعة، السامبو وغــــيرها من الرياضات الأخرى إضافة إلى ذلك، فسموه هو أول إماراتي وعربي يحصل على الحزام الأسود.
رياضة الفن العريق
الجوجيتسو رياضة عريقة يعود تاريخها إلى عصور الحضارة البشرية القديمة وتحظى بشعبية كبيرة في قلوب وعقول مجتمع الفنون الرياضية القتالية. ويعود السبب في ذلك إلى فلسفتها القائمة على ركيزتين: الأولى: إعمال العقل ضمن سياق استراتيجية توظيف طاقة المهاجم ضده والاستفادة منها قدر المستطاع، بدلاً من مقاومة ضرباته والتصدي لها، وتجنب المواقف الصعبة والحرجة والقدرة على تجاوزها. والثانية: اعتمادها على القتال الأعزل، الذي يساعد على تحسين مستويات اللياقة والمرونة البدنية والانضباط الذاتي وزيادة التركيز والهدوء وتعلّم كيفية تحديد الأهداف وتحقيقها.
تاريخها ونشأتها
تتباين الروايات والمصادر حول تاريخ الجوجيتسو ونشأتها، والتي تجزم بأنها أم للعديد من الفنون القتالية، إلا أنها تتقاطع عند نقطة أن الهند هي مهد تلك الرياضة، وأن الفضل في ابتكارها يعود إلى رهبان بوذيين طوروا حركات تركز على التوازن والقوة، في سبيل الحد من استخدام الأسلحة التي كانت تُستخدم سابقاً في تلك اللعبة.

ومن ثم وجدت الجوجيتسو طريقها إلى الصين واليابان، وهناك حظيت باهتمام متزايد ولاقت حاضنة شعبية كبيرة. وقام اليابانيون بتسمية تقنيات الجوجيتسو السلسة «الطريقة اللطيفة» والتي ترتكز على عدد من القيم الأساسية وهي الولاء، العدل، الأخلاق، الصفاء، التواضع، الشرف، الثقة بالنفس والاحترام.
ورغم انبثاق فنون قتالية متعددة كالأيكيدو، الكاراتيه والجودو، عن الجوجيتسو إلا أنها بقيت تفتقر إلى روح الفن الحقيقي القديم التي تتميز بها الجوجيتسو.
وفي عام 1915، هاجر الأب الروحي للجوجيتسو «إساي مايدا كوما»، والذي يعرف أيضاً بـ«كوندي كوما»، إلى البرازيل حيث كان الأساس في إنشاء مجتمع اليابانيين المهاجرين، واستقر في بيليم في ولاية بارا، وهناك التقى برجل اسمه «كارلوس جرايسي». وهو سياسي برازيلي له ثمانية أبناء. أدى به حماسه إلى تعليم ابنه الأكبر «كارلوس» أسرار فن القتال القديم «مايدا».
وعندما بلغ الـ19 ربيعاً، انتقل «كارلوس» إلى ريو دي جانيرو وبدأ التعليم والقتال وإثبات كفاءة هذه الرياضة من خلال هزيمته لخصومه الأقوى جسدياً في أكثر من مناسبة. وفي عام 1925 افتتحت أكاديمية جرايسي للجوجيتسو في ريو، وهي أول أكاديمية من نوعها.

بين عامي 1940-2004 ربحت عائلة جراسي العديد من التحديات، التي خاضتها ضد مقاتلين يتفوقون عليها بالحجم، وبذلك أعادوا للجوجيتسو مكانتها التي تمتاز عن غيرها. قامت العائلة بتغيير تقنيات بطريقة غيرت مبادئ الجوجيتسو الدولية، حيث كانت هذه التقنيات فريدة من نوعها حتى جعلت لهذه الرياضة هوية وطنية، وهي تعرف الآن بـ«الجوجيتسي البرازيلي» والتي تمارس من قبل فناني الدفاع عن النفس من كافة أنحاء العالم.
محاربو الساموراي والبداية
الجوجيتسو أو Jujitsu هي كلمة يابانية يقسم معناها إلى قسمين الجو أو Ju والتي تحمل عدة معان كاللطيف أو اللين أو المرن، والقسم الثاني جيتسو أو jitsu وتعني الفن أو التقنية وأول من مارسها، هم محاربو الساموراي اليابانيون الذين استعملوها من أجل القتال القريب مع عدو مدرع لا ينفع معه لا الأسلحة ولا الضرب باليد العارية، حيث تعتمد على الخنق والقفل والرمي، وهو ما يجعل دروع المحارب الخصم عبئاً عليه لا عنصراً مساعداً وقد تم تطوير هذه الرياضة عبر سنوات طويلة من الممارسة.
الجوجيتسو اليابانية هي رياضة تبدأ من وضع الوقوف وتضم ضمن فنونها عمليات الإلقاء والتثبيت والخنق وهي أصل ألعاب كثيرة مستقلة ظهرت بعدها مثل الجودو والإيكيدو. وفي مرحلة لاحقة ظهرت الجوجيتسو البرازيلية بفضل الياباني ميتسو مايدا الذي نقل إحدى ألعاب الجودو التي كانت تعتمد القتال الأرضي إلى البرازيل في العام 1914 ومنها مررها إلى أحد أبناء أصدقائه واسمه كارلوس غارسيا الذي أتقنها وطوّرها ونشرها في البرازيل وتطورت اللعبة وبات لها العديد من الأساليب منها وضعية الوقوف أو انطلاقاً من الأرض وقد أصبحت هذه الرياضة جزءاً لا يتجزأ من رياضة الألعاب القتالية المختلطة Mixed Marcial Arts المعروفة اختصاراً بـMMA.

عائلة جريسي وراء تطوير اللعبة
المصارعة اليابانية البرازيلية عبارة عن فن قتالي، يعتمد على الاشتباك وبشكل خاص على الاشتباك الأرضي لهدف الحصول على موقع مناسب على الخصم، يتم من خلاله إجبار الخصم على الاستسلام تهديداً بكسر أحد المفاصل أو الخنق.
وابتدأ هذا الفن علــــى يد ماتســـوي ميدا، معلــــم في الجوجيتسو اليابانية والجودو وكان من أشرس المقاتلين في ذلك الوقت لكــــارلوس جريسي، الذي نقل بدوره هذا الفن إلى أخيه الأصغر هيليو، عمل الأخوان على توريث هذا الفن لأبنائهم ومن ثم عملت عائلة جريسي على تطوير هذا الفن والنظام حتى القرن العشرين خاضوا خلالها العديد من مباريات القتال المفتوح (بدون قوانين) وعلى هذا حصل تركيزهم على القتال الأرضي بتنقيحه والإضافة إليه.
واشتهرت الجوجيتسو البرازيلية، بعدما حقق هويس جريسي انتصاراته الثلاثة المتتالية في بطولة القتال المفتوح لمنظمة (UFC) وذلك في بداية التسعينات، بعد ذلك أصبحت ركيزة الكثير من مقاتلي (MMA). وقد أثبتت فعاليتها وأهمية القتال الأرضي نسبةً للقتال المفتوح.
