المكملات الغذائية تحت المجهر.. تحدٍّ متصاعد لمكافحة المنشطات

 
تفرض المكملات الغذائية الرياضية تحدياً متصاعداً أمام جهود مكافحة المنشطات، في ظل انتشار استخدامها بين الرياضيين وظهور منتجات ومواد حديثة قد تحتوي على مكونات محظورة أو غير معلنة، ما يضع الرياضي أمام مخاطر صحية وقانونية قد تهدد مسيرته، ويفرض تعزيز برامج التوعية والوقاية بالتوازي مع تطوير وسائل الكشف والاختبارات.
وجاءت القضايا التي طرحها ملتقى «مكافحة المنشطات في الرياضة»، الذي نظمته القيادة العامة لشرطة دبي، أمس، بالتعاون مع الوكالة الوطنية لمكافحة المنشطات ومجلس دبي الرياضي، منسجمة مع ما كشفه التحقيق الاستقصائي الذي نشرته «البيان» تحت عنوان «منشطات وهرمونات في ثوب مكملات رياضية.. خطر صامت يغتال أحلام الشباب»، وسلط الضوء على مخاطر منتجات مجهولة المصدر أو تحتوي على مواد محظورة ومكونات غير معلنة، وهو التحقيق الذي تُوّج أخيراً بـجائزة الصحافة العربية في فئة التحقيقات الصحافية ضمن قمة الإعلام العربي..
وشكلت مخاطر المكملات والمواد الجديدة إحدى أبرز القضايا التي ناقشها الملتقى، الذي أقيم تحت شعار «نحمي الرياضة.. نحمي المجتمع»، بمشاركة مسؤولين وخبراء ومتخصصين في المجالات الرياضية والطبية والقانونية، حيث برزت الدعوة إلى رفع وعي الرياضيين بما يدخل إلى أجسادهم، خصوصاً عند استخدام المكملات الغذائية والأدوية.
وسلط الملتقى الضوء على أهمية رفع وعي الرياضيين بما يدخل إلى أجسادهم، خصوصاً عند استخدام المكملات الغذائية والأدوية، إلى جانب التحولات المرتقبة في منظومة مكافحة المنشطات عام 2027، والتي تتجه بصورة كبرى نحو تحليل البيانات وتقييم المخاطر و«الاختبارات الذكية»، لمواكبة التطور المتسارع في المواد والأساليب المستخدمة لتحسين الأداء.
حضر الملتقى اللواء بدران سعيد الشامسي، مساعد القائد العام لشرطة دبي لشؤون الأكاديمية والتدريب، والدكتورة مي أحمد سلطان الجابر، رئيس مجلس إدارة الوكالة الوطنية لمكافحة المنشطات، والعميد أحمد محمد مرداس، مدير الإدارة العامة للتدريب، ونائبه العميد الدكتور جاسم محمد عبدالله، والعميد عصام العور، نائب مدير الإدارة العامة للمرور، والدكتورة رفيعة العويس، نائب رئيس مجلس إدارة الوكالة الوطنية لمكافحة المنشطات، والعقيد عبدالله سباع، عضو مجلس الإدارة، علي عمر مدير إدارة التطوير الرياضي في مجلس دبي الرياضي وعبدالله شهداد، عضو مجلس الإدارة، مدير مجمع حمدان الرياضي، وعدد من كبار الضباط وممثلي الشركات الرياضية والصحية والطبية..


المكملات تحت المجهر
وبرز ملف المكملات الغذائية ضمن أبرز التحديات التي تواجه جهود مكافحة المنشطات، خصوصاً مع ظهور مواد وأساليب جديدة لتحسين الأداء، ما يفرض على الرياضيين مزيداً من الحذر عند اختيار المنتجات التي يستخدمونها.
وأكدت الدكتورة مي الجابر أن التعليم والوقاية يشكلان عنصراً أساسياً في نجاح منظومة مكافحة المنشطات، موضحة أن المطلوب لا يقتصر على معرفة الرياضي بالمواد المحظورة، بل تمكينه من اتخاذ القرار الصحيح عند استخدام دواء أو مكمل غذائي، أو عند مواجهة حالة علاجية تتطلب استخدام مادة محظورة.
وأشارت إلى أن المسؤولية لا تقع على الرياضي وحده، بل تمتد إلى المدربين والأطباء والصيادلة والأجهزة الفنية والإدارية والأندية والاتحادات والأسر، خصوصاً عند التعامل مع الرياضيين الناشئين.
وتفرض هذه التحديات، وفق ما ناقشه الملتقى، توسيع برامج التوعية والوقاية بالتوازي مع مواكبة التطورات العلمية المتعلقة بالمواد الحديثة المستخدمة لتحسين الأداء، بما يساعد الرياضي على تجنب الوقوع في مخالفات قد تنتج عن نقص المعرفة بما يتناوله.


اختبارات أكثر ذكاء
وأكدت الجابر أن مكافحة المنشطات لم تعد تقتصر على جمع العينات وتحليلها، بعدما تحولت إلى منظومة متكاملة تشمل الوقاية والتعليم وإدارة المخاطر وجمع المعلومات والتحقيقات والاختبارات الذكية والتطور العلمي والتكنولوجي وحماية حقوق الرياضيين.
وأوضحت أن أحد أبرز التحولات يتمثل في الانتقال من التركيز على عدد الاختبارات إلى جودتها ودقة استهدافها بناء على المعلومات المتاحة وتقييم المخاطر.
وقالت إن السؤال لم يعد فقط «كم عينة قمنا بجمعها؟»، بل أصبح يتعلق بما إذا كان يتم إجراء الاختبار المناسب للرياضي المناسب، بما يرفع كفاءة برامج مكافحة المنشطات وقدرتها على اكتشاف المخالفات.
ويضع هذا التحول تحليل البيانات وتبادل المعلومات وتقييم المخاطر في صلب المنظومة الجديدة، إلى جانب تعزيز التعاون بين منظمات مكافحة المنشطات والاتحادات الرياضية والجهات ذات الصلة، مع الالتزام بحماية البيانات وحقوق الرياضيين.


