حقق مازيمبي الكونغولي إنجازاً غير مسبوق لكرة القدم الإفريقية، وذلك بتأهله أول من أمس إلى الدور النهائي في بطولة كأس العالم السابعة للأندية التي تستضيفها حالياً العاصمة أبوظبي، بعد أن فجر بطل القارة السمراء مفاجأة من العيار الثقيل بتغلبه على انترناسيونال البرازيلي بطل أميركا الجنوبية وبطل العالم عام 2006، بهدفين دون مقابل.

وهذا الانجاز الكبير غير به الفريق الكونغولي خارطة الكرة العالمية ووضع القارة السمراء في المقدمة، بعدما كانت طوال العقود الأخيرة مهمشة وتتذيل التصنيف النهائي لبطولات «الفيفا».وتجدر الإشارة إلى أن الفريق الافريقي «الحصان الأسود الجامح في مونديال الأندية 2010، كان قد أطاح في مستهل مشواره «الثور» المكسيكي فريق باتشوكا بطل الكونكاكاف، ثم واصل انطلاقته بإقصاء «سحرة» البرازيل.

وقد جاء تأهل مازيمبي للنهائي الذي يقام بعد غد السبت، ليؤكد تطور الكرة الافريقية والنهضة الشاملة التي تعيشها خلال العقد الأخير، وذلك بعد النتائج الرائعة للمنتخب الغاني في نهائيات كأس العالم بجنوب افريقيا 2010، عندما بلغ الدور نصف النهائي، وكان قريباً جداً من المباراة النهائية، لو نجح مهاجمه جيان أسامواه في تسجيل ركلة الجزاء في الوقت البديل من المباراة.وكان المنتخبان الكاميروني والنيجيري قد بادرا في التسعينات، بإعلان تقدم الكرة الافريقية، ولا شك أن العالم لم ينس بعد المشاركة الرائعة لأسود الكاميرون في مونديال ايطاليا 1990، والفوز على الارجنتين في المباراة الافتتاحية، وواصل المنتخب السنغالي الحملة.

وفجر هو الاخر مفاجأة مدوية في افتتاح مونديال 2002 بالفوز على المنتخب الفرنسي بطل العالم بهدف لصفر سجله بوبا ديوب في أول مشاركة مونديالية للسنغاليين. درس افريقي للعالم وبعد هذه الانتصارات الافريقية الباهرة في بطولات الفيفا لم يعد الأمر يتعلق بمجرد صدفة وإنما بات واضحاً أن الكرة في القارة السمراء قطعت خطوات كبيرة في سلم التقدم والرقي، وما قدمه مازيمبي أول من أمس على ملعب الجزيرة كان درساً للعالم وبرهناً قاطعاً على نهضة الكرة الافريقية وعدم الاستخفاف بها لاحقاً.

ولا شك أن سيلسو روث مدرب انتر ناسيونال البرازيلي أول من تعلم الدرس، لأنه استهزأ كثيرا بمازيمبي خلال المؤتمرات الصحافية التي عقدها منذ مجيئه إلى أبوظبي ووصفه بالفريق العنيف والمتوحش والذي لا يلعب كرة قدم وإنما يمارس عنفا فوق الميدان، ويبدو أن المدرب البرازيلي غير مطلع تماما على الكرة الافريقية لأنه اعتبر فوز مازيمبي على باتشوكا المكسيكي في المباراة الاولى مفاجأة من الوزن الثقيل، فلم يؤمن تماماً بحظوظ الفريق الكونغولي واستنقص قيمته كثيرا فكان الرد قاسيا من فريق «الغربان».

فقد وجه مازيمبي ممثل الكرة الافريقية ضربة موجعة للكرة البرازيلية وإنذاراً شديد اللهجة لبقية الفرق والمنتخبات العالمية في البطولات المقبلة بعدم الاستهانة بالقارة السمراء.

فريق أبهر الخبراء

وأبهر الفريق الكونغولي جميع الملاحظين وخبراء الكرة في العالم بأدائه القوي والروح الانتصارية العالية التي يلعب بها إلى جانب انضباطه التكتيكي الكبير، وهو شيء جديد على الكرة الافريقية، فعلى الرغم من الفنيات العالية التي يتمتع بها لاعبو انتر ناسيونال البرازيلي إلا أنهم فشلوا في الوصول إلى مرمى كيديابا.

