مأساة موهبة إسبانية .. إلى السجن بـ «أسرع لفة»


في الثامنة من عمره، جلس أنطولين غونزاليس خلف مقود سيارة كارتينغ للمرة الأولى، خلال رحلة عائلية عابرة، ولم يكن أحد يتخيل أن تلك اللفات القليلة ستفتح أمامه باباً لحلم كبير، بعدما سجل الطفل أسرع لفة في الحلبة وحطم رقمها القياسي، لتبدأ بعدها قصة موهبة إسبانية كان ينظر إليها باعتبارها مشروع بطل جديد في عالم سباقات السيارات.

ولكن بعد سنوات قليلة، تبدلت الصورة بالكامل، فغونزاليس، الذي بلغ 24 عاماً، يقبع اليوم في سجن بورغوس شمال إسبانيا، بانتظار محاكمته بتهمة قتل والده أنطولين، في واقعة وقعت داخل مستودع العائلة بمدينة أراندا دي دويرو في يوليو 2025.

وفي حديثه لصحيفة "إل موندو"، استعاد غونزاليس تفاصيل المأساة، مؤكداً أنه لم يذهب إلى المستودع بنية قتل والده، وإنما وسط خلافات عائلية متصاعدة وبعد طلاق والديه، للحديث معه واستعادة بعض متعلقاته.

وبحسب روايته، تحولت المحادثة إلى مواجهة عنيفة، وقال إنه فوجئ بوالده يحمل سكيناً، قبل أن يدخل الاثنان في اشتباك انتهى بإصابة الأب بجروح قاتلة، ويقول غونزاليس إنه لا يتذكر جميع تفاصيل اللحظات الأخيرة بوضوح، وإنما يحتفظ بصور متقطعة من المواجهة.

وبعيداً عن تلك اللحظة المأساوية، كانت حياة غونزاليس قبلها تسير في اتجاه مختلف تماماً، ففي سن الثالثة عشرة، أصبح أصغر سائق يشارك بسيارة من فئة إف 3، ثم بدأت الصحافة الإسبانية تطلق عليه لقب "فرناندو ألونسو الجديد"، بعدما تتابعت نتائجه اللافتة في الكارتينغ وسباقات الفئات السنية.

وبحلول الخامسة عشرة، كان يقود سيارة "إف 3" مع فريق دريفيز، كما ارتبط اسمه بالسائق الإسباني السابق في الفورمولا 1 بيدرو مارتينيز دي لا روزا، الذي لعب دوراً إرشادياً في مسيرته، وكان الحلم يبدو قريباً، لكن سباقات السيارات كانت تحتاج إلى ما هو أكثر من الموهبة، وهو التمويل.

وتحدثت عائلة غونزاليس مبكراً عن التكلفة الكبيرة للمشاركة والتدريب، فيما تراجعت فرصه تدريجياً مع توقف الدعم المالي، رغم حصوله على المركز الثاني في بطولة فورمولا رينو الآسيوية عام 2018.

وبمرور الوقت، ابتعد عن الحلبة، وخفتت الأضواء التي كانت تحيط به، حتى أصبح آخر منشور له على منصة "إكس" في فبراير 2018، عندما شكر صحفياً وصفه بأنه "فرناندو ألونسو المستقبلي".

ولكن ما لم يبتعد عنه كان الصراع داخل أسرته، وبعد طلاق والديه، ازدادت حدة الخلافات، ووفق ما أوردته وسائل إعلام إسبانية، صدرت أوامر تقييدية تمنع الأب من الاقتراب من والدة أنطولين.

ويقول الدفاع: إن الشاب حاول لعب دور الوسيط بين والديه، رغبة في إنهاء النزاع بعيداً عن المحامين، ويؤكد محاميه خوسيه لويس فيغاس أن والد أنطولين كان أحد أكبر داعمي مسيرته الرياضية، وأن انهيار العلاقة بين الوالدين ترك أثراً عميقاً على الشاب وعلى مستقبله.

وفي أكتوبر الماضي، اعترف غونزاليس خلال جلسة مغلقة بقتل والده، بحسب محاميه، قبل أن يطلب لاحقاً الإدلاء بإفادة جديدة بعدما بدأ، وفق روايته، في استيعاب حقيقة ما حدث، واليوم، لم يعد غونزاليس يفكر في الحلبات والسيارات كما كان يفعل في طفولته، إذ يقضي أيامه في السجن، ويحاول ملء وقته بالرياضة وبعض الدورات، بينها الرسم، بينما يطارده الماضي وندم يقول إنه لا يفارقه.

ويسعى محاميه إلى التفاوض مع الادعاء العام على اتفاق يقضي بحكم بالسجن لمدة سبع سنوات ونصف مقابل الاعتراف، مع التمسك بأن حالة الخوف الشديد التي عاشها خلال المواجهة يمكن أن تكون عاملاً مخففاً، ولكن لا يزال القرار النهائي بيد القضاء، وفي حال عدم التوصل إلى اتفاق، ستحدد المحكمة مصير القضية بعد النظر في الأدلة والروايات.

ولا تزال والدته راكيل كاريراس تدعم ابنها، في وقت قالت فيه مصادر مقربة من العائلة إن الأسرة كانت تخشى عليها قبل مقتل زوجها السابق، وهكذا، تبدلت حياة الشاب الذي كان يوماً ما يلاحق أسرع لفة على حلبة سباق، ومن طفل حطم رقماً قياسياً في أولى تجاربه، ومراهق حمل لقب "ألونسو الجديد"، وشاب حلم بالفورمولا 1، على الوقوف خلف القضبان في انتظار حكم القضاء.

وبينما ينتظر أنطولين غونزاليس مصيره، تبقى الحلبة التي حلم بها طويلاً مجرد ذكرى بعيدة، ذكرى لحياة كان يمكن أن تسير في اتجاه آخر، قبل أن تختصر لحظة واحدة المسافة بين حلم الفورمولا 1 والسجن.