جاءت مشاركة الإمارات في أولمبياد لندن مخيبة للآمال، رغم كونها الأكبر في تاريخ الرياضة الإماراتية منذ المشاركة الأولى في دورة لوس انجليس قبل 28 عاماً، فقد مثلنا 32 رياضياً في 7 ألعاب أولمبية، والإخفاق يشير إلى ضعف الإعداد الفني والإرادة لتحقيق إنجازات رياضية يفخر بها الوطن، كما تكشف المشاركة افتقادنا لفن صناعة الأبطال، فمن غير المعقول الاستعداد لمثل هذا الحدث العالمي الذي يقام كل أربع سنوات، قبل انطلاقته بشهور لا تتجاوز الثلاثة كحد أقصى، فيما استعد الآخرون طوال السنوات الأربع وجاهدوا طوال هذه السنوات لتحطيم الأرقام في أجزاء من الثواني.

 لقد أخفق أبطالنا حتى في تحطيم أرقامهم المحلية، مما يشير إلى وجود خلل واضح في إعدادهم فنياً وبدنياً ومعنوياً، ومن هنا نفتح ملف كيفية إعداد البطل لعله يكون أرضيه خصبة أمام كوادرنا الإدارية للاستفادة منه قبل المشاركة المقبلة في مدينة ريو دي جانيرو البرازيلية عام 2016.

 

بواقعية تنم عن حجم المسؤولية تحدث يوسف السركال نائب رئيس اللجنة الأولمبية الوطنية عن صناعة البطل وأشار إلى أنها لا تأتي بالأمنيات والدعوات، بل بالعمل الشاق، ومن خلال برامج طويلة المدى تطبق بكل تفاصيلها الدقيقة، خاصة وان ساحتنا ليست بالكبيرة والقاعدة لدينا محدودة، مما يعني أننا نجد صعوبة في إيجاد اللاعبين الموهوبين الذين يمكن أن يفيدونا في تحقيق البطولات والألقاب، مما يحد من تطلعاتنا في إيجاد لاعب بطل، فنحن لسنا الصين ولا أميركا لكي ننتقي العناصر الموهوبة من بين الملايين.

قلة الدعم

ويضيف يوسف السركال قائلا: البعض يهاجمنا سواء في هيئة الشباب أو اللجنة الأولمبية في التقصير خلال المشاركات الأولمبية، وخروج وفدنا من البطولة دون الحصول على أية ميداليات، ولكن على هؤلاء ألا يتحدثوا بلغة العاطفة، فهناك واقع لا بد من الاعتراف به، وهو قلة الدعم المخصص لإعداد رياضيينا لمثل هذه البطولات، ولا اخفي سرا أن الموازنة الحالية للرياضة لا يمكن أن تصنع بطلا، مقارنة بعمل الآخرين، في مختلف دول العالم.

ويكفي القول إن إعداد البطل الأولمبي الواحد يكلف الصين 15 مليون دولار، فما بالنا ببلدان مثل اليابان واستراليا الأغلى من الصين، فيما ميزانية الإعداد لكل ألعابنا الست المشاركة في أولمبياد لندن لم تتجاوز العشر ملايين على مدى ثلاث سنوات، وهنا يظهر أن الموازنة الحالية لا يمكن أن تصنع بطلا وهذه حقيقة لا بد من أن نعترف بها.

رد صريح

وأشار السركال إلى أن الهجوم تواصل بان اللجنة الأولمبية لم تضع خططا وبرامج لإعداد لاعبينا لكي يصلوا لمنصات التتويج، وقال: ارد بكل صراحة وأؤكد أن اللجنة الأولمبية قدمت خلال السنوات الماضية العديد من الدراسات عن كيفية صناعة الأبطال، والاهتمام باللاعبين من سن صغيرة، لأنه وللأسف فإن اغلب لاعبينا يبدأون من سن غير مناسبة أو في سن كبيرة إلى حد ما، وتم عرض المشروع على الجهات المختصة، ولكنه لم ير النور للآن، لأن صناعة البطل عملية مكلفة مادية، وتحتاج إلى وفرة في المواد الخام، أي اللاعبين الذين يتمتعون بالموهبة واللياقة والبدنية والجسمانية، ولعل الدراسة التي قمتم بنشرها خلال الأيام الماضية عن قوام طلاب المدارس تكشف واقعنا بدون مجاملة.

