وسط المزارع الممتدة وبين الجبال الشاهقة، وتحت الشمس الإفريقية الحارقة، تتجه أنظار الأجساد السمراء النحيلة نحو نسخة «اليوبيل الفضي» من ماراثون دبي الدولي، المقررة في الأول من فبراير 2026، مع أحلام كبيرة ترافق تلك الخطوات المتسارعة، حلم الصعود إلى منصة التتويج، والعودة إلى الديار بجائزة مالية تفتح أبواب حياة أكثر كرامة وبساطة.
ومنذ انطلاقه للمرة الأولى عام 1998، رسخ ماراثون دبي مكانته كواحد من أنجح وأهم سباقات الماراثون في العالم، لتتحول الغابات والمرتفعات الإفريقية إلى مسار إعداد يومي لأبطال يسعون إلى حجز مكان لهم في سجل البطولة، التي حافظت على بريقها لأكثر من ربع قرن.
ولا يبدو غريباً في هذا المشهد أن تتشارك عائلات كاملة حلم المشاركة والانتصار، كما حدث في نسخة 2023، حين توج الإثيوبي أبيدسا تولا بلقب سباق الرجال، بينما خطفت ديرا ديدا، زوجة شقيقه الأكبر، لقب السيدات. قصة عائلية لافتة، اكتملت فصولها بقرار زوجها، البطل الأولمبي والعالمي تاميرات تولا، والفائز بلقب ماراثون دبي 2017، البقاء في إثيوبيا لرعاية الأطفال، بانتظار عودة زوجته متوجة بـ «أغصان الغار».
وعلى امتداد مسيرته الطويلة، لم تتوقف الإثارة السنوية للماراثون، ولا الحضور العائلي في سباقاته المتنوعة، سوى ثلاث سنوات فقط، بسبب الإجراءات الاحترازية المرتبطة بجائحة «كوفيد 19»، قبل أن يستعيد الحدث انتظامه ابتداءً من عام 2023، وصولاً إلى نسخته الخامسة والعشرين المرتقبة.
وتشير التوقعات إلى أننا سنكون على موعد مع نسخة استثنائية في عام 2026، إذ ستكون الثالثة التي تقام في شهر فبراير بعد نسختي 17 فبراير 2006 و12 فبراير 2023، والرابعة خارج إطار شهر يناير عبر تاريخ البطولة، بعد النسخة الأولى التي أُقيمت في 27 نوفمبر 1998، لتضيف محطة جديدة إلى سجل ماراثون دبي الحافل بالإنجازات والقصص الإنسانية الملهمة.
هيمنة إثيوبية
شهدت نسخة 2025 استمرار التفوق الإثيوبي، بعدما توج العداء بوتيه جيميشو بلقب سباق الرجال بزمن قدره 02:04:50 ساعة، فيما فازت بيداتو هيربا بلقب سباق السيدات بزمن 02:18:27 ساعة.
وبهذين الإنجازين، واصلت إثيوبيا تعزيز صدارتها لقائمة الدول الأكثر تتويجاً بألقاب ماراثون دبي الدولي، بعدما وصلت إلى 17 لقباً في سباق الرجال، و18 لقباً في سباق السيدات، وتليها كينيا بـ10 ألقاب للرجال، وروسيا بـ4 ألقاب للسيدات.
ويواصل العداؤون الإثيوبيون احتكار لقب الرجال منذ نسخة عام 2012، في حين سيطرت العدّاءات الإثيوبيات على لقب السيدات من عام 2007 حتى 2008، ثم من عام 2020 وحتى 2025.
الأرقام القياسية
مع كل نسخة جديدة من ماراثون دبي الدولي، يتجدد الطموح بتحقيق أزمنة تاريخية، ويبلغ الرقم القياسي العالمي الرسمي لسباق الماراثون للرجال 02:00:35 ساعة، وحققه العداء الكيني الراحل كيلفن كيبتوم خلال ماراثون شيكاغو في أكتوبر 2023.
