عندما يلتقي الوصل والعين في أي مواجهة، فإن سائر المباريات الأخرى تسقط من حسابات المتابعين وعشاق الكرة الإماراتية. هذه حقيقة يتوافق عليها الكثيرون، بل الكثيرون جدا، من المهتمين بالشأن الكروي الإماراتي.
وليلة أمس الأول قدم الفريقان برهانا ساطعا على صوابية من يتفقون على هذه الحقيقة عندما تعانقا في مشهد كروي جميل، رسما خلاله واحدة من أجمل لوحات دوري اتصالات للمحترفين، وكان لقاؤهما ـ بحق ـ فاكهة الجولة الثامنة من دوري اتصالات للمحترفين. وشهدنا في ملعب نادي الوصل كرة قدم مفتوحة، تعاون اثنان وعشرون لاعبا في خمس وتسعين دقيقة على تقديم وجبة دسمة حملت ما لذّ وطاب من فنون كرة القدم: التمرير القصير، السرعة، التسديدات القوية والخطيرة، المراوغة، القتالية، الحماس، الغيرة، العطاء، الجهد البدني الكبير، الالتحامات العنيفة لا المؤذية، وأشياء أخرى، وعلى هذا الأساس، فإنه حقيق بكل من شاهد مباراة أمس الأول بين القطبين الجماهيريين أن يقدم بطاقة شكر لهذين الناديين على صنيعهما.
وقياسا إلى مجريات اللعب، كان من العسير على أي متابع أن يتنبأ بالجهة التي سيذهب إليها الفوز، فقد تقدم الوصل أولا بواسطة خطيرة الإسباني يستي، ثم تعادل العين، وتقدم بعدها الضيوف، قبل أن يعود الوصل إلى اللقاء بهدف التعادل قبل النهاية بدقائق معدودة. وقد احتار المتابعون واحتار الفوز معهم إلى أين يذهب: إلى الوصل الذي أمتع؟ أم إلى العين الذي أبدع؟ وهذه الحيرة هي التي ساقت الفوز إلى أن يقف موقفا عادلا في الوسط بين الكبيرين، فاختار التعادل إنصافا للخدمات الجليلة التي قدمها بطلا قمة جماهير الدوري. وإذا كان الوصل قد خسر نقطتين ثمينتين في مشوار منافسته على اللقب على أرضه وبين أنصاره الكثر، فإنه قد فاز بأداء مشرف، وروح عالية تحلى بها لاعبوه على امتداد زمن اللعب، وجمهور تناثر بالآلاف في كل ركن وزاوية من ملعب النادي. أما العين فقد قدم أداء رفيعا، وأمتع الجميع، وأسكت به الجماهير الصفراء الغفيرة في بعض الأحيان، وأشعل في المقابل حماس أنصاره المخلصين الذين تابعوه من «دار الزين» إلى «دار الحيّ»، فكانت النتيجة أن نثر الطرفان المتعة في «الدارين». حملت مباراة الكبيرين أمس الأول ـ بجدارة ـ ألقابا كثيرة: قمة الأسبوع، قمة الجماهير، قمة الأداء، قمة الحماس، وفي المحصلة كانت قمة في المتعة، ولذلك فإن أكبر الفائزين في لقاء الكبيرين كانت الكرة الإماراتية وجماهيرها التي تنتظر مثل هذا الأداء حتى تزحف إلى المدرجات.