فالهجومات البرازيلية عجزت عن اختراق دفاعات مازيمبي الذي اعتمد على خطة ذكية تمثلت في الدفاع في منطقة وسط الميدان والضغط على حامل الكرة حتى لا يسمح للاعبي الفريق المنافس بفرض أسلوب لعبهم. وفي المقابل اعتمدت كتيبة «الغربان» على الهجمات المرتدة السريعة التي كان يقودها كابانغا وكالو يتيكا ومبينزا وسانغلوما.

وخطف حارس المرمى كيديابا الأضواء في ملعب الجزيرة ليس برقصته الطريفة وإنما بالذود عن مرماه بكل شراسة وتصديه لثلاثة أهداف محققة على الأقل.

وأكد لاعبو مازيمبي بعد الفوز على انتر ناسيونال أنهم عقدوا العزم على مواصلة التألق والفوز باللقب لوضع افريقيا في المقدمة لأول مرة في التاريخ.

أفضل إنجاز

وتجدر الإشارة إلى أنه لم يسبق لأي فريق الوصول إلى المباراة النهائية وكان أفضل انجاز مونديالي في السابق للأهلي المصري الذي حصل على المركز الثالث في نسخة 2006، عندما قارع الكبار بكل شجاعة واقتدار في اليابان وفاز في المباراة الأولى على أوكلاند سيتي من استراليا (2-0) ثم خسر أمام انترناسيونال البرازيلي (1/2) وفاز في المباراة الترتيبية على كلوب أميركا المكسيكي بهدفين لهدف واحد. وقد سطع نجم أبوتريكة في هذه البطولة بمردوده البطولي وتسجيله ثلاثة أهداف.

ولكن الأهلي المصري خيب الآمال الافريقية والعربية في مونديال الأندية عام 2008 واكتفى بالمرتبة السادسة وكانت بالتالي أسوأ مشاركة للأندية العربية في تاريخ المونديال، حيث خسر الأهلي من باتشوكا (2/4) وأمام ادلايد الاسترالي بهدف.

وفي بطولة 2007 كتب النجم الساحلي التونسي تاريخه المونديالي على أرض اليابان بمشاركة جيدة للغاية، نال على اثرها المركز الرابع وكان بإمكانه الذهاب بعيداً لولا تنكر الحظ له في ركلات الترجيح، والنجم فاز في المباراة الأولى على باتشوكا المكسيكي بهدف تاريخي لموسى ناري ثم خسر بهدف وحيد أمام بوكا جنيور الارجنتيني وقدم مباراة رائعة امام ريد اوروا الياباني انتهت بالتعادل (2-2) ثم خسر بركلات الحظ (4-2) وقد كان اللاعب الشرميطي من أبرز نجوم البطولة.

أفراح الكونغولي من الملعب إلى الفندق وجماهير البرازيل ذرفت الدموع

غمرت لاعبي مازيمبي فرحة هستيرية حال نهاية المباراة لينطلقوا في الاحتفال بالفوز الكبير والانجاز التاريخي وأمتعوا الجماهير الحاضرة بفصول طويلة من الرقصات الافريقية الشهيرة والطريفة. وقد شارك الاداريون والجماهير الرقص أمام عدسات الكاميرا في مشهد جميل وفي يوم عرس الكرة الافريقية.

وبمجرد أن أعلن الحكم الهولندي كويبرس صافرة نهاية المباراة خطف الحارس كيديابا الأنظار برقصته المتميزة حيث يزحف على الأرض وتبعه عدد آخر من اللاعبين وحتى المكلف بالعلاقات العامة مع الفيفا لم يتمالك أعصابه وهزته نشوة الفرحة ليتجه نحو كيديابا وحاول تقليد رقصته.

وفي الجهة الأخرى من الملعب، أمام الفرقة الموسيقية التي نشطت الأجواء خلال المباراة تفنن كاسونغو ورفاقه في الرقص راسمين لوحة جميلة تدافع أصحاب العدسة من أجل التقاطها وتدوينها.

ولم يغادر لاعبو مازيمبي أرض الملعب إلا بعد أن تجولوا في أرجائه وشاركوا الجماهير التي شجعتهم الرقص والأفراح في يوم سادت فيه الرقصة الافريقة ملعب المونديال وغابت رقصة السامبا.