موازنة ضعيفة

وأضاف: تصرف للاتحادات موازنة ضعيفة من أجل الإعداد لمثل هذه البطولات الكبرى، ومع ذلك فاللجنة الأولمبية لا تستطيع توفير موازنات للإعداد لأي مشاركة، إلا في حدود 60 يوماً قبل المشاركة نظرا لمحدودية الميزانية، وفي المقابل فإن الاتحادات الرياضية تسعى لتغطية إعدادها بطرق عشوائية في توفير الميزانيات الخاصة بإعداد رياضييها، ولذلك فالاتحادات المعنية بالمشاركة لا تتحمل المسؤولية عما حدث، وأنه لا ينبغي تحميلها أكثر من طاقتها.

لاسيما وأنها أعدت لاعبيها في ظل إمكانات مادية محدودة جدا لا تتناسب أبداً مع مجريات التنافس في أكبر محفل رياضي عالمي، تحسب النتائج بشكل علمي بلغة الأرقام ،لأن الرياضة الآن علم وأرقام، وكل رياضي منافس يعرف مكانه بين المنافسين قبل انطلاقة البطولات الكبرى، وكل رياضي يقيس مستواه مع مستوى الآخرين.

تشاور

وأبدى السركال استعداد اللجنة الأولمبية للتشاور مع هيئة الشباب والرياضة من اجل إعادة دراسة مشروع صناعة البطل الأولمبي وعرضه على الجهات المعنية من اجل أن يرى المشروع النور وتخصص له الإمكانات التي تضمن نجاحه بما يساهم في إعداد لاعبينا بشكل علمي وإعداد سليم لرفع علم الدولة خفاقا في المحافل القارية والدولية.

 

تغيير أسلوب حياة الناشئ يصنع بطلاً رياضياً

 

علق الدكتور اسامة اللالا أحد المختصين والباحثين للدراسة التي تناولت قوام طلاب المدرسة من 14 16 سنة، والتي نشرت في الحلقة الرابعة من تحقيقنا، يعلق على نتائج الدراسة التي خلص إليها المركز العلمي لتطوير الرياضة المدرسية التابع لوزارة التربية والتعليم قائلا: المشكلة التي نواجهها أن الفئات العمرية لديها ضعف شديد في عناصر اللياقة البدنية وانخفاض في القوة العضلية وكذلك المرونة.

وانخفاض القوة العضلية يؤدي الى ضعف العضلات التي وظيفتها حماية العمود الفقري والغضاريف، ولكن عندما يرافقها انخفاض في المرونة وضعف في القوة العضلية، سيحاول الطالب الصغير الاعتماد على عضلات أخرى غير الرئيسية تؤدي إلى ما يسمى "الانحرافات القوامية".

عادات سيئة

ويستطرد اللالا مضيفا: تتسم أيضا هذه الفئة بعادات غذائية سيئة وتؤدي إلى ضعف الكتلة العظمية، والخطورة هنا أن 90% من تكلس العظام وتقوسها تحدث من سن 15 25 سنة، وهذا يؤدي أيضا إلى أن أسلوب الحياة لهؤلاء النشء يؤدي إلى الخمول والكسل ومع العادات السيئة الغذائية والضعف العضلي يؤدي إلى الانحرافات القوامية.

أغذية صحية

يشير اللالا إلى الاهتمام الذي توليه حاليا وزارة التربية والتعليم لهذا الجانب المهم بالنسبة للطالب المدرسي "نعمل على مشروع المقاصف المدرسية لتوفر الأغذية الصحية للطلاب التي تتناسب مع العمر للطلاب، فيما الرياضة المدرسة تعمل على تطوير اللياقة البدنية للطلاب، واذا استطعنا ان نعمل التوازن بين الجانبين وبتعزيز العوامل الغذائية نكون قد وصلنا إلى درجة النجاح خاصة وأن الطعام المدرسي يعزز فكر الطالب بأن ما يتناوله صحي.

وهناك كثير من البرامج للرياضة المدرسية، وهذه الاختبارات ستؤدي إلى فرز الطلاب، ونحن الآن بصدد بناء مناهج مدرسية لتساعد في الأولمبياد المدرسي، والمنهاج الجديد لتعزز الرغبات والميولات الرياضية للطلاب مما يزيد من رقعة عدد المشاركين من الطلاب ويسهم في اختيار للطلاب الموهوبين وتكون العملية أكثر سهولة».

ويردف اللالا مضيفا: لا يشترك في البطولات المدرسية إلا عدد قليل من الطلاب، وهم الموهوبون والمتميزون رياضيا، وهنا من الضروري أن يكون للطلاب الآخرين برنامج تعزيز اللياقة البدنية.

نصائح

ووجه اللالا جملة من النصائح والتوجيهات لأولياء أمور الطلاب، قائلا: يجب عليهم الاقتناع بأن الرياضة المدرسية جانب وقائي من كل الامراض، وعندما يعلم الأب أن هذا جانب وقائي في المقام الأول سيشجع أبناءه على ممارسة الرياضة.