المستكي: لاعبونا يسجلون لنا وعلينا في ظاهرة غريبة... أظهر المحلي عبد الحميد المستكي رضاه على مستوى وأداء فريقه في المباراة، وقال: صحيح أننا لم نفز في الدوري منذ الثالث من الشهر الماضي، إلا أن أداءنا اليوم كان جيدا، والجميع شاهد كيف صنعنا الفرص، وكنا الأكثر حصولا عليها، وعلى ضربات الجزاء، لافتا إلى أن فريقه الأكثر حصولا على ضربات الجزاء في الدوري وإن كان يحسب له واحدة من بين كل ثلاث ضربات بحسب المستكي. وزاد: كل الأهداف التي سجلت علينا كنا نحن من يسجلها للأسف، فنحن نسجل لنا وعلينا. وحول التوتر الذي أصاب اللاعبين في بعض مراحل اللقاء، قال: هو أمر طبيعي فنحن لا نلعب الريشة الطائرة، وإنما كرة القدم، والتوتر والانفعال جزء من هذه اللعبة، ولكن التوتر ليس مقصودا منه التوتر نفسه، وإنما يقع التوتر عندما يُسجل هدف بطريقة خاطئة من تسلل مثلا، أو من لمسة يد، أو ما شابه. وأثنى مدرب العين على المباريات التي تجمع فريقه بالوصل تاريخيا وحاضرا، فقال: مذ كنت لاعبا ويحظى لقاء العين والوصل بالأهمية، لدرجة أن الجميع يترك سائر المباريات الأخرى، ويأتي للبحث عن المتعة باللقاء.
وتابع: أنا سعيد جدا من أجل فريقي لأنني لدي لاعبون جيدون سيقدمون خدمات جليلة للفريق في المستقبل، ولا أقول هنا المستقبل البعيد بعد عشر سنين، وإنما المستقبل القريب، ونحن نؤدي ونلعب بشكل جيد جدا في كل لقاء، وهذا مصدر ارتياح بالنسبة لنا.
وحول مدى إحساسه بفقدان الأمل على المنافسة وهو يفقد النقاط، قال: طبعا لم أفقد الأمل، ولا يوجد فريق فقد الأمل حتى الآن، لأن المشوار مازال طويلا والفروق قليلة بين الفرق نسبيا.
أما مدرب الوصل البرازيلي فارياس، فقال: نحن نتطلع إلى الفوز على الدوام، واليوم كانت المباراة ممتعة وجميلة جدا، وقد واجهت صعوبات في خط الدفاع، وكذلك عانيت من غياب ثلاثة لاعبين، وهو أمر خلق لدي بعض الصعوبات.
وأضاف: غيرت طريقة اللعب مرارا، ولكنني واجهت دفاعا محكما ومغلقا من جانب الخصم.
وتطرق فارياس إلى التوتر الذي أصاب لاعبيه بالقول: فقد لاعبو فريقي جزءا كبيرا من تركيزهم ومستواهم بعد توترهم، وأعتقد لو توفر لنا مزيد من الوقت لكنا تمكنا من تحقيق الفوز.
وأكد مدرب الوصل تعقيبا على توتر لاعبيه أنهم لا يعانون من أي مشاكل نفسية، مشيرا إلى أن توترهم يكون أمرا طبيعيا عندما يتعرضون لهدف بطريقة خاطئة.
إثارة اللقاء تشعل لهيب المدرجات
الحماس منقطع النظير الذي شهدته مباراة الوصل وضيفه العين لم يقتصر على العشب الأخضر، بل امتدت حرارته لتشعل مدرجات الملعب التي امتلأت بتسعة آلاف مشجع لم تهدأ حناجرهم طوال التسعين دقيقة.
وإذا كان كل جمهور اقتصر قبيل المباراة على تهيئة اللفافات الورقية التي تحمل ألوان فريقه، وتدارسوا فيما بينهم الأهازيج التي سيطلقونها خلال اللقاء، فإن الأمر تحول إلى مواجهة حقيقية ولكنها ذات طابع ودي خلال اللقاء، والبداية جاءت على ألسنة أنصار الفريق البنفسجي الذين أتعبوا لاعبي الوصل ماهر جاسم وسعود سعيد اللذين كانا ينطلقان في شن الهجمات من الجهة اليسرى المقابلة لجماهير العين، وكان الجمهور البنفسجي ينطلق في حملة غير عادية من الصفير والأصوات المرتفعة مع كل لمسة للكرة من قبل هذين اللاعبين.
ورد جمهور الوصل التحية بمثلها، ولم «يقصّر» من جهته مع لاعبي الفريق الضيف وخصوصا مع شهاب أحمد وساند وأحيانا ينال مهند العنزي «نصيبه». ولم تكن العملية مجرد اجتهاد آنٍ، بل بدت بشكل واضح أنها عملية مدروسة من قبل جماهير الفريقين للتأثير على لاعبي الخصم، وهي نتيجة طبيعية لحالة التفكير العميق بأهمية نقاط المباراة للطرفين.