2027 محطة جديدة
واعتبرت الجابر أن عام 2027 يمثل محطة مهمة في تطوير منظومة الرياضة النظيفة، مؤكدة أن التحديثات الجديدة لا تمثل مجرد تعديلات على القواعد والإجراءات، وإنما تعكس تطوراً مستمراً في أساليب مكافحة المنشطات بما يتناسب مع المتغيرات العلمية والتكنولوجية والقانونية في القطاع الرياضي.
وأشارت إلى أهمية مواكبة التطورات العلمية من خلال توسيع استخدام جواز السفر البيولوجي للرياضي، وتطوير تقنيات أخذ العينات، ومنها عينات الدم الجافة، إلى جانب الاستثمار في الكفاءات والقدرات العلمية والفنية وأنظمة المعلومات والتحقيقات والتكنولوجيا والاختبارات المبنية على المخاطر.
وأكدت أن الإمارات طورت منظومة لمكافحة المنشطات تتماشى مع المدونة العالمية والمعايير الدولية، وتشمل الاختبارات وإدارة النتائج والاستثناءات للاستخدام العلاجي والتعليم والتوعية وتطوير القدرات الفنية والتعاون مع الجهات الرياضية والحكومية.


وشددت على أن التحدي الحقيقي مع دخول تحديثات 2027 لن يكون فقط في معرفة ما تغير في المدونة والمعايير الدولية، وإنما في تحويل تلك التغييرات إلى ممارسات فعالة من خلال تحديث الإجراءات وتدريب الكوادر وتطوير البرامج التعليمية وتعزيز قدرات المعلومات والتحقيقات.
وأكدت الجابر أن الهدف من مكافحة المنشطات لا يتمثل في معاقبة الرياضي بقدر ما يستهدف حماية صحته وحقه في المنافسة العادلة والحفاظ على نزاهة الرياضة.


وأضافت أن المرحلة المقبلة تتطلب مواصلة بناء منظومة وطنية قادرة على مواجهة تحديات المستقبل، معتبرة أن مسؤولية الرياضة النظيفة تبدأ من الرياضي وتمتد إلى المدرب والطبيب والنادي والاتحاد والمؤسسات الوطنية والدولية.


الوقاية قبل العقوبة

من جهته، أكد اللواء بدران الشامسي أن مكافحة المنشطات تمثل مسؤولية مشتركة تستهدف حماية صحة الرياضي ومستقبله وصون نزاهة المنافسات وترسيخ قيم النزاهة والشفافية والعدالة.


وقال إن الرياضة أصبحت قطاعاً عالمياً مؤثراً ومنظومة تتقاطع فيها الجوانب الصحية والمجتمعية والأمنية والتشريعية والأخلاقية، ما يجعل مكافحة المنشطات بحاجة إلى عمل استباقي يقوم على تعزيز الوعي المعرفي والوقائي.


وأضاف أن حماية المجتمع تبدأ من الوعي، وأن اهتمام شرطة دبي بمكافحة المنشطات يأتي امتداداً لدورها المجتمعي والوقائي وحرصها على حماية الشباب والناشئين والرياضيين بالتعاون مع الجهات المختصة.


وأوضح أن الهدف يتمثل في بناء ثقافة تجعل الرياضي أكثر إدراكاً لما يدخل إلى جسده وأكثر وعياً بمسؤوليته تجاه نفسه وفريقه ومجتمعه والرياضة التي يمارسها.


العلم يلاحق المواد الجديدة
وناقش الملتقى التطورات العلمية والطبية المتسارعة في مجال مكافحة المنشطات، إذ قدمت الدكتورة فيرونيكا لوجينوفا، مدير عام لمكافحة المنشطات، محاضرة تناولت فيها التطورات العلمية والطبية، والببتيدات والمواد الحديثة المستخدمة في المجال الرياضي، إلى جانب حقوق ومسؤوليات الرياضيين والتجارب الدولية وأفضل الممارسات.


كما قدمت الدكتورة فلريا جريمن، رئيس قسم إدارة النتائج في الوكالة الروسية لمكافحة المنشطات، محاضرة تناولت الجوانب القانونية والتأديبية، إلى جانب الاستثناءات المتعلقة بالاستخدام العلاجي.


وصاحب الملتقى معرض توعوي بمشاركة 11 شركة طبية وصحية ورياضية، استهدف بصورة رئيسية الشباب والرياضيين ولاعبي ولاعبات الأندية والمراكز الرياضية في دبي، بهدف توسيع نطاق الرسائل والبرامج التوعوية المرتبطة بمخاطر المنشطات.


رياضة نظيفة
ويضع انتشار المكملات والظهور المستمر لمواد وأساليب جديدة لتحسين الأداء الجهات المختصة أمام سباق متواصل بين تطوير وسائل الكشف وتعزيز الوقاية، في حين تتجه منظومة مكافحة المنشطات نحو الاعتماد بصورة كبرى على العلم والبيانات والاختبارات الموجهة، بدلاً من الاكتفاء بالمفهوم التقليدي القائم على جمع العينات.