أما الرقم القياسي العالمي لسباق السيدات، فكان 02:09:56 ساعة، وسجلته العداءة الكينية روث تشيبنغيتيتش في ماراثون شيكاغو يوم 13 أكتوبر 2024، قبل أن يتم إيقافها لاحقاً بسبب انتهاك قواعد المنشطات، ليبقى الرقم السابق صامداً والمسجل باسم الإثيوبية تيجست أسيفا وقدره 02:11:53 ساعة.
وعلى صعيد أزمنة ماراثون دبي، سجل العداؤون الإثيوبيون أفضل خمسة أزمنة في سباق الرجال، وهي 02:03:34 ساعة وحققه جيتانه مولا عام 2019، و02:04:00 ساعة، وحققه موزينيت جيريميو عام 2018، و02:04:11 ساعة، وحققه تاميرات تولا عام 2017، و02:04:23 ساعة وحققه إيلي أبشيرو عام 2012، و02:04:24 ساعة، وحققه تسفاي ابيرا عام 2016.
كما حققت العداءات الإثيوبيات، أفضل خمسة أزمنة في تاريخ سباق السيدات، وهي 02:16:07 ساعة وحققته تيجيست كيتيما عام 2024، و02:17:08 ساعة وحققته روث شينجيتش عام 2019، و02:18:27 ساعة وحققته بيداتو هيربا عام 2025، و02:19:17 ساعة وحققته روزا ديريجي عام 2018، و02:19:31 ساعة وحققته اسيلفيك ميرجيا عام 2012.
أبطال التاريخ
يتقاسم الأسطورة الإثيوبي هايلي جبريسيلاسي، والكيني ويلسون كيبيت، صدارة قائمة الأكثر فوزاً بلقب ماراثون دبي الدولي للرجال، برصيد ثلاثة ألقاب لكل منهما، حيث توج كيبيت أعوام 2000 و2001 و2002، بينما فاز جبريسيلاسي باللقب أعوام 2008 و2009 و2010.
أما في سباق السيدات، فتتشارك الصدارة أربع عداءات، برصيد لقبين لكل واحدة، وهن الروسية إميليا بورانغوفا عامي 2000-2001، والإثيوبيات اسيلفيك ميرجيا عامي 2011 و2012، وتيرفي بينتي عامي 2013 و2016، ووركنيش ديبيلي عامي 2017 و2020.
جوائز ضخمة
يبقى الحلم الدائم لدى المشاركين في السباق الرئيسي، وهو اقتطاع جزء من «كعكة» الجوائز المالية، على أمل العودة إلى البلاد وشراء بيت أو سيارة جديدة، أو تحسين أحوال الأسرة، وتوفير مستوى علمي أفضل للأبناء، لأن ماراثون دبي الدولي يُعد واحداً من أغنى سباقات الماراثون في العالم، إذ تبلغ قيمة الجوائز المالية نحو مليون و232 ألف درهم لأبطال سباق الماراثون الرئيسي لمسافة 42.195 كيلومتراً، إلى جانب 68 ألف درهم لبقية الأبطال من فئات المواطنين والمواطنات والكراسي المتحركة، وأبطال سباق 10 كيلومترات، ليصل إجمالي الجوائز إلى قرابة مليون و300 ألف درهم.
ويتم توزيع الجوائز بالتساوي بين الرجال والسيدات، إضافة إلى جوائز عينية للمشاركين، بما في ذلك سباق المبتدئين والعائلات لمسافة 4 كيلومترات، وتوزع جوائز السباق الرئيسي بالدولار على أصحاب المراكز العشرة الأولى في فئتي الرجال والسيدات، حيث يحصل الفائز بالمركز الأول على 80 ألف دولار، والثاني على 40 ألفاً، والثالث 20 ألفاً، والرابع 10 آلاف، والخامس 5 آلاف، والسادس 4 آلاف، والسابع 3 آلاف، والثامن 2500، والتاسع 2000، والعاشر 1500 دولار.
