نجحت مدينة نانجينغ الصينية، بتنظيم أحد أروع الدورات الأولمبية على الإطلاق، وهي دورة الألعاب الأولمبية الثانية للشباب، التي انتهت الأسبوع الماضي، والتي شارك فيها 3808 رياضيين، من 204 دولة، تنافسوا في 28 رياضة مختلفة. «البيان الرياضي» استغلت فرصة التجول في أورقة وخفايا التنظيم الممتاز للبطولة، التي لم تخلُ من بعض السلبيات في المجال الإعلامي.
متطوعون فضائيون
أول ما لفت انتباهنا في البطولة، هم المتطوعون، حيث جيشت المدينة الآلاف من طلاب الجامعات، لكي يخوضوا تجربتهم التي لا تنسى مع البطولة، بهدف خدمة الضيوف، وتلبية كافة طلباتهم، باللغة الصينية، حيث إنه من النادر أن تجد صينياً يتحدث باللغة الإنجليزية. والتقت « البيان» بأحدهم ويدعى « لي » وهو احد مرافقي الوفد الإماراتي المشارك في الدورة، لكنه لا يقطن في المدينة.
ولكنه يدرس في جامعة نانجينغ للعلوم الفضائية التي تأسست سنة 1952. وقال « لي »: تطوعت للقيام بهذا العمل الجبار والمتعب، حتى يتسنى له تعريف المشاركين بالبطولة، عن هذه المدينة التي لا يعرف عنها الكثيرون في الخارج. وأضاف: اللجنة المنظمة للبطولة، أدخلتنا في عدد من الدورات، المرتبطة بقواعد اللغة الإنجليزية.
وكيفية التعامل مع الضيوف، بالإضافة إلى فن الإتيكيت. وأبدى « لي » سعادته البالغة باستضافة المدينة لهذا الحدث الكبير، على الرغم من انه لا ينتمي لها، ولكنه يعدها نجاحاً للصين يضاف لسلسلة نجاحات الجمهورية، في تنظيم افضل وأقوى البطولات العالمية على الإطلاق. ومن جانبها، قالت زميلته « لو » أو كما تعرف باسمها الأجنبي « أنجيل »، أنها تحمست جداً للمشاركة كمتطوعة في الدورة، عندما تم اختيارها من قبل المسؤولين في الجامعة.
وأضافت « لو » ، أن اللجنة المنظمة قامت بإدخالها في عدد من الدورات، المرتبطة باللغة الإنجليزية، وفن التعامل مع الآخرين. وأشارت « لو »، بأنه البطولة منحت مدينتها فرصة التعرف على ثقافتها والترويج لها في الخارج، ومنحتهم في الوقت نفسه، فرصة التعرف على عدد من الجنسيات والثقافات، حيث من النادر ان تجد في المدينة كل هذه الدول مجتمعين من أجل الرياضة.
مدينة تاريخية
وتقع نانجينغ على ضفة نهر الـ«يانغتسي» الصغرى في شرقي الصين، و هي عاصمة مقاطعة «جيانغسو». لـ«نانجينغ» تاريخ عريق، فقد كانت عاصمة للـصين عدة مرات، ولا تجاريها في ذلك سوى مدينة «بكين». حيث يبلغ عدد سكانها 5,410,000 نسمة. وشيدت المدينة في القرن الـ8 قبل الميلاد.
حيث عرفت بأسماء متعددة أثناء احتضانها لعاصمة الامبراطورية في الفترة بين القرنين الـ 3 والـ 6 م، ثم مرات أخرى في الـقرن الـ 10، الـ 14 م والـ 15 م. بعد أن قرر الإمبراطور «يونغ لي» نقل العاصمة إلى بكين (1421 م) أصبح تسمى «نانجينغ» (ومعناها عاصمة الجنوب). وأطلق عليها اسم «تشيانغنينغ» أثناء فترة حكم أسرة «تشينغ» (1644-1912 م)، لتستعيد اسمها مرة أخرى عام 1912 م.
وتعرضت المدينة للتخريب والنهب أثناء «ثورة تايبينغ» (1853-1864 م)، بعدها أصبحت خاضعة للسيطرة الغربية (الإنجليز والفرنسيين) بعد توقيع اتفاقيات مع الحكومة الصينية عام 1856 م، ثم أصبحت منطقة مفتوحة على التجارة الخارجية منذ 1899م. عندما قام «صن يات سين» عام 1912 م بإعلان الجمهورية الصينية، أصبحت «نانجينغ» عاصمة مؤقتة للبلاد.
