نتواصل للعام الثاني على التوالي ونتناول هذا العمل التوثيقي الوطني والذي كان لي شرف الفوز بجائزة الصحافة العربية لأول مرة في أول مشاركة لي تحت عنوان «كانت أيام»، ومما يعزز من قيمة الجائزة الدعم الشخصي لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي رعاه الله لجائزة الصحافة العربية ودورها في الارتقاء بدور أصحاب القلم، إيمانا من سموه بأهمية الكلمة في الرقي بأفراد المجتمع..
وهو العمل الذي كان محل إشادة أعضاء لجنة التحكيم والإشادة الكبيرة من قبل مجلس الأمناء، فالفوز هو الأول من نوعه على مستوى الصحافة الوطنية وهو فخر واعتزاز نتوقف عنده.. واليوم نبدأ رحلة جديدة من عالم أيام زمان عبر صفحات البيان طوال الشهر الكريم للعام الثاني على التوالي بعد أن حققت التجربة نجاحا كبيرا لأنه يخلد تجربة مهمة من مسيرة الرياضة الإماراتية وكرة القدم على وجه الخصوص.ونقول انه عندما تتحول الذكريات الرياضية إلى سطور وصور مضيئة فهي تؤكد أننا نؤمن بأنه ما زال للوفاء بقية وما زال الرابط قوياً بين الماضي والحاضر ولهذا كانت هي أهم الدوافع التي دفعتني بتبني هذا المشروع الوطني القيم والذي وجد صدى طيبا من العديد من المؤسسات الوطنية الرسمية والأهلية بالدولة .
وتقديراً منا كصحافة نعتبرها مرآة حقيقية لأي مجتمع، وللدور الذي لعبه الأوائل من الرياضيين من أبناء الوطن واعتزازاً منا لما قدموه في سبيل النهوض بالرياضة والرياضيين، حتى وصلنا إلى ما آل إليه اليوم من عطاء مادي ومعنوي لهؤلاء على سنوات عشقهم وولائهم للأخذ بيد اللبنة الأولى الني نعتبرها الأساس وبداية الانطلاقة، واعتباراً من اليوم سنخصص هذه المساحة للعودة إلى الوراء لتقديم ما توصلنا إليه من جهد من معلومات و حوارات ميدانية وأي شيء عن هؤلاء الرياضيين لنذكر الجيل الجديد بهم ولنذكرهم بذكرياتهم العزيزة على قلوبهم.
وكما عودناكم دائما على الاهتمام بالقدامى لتكون مادة صحفية خفيفة عليكم ومقبولة تستمتعون بها طوال الشهر الكريم معايشة لرجال مخلصين سنظل نذكرهم بالتقدير والعرفان .
كل إمارات الخليج عرفت كرة القدم عن طريق البحر سواء من بواخر الأسطول الإنجليزي أو سفنه التجارية أو عن طريق بعض العائدين من أبناء الخليج من الأسفار خاصة من الهند التي عرفت الكرة؟ فهي المرجع الرئيسي وبالأخص أبناء المنطقة العائدين من رحلات الغوص والتجارة؟ وبعد ذلك انتشرت فيها عن طريق الاحتلال البريطاني..
وقد عرفنا كرة القدم عن طريق القواعد البحرية الإنجليزية في هذه المنطقة ولكن الكرة لم تأخذ الطابع النظامي إلا مؤخراً.. وإن ظلت تمارس أكثر من 50 سنة بطريقة بدائية.. بأي عدد من اللاعبين ومن دون محكم أو مصفر كما كانوا يطلقون عليه.. كذلك من دون عارضة وقوائم.. وكان يكفي بدلاً عنها حجران..
ولكنها لم تظل على هذا الحال في كل هذه الإمارات.. وإن كان هناك مؤشرات تؤكد من بعض القدامى بأننا عرفنا الكرة في فترة عام 1927 واليوم نكشف المفاجأة السارة التي طالما انتظرناه جميعاً لأننا نعتبر ذلك حقاً تاريخياً ومفخرة للعائلة التي نتناول سيرتها الرياضية على مدى اليومين المتتاليين عبر العمل الوثائقي الذي أمامكم خلال هذا الشهر الفضيل بعنوان «كانت أيام».
