وقعت الهزيمة الخامسة على التوالي التي تعرض لها فريق دبي على ملعبه أمس الأول أمام الوحدة وبخمسة أهداف بيضاء، كالصاعقة على هذا النادي الفتي.

ولم تكن الهزيمة في النتيجة فقط، بل في الأداء الذي صبّ شكلا ومضمونا في مصلحة الضيوف، في حين كان «أسود دبي» بلا مخالب ولا أنياب، ومجردين من كل أسباب القوة. ولم تكن مجريات اللعب، وحركة اللاعبين في الملعب تحتاج إلى عناء كبير من أجل الوصول إلى النتيجة التي لا مفرّ منها وهي أن لاعبي دبي كانوا قريبين من حالة الانهيار النفسي بسبب تردي النتائج، وعدم حل سريع في الأفق. وربما يكون من عجائب كرة القدم أن يلعب فريق لأكثر من خمس وتسعين دقيقة دون أن يفلح في الوصول ولو لمرة واحدة إلى خصمه. نعم وقعت هذه الواقعة في دوري اتصالات للمحترفين، وبطلها فريق دبي الذي لم يزر مرمى الوحدة طوال زمن المباراة، وكان المستفيد الأكبر من هذا الأمر هو حارس مرمى الوحدة علي الحوسني الذي جلس متفرجا ومتابعا لهجمات فريقه أكثر مما فعلت جماهيره، فالأخيرون كانوا يستشيطون غضبا عندما يقع أحد عناصر فريقهم، أو عندما يرون أن الحكم قد قصّر في إطلاق صافرة معينة، أما حارس الوحدة فقد جلس يتابع المباراة لوحده بلا أنيس ولا سامر، حتى كادت أطرافه «تتجمد» من شدة برودة أجواء منطقته.

ولم تنفع محاولات مدرب دبي المصري أيمن الرمادي اليائسة، عندما عمد إلى إجراء تغييرين في وقت واحد وفي مرحلة باكرة نسبيا من اللقاء، في ضخ أي شيء من دماء الحياة في عروق الفريق الذي بدا منهارا من الناحية النفسية، ويفتقد إلى حس المبادرة، كما لو أنه عرف للتوّ خبر هبوطه إلى دوري الهواة. وصحيح أن دبي لعب بمحترف واحد، لكن الواقع في الملعب كان أكثر من مجرد محترف أو اثنين أو ثلاثة، لأن فارق الإمكانات الفردية والجماعية بين الفريقين كان فيه من البون ما يغني عن أي كلمة، وقد شعر كثير من المتابعين أن الوحدة كان يخوض مباراة إعدادية للقائه المقبل في الجولة السادسة من الدوري أمام النصر على ملعبه. وقد أظهر العنابي في اللقاء قدرة على تنويع أساليب لعبه، فقد سجل بطرق متنوعة، فمرة من كرة عرضية، وأخرى من العمق، وثالثة من تسديدة، ورابعة من جملة تكتيكية تناقلها لاعبون عدة قبل أن ترتاح الكرة في شباك دبي. وجاء أداؤه وأهدافه الخمسة كسيل عرم أغرق لاعبي دبي في مزيد الظلام، وإذا لم يستطع أن يقتبس الفريق المفجوع على أرضه من نور الانتصارات، فإن مصيره يتجه نحو المجهول.