وقعت تحت سيطرة الشيوعيين عام 1927 م، ثم استعادتها القوات الوطنيين بقيادة «جيانغ جيشي» سنة 1928 واختارتها حكومة «غومينغدانغ» عاصمة بدلا عن «بكين»، والتي كانت توصف بأنها اقترنت بدولة الأباطرة السابقة.
مذبحة
احتلت المدينة القوات اليابانية عام 1937 م، بعد أن قامت بذبح عدد كبير من الأهالي، عرفت الأحداث التي تلت استيلاء اليابانيين على المدينة بـ«مذبحة نانجنغ». استعادتها الصين بعد خروج القوات الغازية سنة 1945 م. بعد انتهاء الحرب تم اختيارها عاصمة لـجمهورية الصين (1945-1949 م).
قامت «جمهورية الصين الشعبية» واستعادت مدينة «بكين» دورها كعاصمة للبلاد، فيما تحولت «نانجينغ» إلى مركز للصناعات الثقيلة. في سنة 1952 م تم إعلانها عاصمة لمقاطعة «جيانغسو». وتمتلك المدينة عدداً من المعالم اهمها سور «مينغ» الذي كان يحيط بالقصر الإمبراطوري، وشيد أثناء حكم أسرة «مينغ» (1368-1644 م).
يبلغ طوله 38 كلم ويعد من أعظم الشواهد على عهد المدينة الذهبي، والجسر المزدوج، الذي يضم طريقاً برياً وخطاً حديدياً، حيث بني الجسر عام 1968 م، ويمتد على مسافة 6.7 كلم، رابطاً بين ضفتي نهر «يانغتسي»، بالإضافة إلى ضريح «صن يات سين» الذي يحتضن رفاة الزعيم الوطني ومؤسس جمهورية الصين.
تشتهر دانة الدنيا مدينة دبي بين جموع الصينيين نظراً لمكانتها السياحية ووضعها الاقتصادي الهام، وبمجرد أن يدرك أحدهم أننا قادمون من دبي يرحب بنا، ويتكلم عن مدى التطور الحضاري والعمراني الذي وصلنا إليه. ولكنا في الوقت ذاته، استغلينا فرصة تعريف الناس بدولتنا الحبيبة وعاداتنا وتقاليدنا العربية الأصيلة.
الكندورة الإماراتية
من المواقف الطريفة، التي واجهتنا خلال البطولة، هي اللباس الإماراتي ( الكندورة )، حيث تعمد « موفد البيان» ارتداء الزي الوطني، في حفل افتتاح القرية الأولمبية، وافتتاح الألعاب الأولمبية، مما آثار إعجاب الصينيين، ودفعهم لالتقاط الصور التذكارية، كما قام الصحافيون الصينيون والأجانب على حدا سواء، بالتقاط الصور التذكارية، والسؤال عن هوية هذا اللباس.
إجراءات مشددة وجوانب سلبية
على الصعيد الأمني، تعاونت كافة الجهات الأمنية، من جيش، وشرطة ، والقوات الخاصة، في تأمين كافة المنشآت الرياضية، بالإضافة إلى القرية الأولمبية، ومقرات إقامة الوفود في المدينة. فعلى سبيل المثال، لدى دخولي غرفتي في مقر إقامة الوفود، لاحظت تواجد عدد من رجال القوات الخاصة وهم يمشطون الطابق الذي سكنت فيه..
ولدى سؤالي قيل لي إن مسؤولاً مهماً سوف يسكن هنا في نفس الطابق. ولكن شدة الإجراءات الأمنية، أدخلت الكثير من الضجر، لدى نفوس المشاركين في الدورة، إذ تم خلال الأيام الأولى من البطولة، تفتيش كافة المقيمين في الفندق لدى عودتهم لغرفهم، مما سبب حالة من عدم الارتياح لهذه الإجراءات.
وبالصدفة، التقينا بالأمين العام للأمم المتحدة ، بان كي مون، الذي كان محاطاً بحوالي 15 حراساً لدى خروجه من الفندق، مما يعكس مدى نجاح الأجهزة الأمنية في إخفاء الشخصيات المهمة عن أعين وسائل الإعلام.
منافسات
وعلى الرغم من النجاح التنظيمي للبطولة، فإنها لم تخلُ من بعض الجوانب السلبية في الجانب الإعلامي، حيث إن وجود المركز الإعلامي في المدينة الأولمبية لم يمنع الصحافيين من التوجه إلى المنافسات، ومحاولة أخذ ردود الأفعال عقب كل منافسة.
