أقل من ساعتين.. ماراثون لندن يعيد تعريف حدود المستحيل


خطف ماراثون لندن الأضواء مجدداً في يومٍ أعاد تعريف حدود المستحيل، ليس فقط كأكبر سباق طرق في العالم، بل كمسرحٍ لأول إنجاز رسمي يكسر فيه حاجز الساعتين في ظروف تنافسية كاملة، عبر أداء تاريخي للبطل الصاعد سيباستيان ساوي.


والنسخة السادسة والأربعون من السباق، التي أُقيمت وسط تنظيم استثنائي وجماهير غفيرة وبنية تحتية متكاملة، أثبتت أن لندن لا تزال عاصمة الماراثون عالمياً من خلال أرقام قياسية، ونخبة غير مسبوقة من العدائين، وتغطية إعلامية ضخمة، كلها شكلت خلفية مثالية لحدث استثنائي سيبقى محفوراً في تاريخ ألعاب القوى.


واستعرضت مجلة «أتلتيك»، عدداً من الأرقام المهمة في الحدث، وأبرزها أن ساوي، الذي قدم واحداً من أعظم العروض على الإطلاق، لم يكتف بالفوز، بل أعاد كتابة التاريخ بزمنٍ كسر حاجز الساعتين، وهو إنجاز لم يتحقق سابقاً في سباق رسمي، رغم محاولة إيليود كيبشوجي في تحدي إينيوس 1:59 ساعة عام 2019، والتي جرت في ظروف غير تنافسية.


والمفارقة أن ساوي، بموهبته الاستثنائية، بدا وكأنه ينتمي إلى زمنٍ مختلف، إذ تفوق نظرياً على أساطير مثل بول تيرغات وهايلي جبريسيلاسي بفارق يتجاوز ميلاً كاملاً، في دلالة على التحول الكبير الذي شهده سباق الماراثون في السنوات الأخيرة، سواء من حيث التطور البدني أو التقني.


ورغم أن مسار لندن لا يعد الأسرع عالمياً مقارنة بمدن مثل برلين أو فالنسيا أو شيكاغو، بسبب انحناءاته وارتفاعاته الطفيفة، فإن الظروف المناخية لعبت دوراً حاسماً، مع طقس معتدل ورياح شرقية وفرت دعماً غير معتاد، ساعد العدائين على تحقيق أزمنة مذهلة.


وكشفت الأرقام الجزئية لسباق ساوي، عن عبقرية الأداء من خلال الانفجار في السرعة، خاصة في الأمتار الأخيرة، والذي كان العامل الحاسم، بدعم من زميله يوميف كيليتشا، ليؤكد أن السباق حسم بقوة الإنهاء لا فقط بثبات الإيقاع.


ورحلة ساوي نفسها تعكس تطوراً استثنائياً، إذ أصبح من عداء 1500 متر بزمن متواضع في كمبالا عام 2018، إلى بطل عالمي في سباقات نصف الماراثون، قبل أن ينفجر في سباقات الطرق محققاً أزمنة مذهلة في إشبيلية وبرلين وريغا، وصولاً إلى تتويجه التاريخي في الماراثون.


وفي المقابل، شهد السباق مفاجآت، أبرزها تراجع بطل 10,000 متر جوشوا تشيبتيغي، إلى المركز الثاني عشر بزمن 2:06:39 ساعة، وبفارق سبع دقائق عن الصدارة، ما يعكس الفجوة الكبيرة بين سباقات المضمار والطرق.


ولم تخل المنافسة من أرقام أخرى، حيث سجلت تيجيست أسيفا زمناً قدره 2:15:41 ساعة في سباق السيدات، رغم بداية سريعة، ولكنها فقدت الإيقاع في الكيلومترات الأخيرة، في أداء لم يرقَ إلى طموحاتها مقارنة بأرقامها السابقة.


وعلى مستوى المشاركة، سُجِّلَ رقم قياسي عالمي جديد بعدد 59,830 عداء أنهوا السباق، متفوقًا على ماراثون نيويورك، في تأكيد جديد على الشعبية الجارفة للحدث.


ورغم أن كسر حاجز الساعتين قد يبدو بداية لعصر جديد، إلا أن الطريق لن يكون مفتوحاً بسهولة، كما حدث بعد إنجاز روجر بانيستر في كسر حاجز الأربع دقائق في الميل، فالتحدي لا يزال معقداً، ويحتاج إلى توازن دقيق بين القدرات البدنية، والتكتيك، والتكنولوجيا.


وفي النهاية، لم يكن ما حدث في لندن مجرد سباق، بل لحظة فارقة أعادت رسم حدود الممكن، وأكدت أن الماراثون لا يزال يحتفظ بقدرته على مفاجأة العالم.