تغييرات كبيرة
منذ عدة سنوات وبعد التحري والمتابعة وجدنا تغييرات كبيرة من أجل معرفة بعض التفاصيل بصورتها النهائية وقد سعينا جاهدين للإلمام بشكل محدد بهذه القضية المهمة في رأيي وهي بالفعل قضية بكل معنى الكلمة ـ لافتقادنا للإحصائيات الدقيقة والمعلومات عن ماضينا الرياضي.
وهذه أزمة لا بد أن نجد لها الحل قريباً حتى لا ندوخ ونتعب في المحاولة ليس إلا من منطلق حرصنا واهتمامنا بتاريخنا الرياضي المفقود أن نعطي لهذا الموضوع أهمية كبيرة حتى نستطيع ان نحافظ على تاريخ رياضتنا في ظل الدعم والاهتمام الكبير الذي توليه جهاتنا الحكومية لقطاع الشباب والرياضة فلابد من وضع أولوية خاصة لمشكلة المعلومات والإحصائيات فلا يعقل ألا تكون لدينا معلومات ونبذة تاريخية عن مسيرة الكرة الإماراتية في ظل التطورات الهائلة التي يشهدها العالم من برامج وتقنية عالية في شبكة المعلومات التي تحفظ هذه البيانات الشخصية والعامة؟
لأن الرياضة الإماراتية تفتقد هذا الجانب؟ وعلى الأقل نحافظ على بعض مكتسباتنا لتكون دافعاً للأجيال القادمة الذي سيكون معكم دائماً طوال الشهر الكريم سنكشف فيه المزيد من الذكريات والقصص التي تروى لأول مرة وننشر صوراً لم تنشر وهي صور نادرة وتاريخية بمعنى الكلمة.
تجربة جديدة
نبدأ بتجربة جديدة حرصاً مني على توثيق الرياضة الإماراتية وكرة القدم على وجه الخصوص كعرض توثيقي لمسيرة لعبة كرة القدم منذ فترة الأربعينات حيث تعود بعض الروايات إلى ان اللعبة دخلت الدولة كما قال لي عبر اللقاءات الميدانية عام 1928، كما هو في المقدمة لسلسلة هذه المقالات الصحافية واختلفت الروايات والهدف واحد وهو ضرورة أن نوثق ما قدمه رجالنا الرواد عبر عبق الماضي..
وباختصار أقول ان مثل هذا العمل له نوعية خاصة وانطلاقاً من أهمية التواصل بين الأجيال للإطلاع على الرجال المخلصين الأوائل الذين خدموا القطاع الرياضي والكرة خاصة كونها اللعبة الأولى التي عرفتها المنطقة حفروا في الصخور.
ما زلنا نبحث ونتواصل حول هذا البحث الميداني من أجل معرفة من هو أول من أدخل كرة القدم في البلاد ؟ وإيماناً بأهمية هذا التوثيق الرياضي عامة والكروي خاصة على اعتبار إن هذه اللعبة الأكثر شعبية، حرصت بأن ألتقي مع العديد من الرياضيين القدامى.
ومن الذين عاصروا تلك الفترة القديمة، وتوصّلنا إلى أن أول من أحضر كرة القدم هو محمد عبدالرزاق البستكي عام 1928 ميلادي، وتبقى عائلة البستكي التي تتمتع بحصولها على شهادات الدكتوراه حيث جميعهم حصلوا على شهادات عليا في مجالات مختلفة ومن أرقى الجامعات العالمية.