فخلال سباق الشراع، تم منعي من ركوب أحد القوارب المخصصة للإعلام، بحجة ان الصحافيين يجب عليهم الانتظار في المركز الإعلامي المخصص للسباق، على الرغم من عدم نقل القناة الصينية الرياضية لأحداث السباق على الهواء مباشرة، بل انها اكتفت بنقل المشاركات الصينية في البطولة. فكان السبيل الوحيد للتغطية، التسلل مع رئيس الوفد لأحد القوارب المخصصة لكبار الحضور.
وكان هناك موقف آخر، مع اللجنة الإعلامية للبطولة، حيث إنها لم تخطرنا بأخذ التذاكر المخصصة للصحافيين خلال حفل الافتتاح، مما ادخلنا في دوامة عدم التغطية، وادخلنا في مشادات كبيرة مع اللجنة، مما اضطرها في النهاية لإعطائنا المقاعد المخصصة للصحافيين الصينيين.
السوق الشعبي
وتسنى لنا خلال البطولة، التجول في إحدى الأسواق الشعبية للمدينة، حيث احتوت على عدد من المشغولات التقليدية، والأكلات الشعبية التي تشتهر بها المدينة. وخلال تجولنا، استطعنا ان نشاهد مدى تعجب المتسوقين لوجود سائحين عرب للمرة الأولى، مما جعلهم يتهافتون لالتقاط الصور التذكارية معنا، والحديث عن المدينة عن طريق المترجم.
معركة الطعام
وكان توفر الطعام المذبوح بالطريقة الإسلامية، من احد المعوقات التي واجهتنا خلال البطولة، حيث اعتمدنا في بداية الرحلة على الفواكه التي أنستنا الجوع مؤقتاً. وفي الأيام الأولى، من إقامتنا في الفندق، لم يتم تخصيص الأكل الحلال للوفود المشاركة من الدول الإسلامية.
مما حدا بأحد أعضاء الوفد الكويتي الشقيق للدخول في مشادة حادة مع مسؤولي الفندق، الذين استجابوا للطلب مباشرة. وخلال جولتنا للبحث عن الطعام المناسب، وجدنا مطعماً هندياً يدعى « تاج محل »، الذي كان أصبح فيما بعد، مكاناً مفضلاً لدى اغلب وفود الدول الخليجية المشاركة في البطولة.
رقابة مشددة
ومع توافد هذا الكم الهائل من المشاركين في الدورة، إلا أنه كانت هناك معضلة واحدة، وهي صعوبة البحث عن المعلومات عبر شبكة الإنترنت. فموقع البحث الشهير « جوجل » محجوب بأمر من الحزب الشيوعي الصيني، مما اضطرنا لاستخدام مواقع بحث بديلة.
خطر إيبولا
اتخذت اللجنة المنظمة للبطولة عدداً من الإجراءات الاحترازية لتفادي الإصابة بمرض إيبولا، كان أهمها توزيع عدد من الكتيبات التي تتحدث عن النظافة العامة، وكيفية الحفاظ على الصحة، وإعطاء لكل نزيل جهاز لقياس الحرارة، مع تسجيل أوقاتها صباحاً، وعصراً.
وكانت اللجنة الأولمبية الدولية، قد منعت عدداً من رياضيي الدول الأفريقية التي تفشى بها المرض، من المشاركة في الدورة.
متطوعة: تعلمت العربية في الصين
عند وصولنا إلى مطار نانجينغ الدولي، استقبلتنا إحدى المتطوعات المشاركات في الدورة، وتحدثت باللغة العربية، وعند سؤالنا لها، قالت إنها تعلمت العربية من إحدى كليات اللغات في المدينة، وأحبتها على الرغم من صعوبتها.
ترويج كتيبات المواقع الأثرية
استغلت اللجنة المنظمة للبطولة، إقامة هذا الحدث في مدينة قد يكون الملايين لم يسمعوا بها، بالترويج لها في كافة الطرقات والشوارع والحدائق . وقام المتطوعون المشاركون في البطولة، بتوزيع كتيبات تتحدث عن اهم المواقع التاريخية والأثرية للمدينة، بالإضافة إلى مراكز التسوق، والأماكن الترفيهية.
مئوية الزعيم
احتفلت الصين خلال الدورة، بذكرى ميلاد الزعيم دينغ شياو بينغ ال 110، أحد أبرز قيادات الجيل الثاني في الصين، والذي يعتبر الأب المؤسس لما بات يعرف بسياسة الإنفتاح الصينية، حيث خصصت القنوات الحكومية جانب كبير من برامجها للحديث عن تاريخ زعيمها .