وعلى الرغم من أن حماس الجمهورين كان يتعاظم ويزداد لهيبا مع كل دقيقة تمضي على اللقاء، إلا أن ما يحسب لهما هو الروح العالية التي سادت أجواء المدرجات والانضباط التام في أصول التشجيع، والاحترام التام للفريق الآخر، وهي ميزة إضافية شهدها هذا اللقاء الذي عاد بالنفع الوفير على الدوري الإماراتي.
نجاح
شجاعة حكم
قلّما ينجو حكم من انتقادات اللاعبين أو الجماهير، ومن هؤلاء القلة القليلة محمد عبد الله حكم مباراة الوصل والعين الذي قدم أداء لافتا اتسم بالجرأة والشجاعة، والقدرة على اتخاذ القرار رغم الحماس الجماهيري الكبير، وما يحسب للحكم إيجابية تندر في الملاعب العربية، وهي أنه ترك المجال في كثير من الكرات المشتركة إلى الاحتكاك القوي، وسمح ببعض الخشونة ـ بدون الإيذاء ـ التي تضفي على كرة القدم جمالية تفتقدها الألعاب الأخرى.
وعلى الرغم من حجم الحساسية الكبير في مثل هذه اللقاءات، إلا أن محمد عبد الله تمكن من قيادتها إلى برّ الأمان بلا خسائر تذكر.
ثناء
شهادة يستحقها أهلها
قل ما شئت في نادي الوصل، ولن تكفيه حقه. فبالنسبة لشخص يدخل الملعب الأصفر لأول مرة ليغطي مباراة مهمة، سيكون الأمر غاية في الإيجابية عندما يلحظ هذا التعامل الراقي من قبل النادي مع الإعلاميين، وهذا التنظيم الجيد الذي لا يترك صغيرة ولا كبيرة، وهذه الأريحية والسهولة في التعامل، وهذا الإكرام في المعاملة، بحيث تصل إلى مكانك بأسرع وقت ممكن ودون أن تواجه أي مشكلة تذكر. وبعد كل هذا التعامل الجيد يختتمون الموقف بابتسامة عريضة ولسان حالهم يقول: « هل أنت راض».
والجواب: «أنّى لضيوفكم أن لا يرضوا»؟!
أخطاء
إنذارات مجانية
الطريقة التي حصل من خلالها بعض لاعبي الفريقين على الإنذارات توحي بأن كثيرا من النضج الكروي والاحترافي مازال ينتظرهم، فمن ذلك أن لاعب العين جمعة سعيد نال إنذارا مجانيا لإضاعة الوقت قبل وقت طويل نسبيا على نهاية اللقاء، ولم يكن لاعب الوصل عيسى راشد أفضل حالا عندما تلقى إنذارا عجيبا في الدقيقة 69 بعد تعرضه لإعاقة، وعلى الرغم من أن الحكم محمد عبد الله احتسب خطأ لراشد، إلا أن الأخير بدا في حالة غضب غير عادية ورفع صوته بشدة على الحكم فاضطر الأخير إلى إشهار بطاقة مجانية للاعب.
قتالية
التحامات بدنية لا تنتهي
شدة الحماس والإثارة والقتال من أجل النقطة حولت ملعب نادي الوصل إلى ساحة من الالتحامات البدنية التي لم تنته. فقد كان القتال عنيفا وضاريا على كل كرة سواء في الجو أو على الأرض، ولم تكن الغلبة لأي من الفريقين، فبعض الكرات ذهبت إلى العين وأخرى إلى الوصل، ورغم كل هذه القتالية والالتحامات العنيفة، إلا أن ما يسجل في خانة الإيجابيات الكثيرة التي حفلت بها المباراة أنها خلت من إصابات مؤثرة، وتحلت بروح رياضية عالية بين جميع اللاعبين في معظم مراحل اللقاء.
جهاد عدلة