منظومة عمل

يتابع مردفا: صناعة بطل أولمبي بدءا من المدرسة تأتي في سياق منظومة عمل متكاملة من المؤسسات والوزارة والأندية، لاسيما وأن هذه الفئات العمرية هم جيل المستقبل للرياضة، وبالتالي البناء يجب أن يكون ثلاثي الأبعاد ومؤلفا من البيت والمدرسة والنادي، ويتزامن معه بناء منظومة ثقافية لرفع المستوى الثقافي الرياضي لدى الطفل، لأن البطل الرياضي مشروع مكلف ويحتاج إلى تعديل كل السلوك، فالرياضيون الحاليون كثير منهم لا يعرف كيف وماذا يأكل أو متى يجب أن ينام! وخلص إلى القول: التدريب وحده غير كاف، ولا بد من تغيير جذري (تدريب غذاء اسلوب حياة).

 

العاطفة والانفعال لهما تأثير في إعداد اللاعبين

العامري: الجانب النفسي يلعب دوراً مهماً في صناعة الأبطال

 

يلعب الجانب النفسي دورا بالغ الأهمية في صناعة البطل، فهو بمثابة الموجه الرئيسي للجوانب الأخرى المرتبطة بإعداد اللاعب، وكثيراً ما يتم تطبيق المقاييس النفسية في فحص الاتجاهات والدوافع، والقدرة على التحكم بالانفعالات، والقدرة على اتخاذ القرار والتخطيط وإدارة الضغوط، وغيرها الكثير من المقاييس والاختبارات النفسية التي تهدف إلى إحداث تغيير أو تطوير في سلوك الإنسان عامة والرياضي على وجه الخصوص.

ويقول ناصر العامري رئيس قسم التربية الرياضية في جامعة الإمارات، والمتخصص في علم النفس الرياضي: أولت المجتمعات الغربية الجانب النفسي اهتماما كبيراً، بالتنمية البشرية كأساس لحضارة واعدة، فمنذ بداية عصر النهضة وحتى وقتنا الحالي، عكفت على وضع المعايير والمقاييس النفسية التي تؤدي إلى الاتقان والتفوق في الأداء والعمل، فأنفقت الملايين ولا تزال في وضع الدراسات النفسية وتطبيقها وأنشئت مراكز الأبحاث النفسية والتربوية والإنسانية جنبا إلى جنب مع مراكز الأبحاث العلمية والتطبيقية، وجاء المردود إيجابياً.

تهيئة

ويضيف الدكتور ناصر العامري قائلا: التهيئة النفسية للاعبين تقودهم إلى التفوق والنجاح، لان الإعداد النفسي ليس فقط جزءا مكملا للجوانب الأخرى، بل هو ركن جوهري يستوعب إمكانات الرياضي ويوجه طاقاته على الوجه الصحيح نحو التفوق والإنجاز، لذا فإن الأفراد والفرق والمنتخبات الرياضية التي تخضع للملاحظة والدراسات النفسية من الخبراء وأخصائيين علم النفس الرياضي.

غالبا يستطيعون أن يتعاملوا مع مختلف الظروف الزمانية والمكانية والفنية والمهارية بثقة وجدارة واقتدار، حيث يعتبر الإعداد النفسي الحلقة الثالثة من إعداد الرياضيين مع الإعداد الفني والبدني، لان اللاعب إذا أعد بدنيا وفنيا بشكل جيد وأغفل الإعداد النفسي ستقل فرص تحقيق النجاح بما لا يقل عن 25%، وقال، الكثير في عالمنا العربي يغفل الإعداد النفسي، لذلك تكثر حالات الرهبة عند المشاركة في البطولات الكبرى.

مثال

وضرب الدكتور ناصر العامري بما حدث للاعبتنا خديجة خلال مشاركتها في أولمبياد لندن الأخيرة، حينما بكت اشتياقا للأهل ولوالدتها، وكان يفترض على إدارة البعثة أن تحسن تهيئة اللاعبة لمثل هذه المشاركة الدولية، لذلك أقول ان الجانب النفسي مهمل تماما في إعداد اللاعبين، مع أنه لا يقل أهمية عن باقي مراحل الإعداد، حيث يعتبر البعض للأسف أن الاستعانة بخبير نفسي نوعا من الجنون ولا يقبلون بها، وتلك نظرة ضعيفة للغاية لا تتفق مع أهمية هذا العلم في إعداد الرياضيين.