وقد ساند مازيمبي في مباراته أمام انترناسيونال البرازيلي نحو 400 مشجع، بينما حظي الفريق البرازيلي بدعم جماهيري كبير يتجاوز عدده الستة آلاف، لكن الفرحة آلت في النهاية لأصحاب العدد القليل.

وكان حضور الجمهور الكونغولي ملفتاً للانتباه منذ بداية المباراة وذلك بالتقليعات الافريقة والتزين بحلل تشبه أشكال وحوش القارة السمراء. ولا شك أن هذه الجماهير عاشت ليلة سعيدة في ملعب الجزيرة وتذوقت فرحة مونديالية فريدة لأن الفوز تحقق على حساب السامبا البرازيلية.

«هيستريا» الفرحة

وتواصلت الأفراح والليالي الملاح لفريق مازيمبي في الفندق حيث تجمعوا حال وصولهم في البهو ورقصوا أمام أنظار السياح الأجانب وأضفوا أجواء احتفالية كبيرة وقد شاركهم بعض الزوار الرقص والاحتفال.

وارتدى اللاعبون أعلاماً كبيرة للفريق واحتفلوا بترديد الأناشيد الافريقية بلهجتهم المحلية التي لم يفك رموزها أحد وطلبوا من بعض المشجعين الكونغوليين المتواجدين بالمكان ترجمتها باللغة الانجليزية.

وفي غمرة الاحتفال بالفوز الكبير تتحقق المفجأة من الوزن الثقيل حيث توافد عدد كبير من الجمهور البرازيلي وانضموا لمشاركة مازيمبي أفراحه بكل روح رياضية، وجلس أحد المشجعين البرازيليين على الأرض وقلد رقصة الحارس كيديابا وقد أسعدت هذه الحركة المعسكر الافريقي.

وأشاد برازيليون في حديثهم إلى لاعبي ومسؤولي مازيمبي بالمستوى الفني الكبير الذي قدموه وأكدوا لهم جدارتهم بالفوز متمنين لهم حظاً سعيداً في المباراة النهائية.

واستجاب لاعبو مازيمبي بكل لطف لطلبات الجمهور البرازيلي بالتقاط صور تذكارية.وودعت الجماهيرية البرازيلية ملعب الجزيرة وهي في حالة صدمة ودهشة لأنها لم تتوقع الخسارة بل كانت تنتظر احتفالاً بفوز كاسح.

ولم يغالب حتى الصحافيون دموعهم، حيث بكى الكثير منهم في المنصة المخصصة لهم وفي المركز الإعلامي.وقالت إحدى الصحافيات وهي تجهش بالبكاء: إنها ليلة سوداء.. وهزيمة مذلة لا يمكن نسيانها أبداً.

المدير التنفيذي لمازيمبي يهاجم التحكيم

وجه فرديريك المدير التنفيذي والمدير الرياضي لنادي مازيمبي انتقادات لاذعة للحكم الهولندي بيورن كيوبرس واتهمه بالانحياز لفريق انترناسيونال البرازيلي طوال المباراة وخاصة خلال الشوط الأول، وأوضح فريديريك بأن الحكم كان قاسياً جداً مع لاعبي مازيمبي ووجه لهم بطاقات صفراء غير مستحقة كما منح الفريق المنافس ركلات حرة غير موجودة وانما هي من نسج خياله على حد تعبيره.

وتابع فريدريك قائلاً: كلما تدخل أحد لاعبينا لافتكاك الكرة من المنافس، أطلق الحكم صافرته وأعلن عن مخالفة والحال أن الأمر لا يتعلق سوى بالاندفاع البدني المشروع. نحن نتابع جميعاً مباريات الدوريات الأوروبية ونرى الصراعات الثنائية القوية بين اللاعبين ولكن الحكام لا يوقفون اللعب للمحافظة على جمالية اللعبة.

وأضاف قائلاً: أعتقد أن الحكم الهولندي كان متعاطفاً مع الفريق البرازيلي وتأثر بما يروج حول تميز الكرة الافريقية بالخشونة. وهذه مأساة تعاني منها فرق ومنتخبات القارة السمراء عندما تشارك في المونديال.

وقال فريديريك إن أفضل رد على الحكم كان بتسجيل هدفين في مرمى انتر ناسيونال والتأهل إلى المباراة النهائية.

صلاح الدين الشيحاوي