السفر الي الهند
حيث يقول نجله الدكتور عيسى إنه وبعد انتهاء موسم الغوص في المنطقة سافر والدي رحمة الله عليه إلى الهند حيث كان من عادة جدّي السفر إلى الهند كل عام لبيع حصيلته من اللؤلؤ بعد انتهاء كل موسم في الخليج، حيث يظل الآباء والأجداد ما بين شهر أو أكثر قبل أن تتحرك السفينة من الهند إلى دبي وبالعكس. وفي هذه الفترة يقول الدكتور عيسى بستكي إن والده شهد أثناء مروره بالسوق مع جدّي كرات قدم معلقة في أحد متاجر السوق بالهند؟
فوقف والدي وجدّي وطلبا أن يحضرا هذه الكرات إلى البلاد لأنه كان متشوقاً لمعرفة اللعبة التي كانت تسمى «فوت بول»، حيث كانت العديد من الشخصيات الأجنبية كالبريطانية والهندية متواجدة في المنطقة يذكرونها بهذه التسمية ومن خلال بعض أقاربنا القادمين من البحرين والذين لعبوا كرة القدم قبلنا ما يقارب عشرين سنة، قام جدي بشراء الكرة بخمس روبيات؟
وأخذها والدي وهو بمنتهى السعادة، فعاد بها إلى دبي بعد تلك الرحلة وفور وصولهما أطلع والدي أصحابه في المنطقة وقال لهم ان هذه هي الكرة التي يطلقون عليها «الفوت بول» وقام والدي وأصحابه ببناء العوارض .
وهي عبارة عن مرمى ولكن بطبيعة الحال لم يعرفوا قوانين اللعبة فاتفقوا على أن كل واحد من الموجودين في الساحة يجري خلف الكرة ومن يحصل عليها ويسجل بها هدفاً يحسب له، حيث كان والدي ورفقاؤه يجرون خلف الكرة من دون معرفتهم بالأنظمة أو اللوائح إلى أن جاءهم شخص من البحرين يسمى عباس العظب والذي بدأ يعلمهم بعض التقسيمات وقوانين اللعبة، وكان العظب لاعباً ماهراً في تلك الفترة.
وبدأنا نشعر بأننا نلعب حسب بعض القوانين وتم تقسيم المجموعة بشكل فريقين وكان والدي وزملاؤه يتحدون فيما بينهم من أجل انتهاء اللعب بعد الانتهاء من العمل في المحلات التي كانوا يمتلكونها، وحيث كنّا نمارس اللعب بعد صلاة الظهر مباشرة وكنا نلعب لغاية ما قبل صلاة المغرب في كل يوم.
ويقول الدكتور عيسى بستكي الحائز على جائزة الإمارات التقديرية للعلوم وهو أيضاً عضو مجلس إدارة الندوة والثقافة والفنون بدبي ورئيس النادي العلمي وهو النجل الثالث للبستكي والحاصل على دكتوراه في مجال نظم الاتصالات من جامعة كاليفورنيا .
وأيضاً استاذ تدريس في جامعة الإمارات ورئيس معهد المهندسين بجانب العديد من المناصب التي تولاها، بأنه استمع من والده قبل وفاته العام الماضي بأن المجموعة التي لعب بها رفقاؤه بالكرة التي أحضروها من الهند في منطقة البتسكية.
حيث يتذكرهم أمثال محمد عبدالرحيم كاظم وعبدالله نظري، وكذلك التحق بالفريق بعد شباب فريج «البستكية» و«البحارنة» وأيضاً انضم شباب آخرون من «الشندغة» و«الرأس» أحمد محمد بدري والذي يعد من المؤسسين لفريق «شباب البستكية» بجانب خليل إبراهيم الفردان ومحمد هادي بدري ومحمد صالح كاظم ومحمد عقيل بدري؟
ويواصل الدكتور عيسى بأن والده قال انهم يتجمعون في بيت صغير يملكه عبدالهادي كاظم وهو قريب في نفس منطقتهم ويعرف ببيت «أحمد آخوند»، حيث كان يعيش منفرداً بمنزله وكان بمثابة مقر للفريق.
ويواصل الدكتور عيسى ان الملعب أو الساحة الرملية التي كانوا يمارسون فيها اللعبة تصل من منطقة البستكية إلى مناطق قرب شاطئ البحر، وهناك كان أيضاً بيت الشيخ محمد شريف العلماء.
أيام زمان
رحلات الغوص والتجارة عبر هذه المراكب ساهمت في نقل وتبادل الخبرات
ساحة ملعب ثانوية دبي في بداية الستينات