ويختتم الدكتور ناصر العامري قائلا: علينا تعويد رياضيينا على تقبل الإعداد المعنوي والنفسي من مرحلة الصغر، والعمل على بناء قوي من هذه الفئة العمرية التي تعتبر الأساس في بداية صناعة الأبطال، لأن تهيئة اللاعب نفسيا من الصغر يوفر الكثير من الجهد خلال باقي المراحل العمرية للاعب.

 

عمرو صلاح: السلوكيات الخاطئة خطر يهدد الرياضيين

 

يشير الدكتور عمرو صلاح الدين اختصاصي إصابات الملاعب في نادي دبي إلى تعدد السلوكيات الخاطئة للاعبين مما يؤثر على عطائهم الرياضي ومدة بقائهم في الملاعب، وقال هناك العديد من المعوقات التي تقف أمام صناعة البطل، أهمها النمو الجسماني الضعيف مقارنة بعدد من دول الجوار، مما يقلل من فرص اختيار العناصر الموهوبة رياضيا ووصولها إلى مصاف الأبطال الذين يستطيعون تحقيق الإنجازات القارية والدولية.

عدم اهتمام

وقال: لا يوجد اهتمام كاف بالسيكولوجية الجسمانية من ناحية التكوين، خاصة التغذية التي تلعب دورا مهما في تكوين الرياضي، حيث يكثر الناشئ الصغير من تناول بعض أنواع من التغذية المعلبة والتي تحتوى على مواد حافظة مما يهدد التكوين الرياضي المطلوب، إضافة إلى اعتماد الشباب على تناول المأكولات من المطاعم وعدم اتباع برنامج تغذية يفيد الرياضيين، مما ينعكس على اللاعب الرياضي في نمو جسده، وبالتالي يقل تركيزه الذهني، مما يجعلنا نطالب الأندية بتحمل أعباء زائدة بتوفير تغذية خاصة باللاعبين الذين يتدربون في مختلف الفرق الرياضية خاصة الكروية منها.

عادات

ويشير الدكتور عمرو صلاح إلى بعض العادات السلوكية التي يكون لها تأثير مباشر على سلامة اللاعبين مثل التعود على الجلسة العربية، مما يساهم في ارتخاء أربطة الركبة الخارجية والداخلية لمفصل القدم، وعدم ارتداء واقي الساق خلال التدريبات والمباريات، وعدم ارتداء بعضهم لأحذية ينطبق عليها مواصفات استخدام الرياضي فهناك من يستخدم حذاء ذا أسنان طويلة مما يعرض اللاعبين للإصابة المتكررة وبالتالي تقل سنوات عطائه في الملاعب،

وقال: إن اتباع السلوكيات الخاطئة يجعل الرياضي حينما يصل إلى سن 29 عاما يقال انه "شيبة" حان وقت اعتزاله، مع أن هذا التوقيت هو قمة عطاء الرياضي ولك أن تعرف أن النجم المصري محمد أبو تريكة بدأ نجوميــته في الأهلي من سن 29 عاما.

ويختتم الدكتور عمرو صلاح تشخصيه للواقع بالمطالبة بالاهتمام بتغذية اللاعبين، لأنها الأساس في تكوين البنيان السليم لأي رياضي وقال هذه مسؤولية البيت اولا والاندية ثانيا ولابد أن يتعاون الطرفان بما يخد صالح اللاعب.

 

تفاؤل

عبر السركال عن تفاؤله بمشروع الأولمبياد المدرسي، وقال: إن المشروع وجد إشادة انجليزية، حيث رحب الإنجليز بالمشروع وقالوا إن الإمارات عادت من أولمبياد لندن لتخطط بشكل علمي لإعداد رياضييها من الصغر، ولكن مثل هذه المشاريع الطموحة تحتاج إلى موازنات كبيرة، حتى يكون التطبيق سليما ويحقق ثماره المرجوة.

واكد نائب رئيس اللجنة الأولمبية أن رؤية القيادة واضحة في الاستراتيجية العامة للدولة، في ما يتعلق برفع علم الإمارات في المحافل الرياضية الدولية، وسوف نركز على الرياضات القادرة على المنافسة التي أحرزت نتائج في الدورات القارية مثل آسياد غوانزو، وسنعمل على الارتقاء بها لتكون الأساس في المنافسة مستقبلاً اعتباراً من أولمبياد ريودي جانيرو، حتى يكون لنا مكان تنافسي بين أقراننا من الدول المشاركة.

 

الخلاصة

زيادة الموازنة والإعداد النفسي

إلى الجانب الفني وتغيير نمط سلوك الرياضي يساهم

في صناعة البطل

 

القادم

«الأمين العام» يعلل أسباب عدم القدرة على صناعة البطل