أن تحقق فوزين بعد سلسلة هزائم، ثم تعود بعد ذلك لتتلقى خسارة غير متوقعة وعلى أرضك وبين جماهيرك، فهذا الإحباط بعينه، وأي إحباط أكثر من أن ينهزم النصر، القادم من نشوة انتصارين عزيزين في الجولتين السابقتين، أمام الشارقة الذي لعب بأقل من نصف قوته.
وأرخت هذه الهزيمة بظلال رمادية على نفوس ومعنويات الجميع، ليس بسبب الخسارة بحد ذاتها، بقدر ما هو طبيعتها وآليتها. فالشارقة تعرض لظروف مفاجئة كانت كفيلة بأن تقضي على معنويات أي فريق في نفس الموقف، وذلك عندما تعرض ثلاثة من لاعبيه إلى إصابات اضطرت المدرب إلى إجراء تغييرات لم يكن يضعها في حسابه، أو على الأقل لم يكن يفكر فيها بتلك المواقيت التي تمت فيها. أما النصر فكان يرتع في ملعبه وأمام أنظار أنصاره ومسؤوليه، وبكامل نجومه، ومع ذلك فقد واجه المصير المحزن في تلك المواجهة.
لكن ما يحسب للنصر أنه قدم ـ حتى الآن ـ واحدة من أفضل مواجهاته إن لم تكن الأفضل في الموسم الحالي، وخصوصا في الناحية الهجومية بعدما استطاع الوصول مراراً وتكراراً إلى منطقة الشارقة، وتسبب بقلق بالغ لدفاعات سفراء الإمارة الباسمة، وكان بطل عملياته الهجومية المتألق دائما الغيني اسماعيل بانغورا الذي سجل هدفا من طراز رفيع انتزع تصفيق الكثيرين، حتى أولئك الحياديين في الملعب.
وفي الجهة المقابلة قدم الشارقة أداء رجوليا عاليا مكنه من الاستحواذ على كثير من الكرات المشتركة، وظهر لاعبوه بروح قتالية عالية للغاية، وجاءت التبديلات الاضطرارية لمنح الفريق الضيف قوة إضافية سببها أن البدلاء الجدد وجدوا في الظروف المستجدة عوامل مساعدة لإظهار قدراتهم وكسب ود وثقة مدربهم، فلعبوا بجهود مضاعفة ساعدت فريقهم على تحقيق فوز عزيز للغاية.
وفي العموم فقد مثلت الهزيمة صدمة حقيقية للنصراويين الذين كان مشهدهم ـ كلاعبين وجهاز فني وجماهير ومسؤولين ـ يوحي بأنهم ذاهبون ليواصلوا مسلسل انتصاراتهم وتقدمهم على سلم الترتيب، أما الشارقة فقد عاد إلى إمارته بابتسامة عريضة منحته فوزا يستحق أن يطلق عليه «ثمين للغاية».
انفعال
شتّان ما بين البداية والنهاية. في البداية نهض من مقعده ووقف في المنطقة المخصصة له، ثم بدأ يرفع يده موجهاً لاعبيه، ثم أتبعها بصرخات أسمعت من به صمم، ثم أتبعها بحركات أوحت إلى أي حد كان الرجل يتلوّى حرقة على ما يجري في المباراة. كل هذا السيناريو كان بطله الأوحد البرتغالي كاجودا مدرب الشارقة، الذي سرق كثيراً من الأضواء بحركاته وانفعالاته في الملعب.
ولم تهدأ ثائرة هذا المدرب الغضوب إلا في الدقائق الأخيرة، بعد أن هدأ «غبار المعركة» بين النصر والشارقة، معلناً عن انتصار سفير الإمارة الباسمة، لكن الهدوء وصل حد الاسترخاء وتوزيع الابتسامات في المؤتمر الصحافي الذي ملأه كاجودا ابتسامات صفراء وزعها على كل من ظهر أمامه!
هدية
الشارقة كره الإصابات فكانت خيراً له
حقا إنها حبكة عجيبة تلك التي سارت عليها مباراة النصر وضيفه الشارقة. كانت كل الإرهاصات التي رافقت اللقاء، والتي شوهدت بعيون البشر، تصب في صالح أصحاب الأرض، وترجح كفتهم، وتزيد ترشيحات واحتمالات فوزهم، لكن الأقدار قدمت هدايا سخية للفريق الضيف، وعلى الرغم من أن السخط والضيق بدا على وجوه كثير من الشرقاويين، إلا أن الدقائق اللاحقة علمتهم فقه درس: «عسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم».