الرمادي يحبس أحزانه في المؤتمر الصحافي... كان المشهد أشبه بتراجيديا مأساوية عندما دخل المصري أيمن الرمادي إلى قاعة المؤتمرات الصحافية ليدلي بتصريحاته عقب نهاية مباراة فريقه مع الوحدة والتي فجع فيها الفريق بخمسة أهداف زاد فيها أنينه. وعلى الرغم من الجهد الجبار الذي بذله الرمادي لكي يظهر متماسكا أمام رجال الصحافة والإعلام، وذلك عندما دخل منتصب القامة، وباغت الجميع بالقول بصوت مرتفع وحاد: «أنا أعلن للجميع أنني أتحمل المسؤولية كاملة عن الهزيمة»، على الرغم من كل ذلك، إلا أن لغة العيون كانت أفصح من إيماءات الرمادي، وبلاغتها في التعبير سبقت لسانه، فالحزن والإحباط والانكسار كانوا أكبر من أن يستطيع الرجل أن يخفيه وراء وجهه الباهت، لكن يحسب للرجل الودود أنه اجتهد في حبس أحزانه، وأنه كان واسع الصدر حسن الخلق في تلقي سيل الأسئلة التي صبّت على رأسه صبا ومن كل الاتجاهات، رغم أن بعض هذه الأسئلة كانت تحمل في طياتها إيحاءات ذات طبيعة استفزازية، وهذا يحسب لهذا المدرب الذي تعرجت تجربته في الدوري الإماراتي بين النجاح في كثير من المراحل، والتعثر في قليل منها.

ولأن «مسلسل» إعلان المدرب مسؤوليته عن الهزيمة تكرر مرارا، فقد كان من الضرورات المهنية العمل على «تفكيك» هذه الجملة التي صمدت طوال هذه الأسابيع دون أن تعطي أية توضيحات حول طبيعة هذه المسؤولية، ولذلك بادر «البيان الرياضي» إلى سؤال المدرب: ما هي طبيعة مسؤوليتك؟ هل في اختيار التشكيل، أم في وضع التكتيك والخطة المناسبين للخصم؟

اللاعبون ليس لهم دخل

وبشيء من التردد المتوقع، أجاب المدرب: في كل شيء، قبل أن يتراجع عن بعض أقواله ويقول: لا التشكيل مناسب، فاللاعبون ليس لهم دخل، وهم قاموا بما عليهم، ولكن المشكلة في مسؤوليتي أنا. إلا أنه عاد وأفصح عما يعتمل في نفسه، ومن حيث لا يقصد، عندما قال: المشكلة أننا لم نؤد بحيوية كاملة، ولا شك أن الحيوية هنا تعود على اللاعبين، وليست على المدرب الذي جلس في مقاعد البدلاء بعد أن وضع الخطة.

وفي محاولة منه لاحتواء لاعبيه، وكسبهم، وإبعادهم عن توتر، خاطب عناصر فريقه، وخصوصا صغار السن منهم، قائلا: الخسارة بالخمسة لا تعني الكارثة، فقد خسر عجمان بالثمانية وقدم أداء مشرفا في مباريات أخرى، وخسرت فرق أخرى بنتائج كبيرة ولكنها واصلت عملها. وقال الرمادي: النتيجة بلا شك قاسية جدا، وتحتاج إلى علاج عاجل وسريع، ولكننا رغم قسوتها لن نستسلم أو نسلم.

ونفى مدرب دبي أن يكون هناك انهيار نفسي لدى لاعبيه بفعل الهزائم المتتالية والنتائج الكبيرة التي يعرضون لها، معلّلا قوله بأن كثيرا من اللاعبين أعمارهم تحت عشرين سنة، وبالتالي فهم غير مطالبين بمسؤوليات ضخمة!

وفي محاولة للدفاع عن نفسه وسمعته كمدرب قال: إذا كنت قد أخفقت في مباراة أو اثنتين، فإنني سبق لي وأن نجحت لسنين في الدوري الإماراتي، وأنا أعمل حاليا في نادي دبي الذي هو ناديي، وسيبقى كذلك.

أما مدرب الوحدة البرازيلي تيتي فقد أظهر احتراما يفوق العادة لخصمه على صعيدين: في الملعب، وفي المؤتمر الصحافي، وخصوصا عندما استدرج للحديث عن مستوى خصمه، فقال: لا أستطيع أن أتحدث عن الخصم، وأكتفي بالحديث عن فريقي، وعلى الرغم من النتيجة، إلا أنني أحترم دبي وأقدره كفريق مهما كانت نتائجه.