أما بقية الجوائز فتوزع بالدرهم، حيث يحصل أصحاب المراكز الثلاثة الأولى في فئتي المواطنين والمواطنات على 5000 درهم للأول، و3000 للثاني، و2000 للثالث، كما تبلغ جوائز فئة الكراسي المتحركة للرجال والسيدات 5000 درهم للأول، و3000 للثاني، و2000 للثالث، وتمنح جوائز سباق 10 كيلومترات في فئتي الرجال والسيدات 4000 درهم للأول، و2000 للثاني، و1000 للثالث، وبالقيم ذاتها لفئتي المواطنين والمواطنات.
بوابة أولمبية
رغم أن ماراثون دبي 2026، لن يكون مؤهلاً للمشاركة في دورة الألعاب الأولمبية 2028، إلا أنه يبقى مقياساً مهماً لتقييم مستويات سباقات الماراثون في العالم، وخاصة وأن من أبرز محطاته مساهمة نسخة 2024، بتأهيل 24 عداء وعداءة، للمشاركة في دورة الألعاب الأولمبية في باريس، بعد تحقيقهم الأرقام المؤهلة للماراثون الأولمبي، الذي يُعد أقوى اختبار للتحمل في ألعاب القوى، لمسافة 42.195 كيلومتراً.
ويسهم ماراثون دبي في تمجيد تاريخ عريق لسباق الماراثون الذي تم إدراجه في الألعاب الأولمبية عام 1896 لفئة الرجال، قبل أن تنضم السيدات إلى المنافسات في أولمبياد لوس أنجلوس عام 1984، ويعود أصل تسمية الماراثون إلى عام 490 قبل الميلاد، حين وقعت معركة ماراثون بين اليونانيين والفرس في منطقة ماراثون باليونان، وانتهت بانتصار اليونانيين.
وبعد المعركة، انطلق أحد المقاتلين اليونانيين، ويدعى فيديبييدس، راكضاً مسافة تقارب 40 كيلومتراً من ماراثون إلى أثينا ليزف خبر النصر، قبل أن يلقى حتفه من شدة التعب والإرهاق، وتخليداً لهذه القصة، حمل السباق اسم الماراثون، وأدرج ضمن الألعاب الأساسية في أولمبياد أثينا 1896، حيث انطلق من جسر قرية ماراثون إلى أثينا، وفاز بالميدالية الذهبية العداء اليوناني سبيريدون لويس بزمن 02:58:50 ساعة، وسمي استاد أثينا الأولمبي باسمه.
أما المسافة الدقيقة للماراثون، فاستقرت عند 42.195 كيلومتراً بعد أولمبياد لندن 1908، عندما تقرر أن تبدأ المنافسة من قلعة وندسور، ليتمكن أحفاد الملك إدوارد السابع من مشاهدتها، وتنتهي أمام المنصة الملكية في الاستاد الأولمبي، حيث جلوس الملكة ألكسندرا، ليتم تثبيت هذه المسافة لاحقاً في جميع سباقات الماراثون.
أساطير الماراثون
يزخر تاريخ الماراثون بأسماء خالدة، من أبرزهم الأوغندي ستيفن كيبروتيتش، بطل أولمبياد لندن 2012، والإثيوبي أبيبي بيكيلا، بطل أولمبياد روما 1960، الذي قطع مسافة 26 ميلاً حافي القدمين، قبل أن يصاب بالشلل إثر حادث سير عام 1996 ويتوفى بعده بأربع سنوات، إلى جانب العداء التشيكي إميل زاتوبيك، الذي حقق ثلاث ميداليات ذهبية في سباقات 5 آلاف و10 آلاف متر والماراثون في أولمبياد هلسنكي 1952، ليصبح أول عداء يحقق هذا الإنجاز في دورة أولمبية واحدة، فضلاً عن الأسطورة الإثيوبية هايلي جبرسيلاسي، الذي واجه صعوبة في التأهل لأولمبياد لندن 2012 بعد تراجعه عن قرار الاعتزال الذي أعلنه عام 2010.