القصة بدأت في مرحلة باكرة من اللقاء عندما أصيب محترف الشارقة البرازيلي لوسيانو فخرج على الأكتاف ليدخل بدلا منه محمد سرور، ولم يكن أحد في الملعب ولا خلف الشاشات ينتظر أن يتحول هذا التبديل إلى اللحظة التي غيرت مجرى الأحداث، وذلك عندما قدم سرور واحدة من أجمل مبارياته وسجل هدفي فريقه، مانحا بهما ثلاث نقاط دفعت بفريقه إلى المنافسة على صدارة الترتيب، وكان من أكثر المشاهد لفتا للانتباه هو حركة اللاعب بعد تسجيله لهدفيه، وخصوصا عقب الهدف الأول، حيث توجه مباشرة إلى مدرجات جماهير الشارقة ووضع يده على رأسه مقدما لهم تحية حارة، وهي رد فعل عفوي من اللاعب الذي دأبت جماهيره على استقبال نزوله إلى الملعب بتحية وتشجيع حارّين.
اختلاف
مشجعو النصر منقسمون
بعد نهاية مباراة النصر وضيفه الشارقة، وبينما كان اللاعبون في طريقهم إلى غرف تبديل الملابس، انقسم مشجعو النصر إلى فريقين، فراح أنصار الفريق الأول يصفقون للاعبيهم ويحيونهم بالاسم فردا فردا، ويقولون لهم: «ما عليكم راضين»، بينما كان للفريق الآخر موقف يتناقض تماما مع موقف الطرف الأول، حيث علت أصوات تنكر على أنغوس تغييره لسالم خميس، وتحميل اللاعبين مسؤولية الهزيمة، وتتهمهم بالتقصير، وتطالب باتخاذ إجراءات تصحح الموقف، وقد بدا عناصر الفريق الثاني في حالة غضب وهياج شديدين في المدرجات.
أنغوس «المتألم»: «حرام» أن نخسر هكذا مباراة
قال البرتغالي كاجودا مدرب الشارقة: كنت أعتبرها قبل أن تبدأ مباراة في غاية الأهمية بالنسبة لنا، رغم أن فريقنا يمر بمشاكل كثيرة، ولكن جاء الانتصار ليتغلب على ظروفنا. وتابع: كانت نتيجة المباراة هي شغلنا الشاغل، ولم نلتفت إلى الأداء كثيرا، لأن النقاط فقط هي التي كنا نبحث عنها، لأننا كنا مسكونين بهاجس التقدم في الترتيب. وزاد: لا أملك مقومات الفوز باللقب، ولكنني أملك روح الكفاح العالية في كل مباراة ألعبها.
واعترف كاجودا أنه واجه مشاكل في اختيار التشكيل، وقال: كنت أعرف أن بعض اللاعبين لا يستطيعون أن يقدموا أكثر من ثلاثين دقيقة في المباراة، وكانت مفاجأتي سارة عندما شاهدتهم وهم يتغلبون على أنفسهم ويقدموا مجهودا مضاعفا. وواصل مدرب الشارقة كيل المديح للاعبيه، قائلا: لاعبونا كانوا عمالقة حقيقيين، وقد حققنا هدفنا رغم أن البدائل لدينا كانت معدومة. وتحدث عن النصر: شاهدتهم ثلاث مرات، وأعتقد أنهم يمتلكون أفضل مما يقدمون حاليا في أرض الملعب.
ومن جهته، قال البرازيلي هيليو أنغوس مدرب النصر إن فريقه لعب في الشوط الأول بطريقة سيئة جدا، ومنح خصمه فرصا عدة، ثم جاء هدف شرقاوي غير متوقع من فرصة وحيدة فسبب لنا بعض المتاعب، لكن مستوانا سرعان ما تحسن. وتابع: وفي الشوط الثاني كانت الأمور بالنسبة لنا أفضل، واستطعنا الوصول مرارا إلى منطقتهم، لكن المشكلة التي واجهناها أن لعبنا تركز في العمق ولم يتمتع بالتنوع المطلوب.
وانتقد مدرب النصر ظاهرة السقوط المتكرر للاعبين في الدوري بالقول: القوانين واللوائح التي وضعها الفيفا واضحة والهدف منها إبقاء اللعب مستمرا لأطول فترة ممكنة من دون إضاعة وقت، وما يحصل في الدوري يضر كثيرا بكرة القدم. وحول سؤال ل«البيان الرياضي» إذا ما تسرب إليه شيء من الإحباط بعد هذه الخسارة، قال: شعرت بألم شديد من هذه الهزيمة، وأعتقد أن مثل هذه المباريات لا يجب أن نخسرها.
جهاد عدلة