غياب بعض اللاعبين

وقال: افتقدت إلى بعض اللاعبين، ولكنني لا أعير كثيرا من الأهمية لموضوع الغيابات، لأن الفريقين يضم كل منهما أحد عشر لاعبا، وبالتالي ستكون المواجهة بينهم.

ورغم الفوز والتحسن المضطرد في أداء الفريق، إلا أن تيتي أوضح أن مجموعته بحاجة إلى مزيد من التدريب المستمر، وأنه سيعمل على أن يحتفظ فريقه بذهنية الفوز، وصولا إلى المكانة التي تليق بنادي الوحدة، لافتا إلى أنه يضع لكل مباراة حساباتها الخاصة المستقلة عن المباراة التي تسبقها.

وتطرق في رده على أحد الأسئلة إلى قضية لاعبي المنتخب الأولمبي، قائلا: أنا أدعم وأؤيد بقاء لاعبي المنتخب مع فريقهم، ولكن في النهاية فإن الأمر متروك للاعبين أنفسهم، فهم الأقدر على تحديد المصلحة، وهم أصحاب القرار في هذا الشأن.

واعتبر تيتي أن أحد أهم أسباب الفوز هو وضع نظام متوازن للفريق خلال المباراة بين الدفاع والهجوم، ونجاح اللاعبين في تطبيق هذا النظام.

ذكريات

الدقيقة 84 تعود بفهد مسعود إلى الزمن الجميل

عاش لاعب الوحدة والمنتخب الوطني فهد مسعود لحظات سعيدة للغاية خلال المباراة. وبدأت هذه السعادة من اللحظة التي دخل فيها المعلب كبديل لزميله هوجو، وهي اللحظة التي تلقى تحية وتشجيعاً سخيين للغاية من قبل جماهير الوحدة التي زحفت بالمئات من أبوظبي إلى العوير في دبي. وهي اللحظات التي ذكرته بالزمن الجميل عندما كان أحد المتربعين على قلوب الوحداويين. غير أن أكثر لحظات السعادة التي عاشها في المباراة توهجا جاءت في الدقيقة 84 عندما سجل هدفا من تسديدة بعيدة وصاروخية لم يستطع جمال عبد الله حارس مرمى دبي أن يتعامل معها إلا «بالفرجة» والمتابعة لها وهي تدخل الشباك.

وعلى الرغم من أن الهدف كان الخامس في الترتيب، وجاء في الدقائق الأخيرة وبعد أن ضمن الوحدة الفوز، إلا أن فرحة مسعود كانت كبيرة للغاية، وعبر عنها بطريقة كما لو أنه سجل هدف الانتصار لفريق في الدقيقة القاتلة، وفي مباراة مصيرية، وهي في النهاية فرحة مبررة للاعب قدير يعمل جاهدا على استعادة الزمن الجميل بعد فترة اختفاء دفعت الكثيرين إلى البحث عنه وعن أدائه الراقي.

رغبة

نهم الأهداف ينال من صالح

صحيح أن مدير فريق الوحدة المخضرم عبد الله صالح معروف بحركته الدؤوبة، وبأنه ذلك الإداري الذي لا يهدأ، وبأنه ذلك الإداري الذي تتوارى لديه ـ أحيانا ـ الإجابات خلف مرارة الهزيمة، إلا أن صالح كان في مباراة فريقه أمس الأول أمام دبي شديد الحماس، وكم مرة شاهدناها وهو يغادر مقعده بانفعال وحماس شديدين تفاعلا مع هذه الهجمة المهدرة، أو تلك التسديدة الضائعة، ورغم أن فريقه حقق نتيجة كبيرة أمس الأول، إلا أن النهم إلى الأهداف أخذ منه كل مأخذ، لدرجة جعلته «يركل» الهواء حسرة على هدف ضائع.

جهاد عدلة