احد أبرز حراس المرمى الإماراتيين سعيد صلبوخ يقال بانه بدأ مهاجماً وعلى لسانه يقول بدأت لعب الكرة ـ التي أعشقها ـ في عام 1970 بمدرسة عمر بن الخطاب القريبة من السكن في فريج المرر الجديد.

وحول مسألة تحوله من مهاجم إلى حارس مرمى فلها قصة أخرى يرويها لنا بو سالم حيث كان المدرس يحيى شعيب هو مشرف الرياضة في المدرسة، الذي تعلمنا منه طرق لعب كرة القدم، بعد ذلك لعبت كرة القدم مع مجموعة الشباب في الحي. حيث كان في تلك الفترة يتم إقامة مسابقات ترفيهية وترويحية في كرة القدم. فكرت تلك المجموعة في فريج المرر الجديد أن نكون فريقاً في الحي ونسميه (دبي) لأن دبي هي دائماً في قلوبنا. وقررنا أن يكون لنا ملعب خاص بنا على أرض (سبخة) مثل باقي الفرق كالوحدة والشباب والنصر والنجاح وباقي تلك الفرق، حيث كنا نلعب الكرة على ملعب رملي بالقرب من مصلى العيد مقابل مسجد الشيخة لطيفة.

أقمنا الملعب الخاص بنا في منطقة الممزر بعد الوحيدة، وهي أرض سبخة، وهو نفس المكان الذي شُيّد فيه نادي الشباب الحالي. كنا نقطع المسافة من فريج المرر إلى الممزر يومياً مشياً على الأقدام مروراً بالبراحة، أبو هيل، الحمرية والوحيدة.كانت تلك المجموعة تضم: محمد عبدالله المري الذي كان يلعب حارس مرمى، وعبيد حسن واللواء راشد المزروعي وغانم المري وأحمد المري (يرحمه الله) ودرويش عيسى ومحمد حسن بو جبرة وخالد بو فارس وسالم سعيد.كما سبق وقلت أنني بدأت ألعب كمهاجم في فريق دبي منذ العام 1971، وحدث أن تعرضت لإصابة في قدمي منعتي من ممارسة كرة القدم. كنت أذهب مع تلك المجموعة إلى مكان التدريب في الممزر، وكنت لا أستطيع أن ألعب، لذا أذهب معهم وأقف خارج الملعب أشاهدهم يلعبون لحبي الشديد لكرة القدم (لاعباً ومتفرجاً).

طلب مني المدرس محفوظ النجار الذي كان يشرف على تدريبنا في فريق دبي أن أقوم بحراسة أحد المرميين لأكمل النقص بعد تقسيم المجموعة إلى فريقين. بالفعل شاركت معهم حارس مرمى، وكنت أقوم بصد الكرات التي تصلني يميناً ويساراً بصورة ممتازة.

لاحظ المدرب قدراتي في حراسة المرمى وقال لي: يا سعيد أنت خلاص لن تلعب داخل الملعب، يجب عليك أن تلعب كحارس مرمى، ويمكنك أن تصبح حارس مرمى ممتازا بالقليل من التدريبات. قلت له: حارس مرمى، هذه وظيفة صعبة جداً، تتطلب أن يرتمي الحارس أرضاً على الكرات التي تصله ليستلمها أو يصدها بعيداً عن المرمى. ومنذ ذلك اليوم بدأت أطور مهاراتي في حراسة المرمى.

في العام 1974 طرأت فكرة دمج فريق دبي وفريق العربي في نادي الشباب.

في إحدى المباريات التي جمعت الشباب والأهلي في الدوري، حدثت مشكلة بين لاعب الشباب المرحوم أحمد المري وأحد لاعبي الأهلي. فأصدر الاتحاد قراراً بأن يهبط الشباب إلى دوري الدرجة الثانية. تقدمنا باحتجاج حول هذا القرار، لكن تم تنفيذه.

بالفعل لعبنا مع أندية الدرجة الثانية، وتمكنا في نفس العام من الفوز بجميع المباريات التي لعبناها، ولم نخسر أو نتعادل في أي مباراة، وصعدنا ثانية إلى دوري الدرجة الأولى. كنت في تلك الفترة الحارس الأول لنادي الشباب.

نادي الشباب هو المكان الذي ترعرعت فيه. أنا أعتبر أنني قدمت للمنتخبات أكثر مما قدمت لنادي الشباب. فقد شاركت وأنا طالب في المنتخب المدرسي، ثم المنتخب الوطني الأول، والمنتخب العسكري، ومنتخب الشرطة، وبعد انتقالي للعمل في وزارة المالية أيضاً مثلت فريق الوزارة في دوري المؤسسات. هذه المشاركات مع المنتخبات جعلتني في سفر دائم معها.

أعتز كثيراً بأنني أحد الذين شاركوا في إحراز كأس رئيس الدولة لنادي الشباب في موسم 1980/1981 بعد أن فزنا على العين 3/1 على ملعب مدينة زايد الرياضية في أبوظبي.

تم اختياري لقائمة المنتخب الوطني الأول لكرة القدم لأول مرة في عام 1975 للمشاركة في كأس فلسطين الذي أقيم في تونس. تشجعت لهذا الاختيار بشكل كبير، إذ أن المشاركة ضمن قائمة المنتخب الوطني هي وسام على الصدر.

أقمنا معسكراً إعدادياً في يوغسلافيا استعداداً لهذه المشاركة بقيادة المدرب (تاتيتش). كان الحارس الأساسي للمنتخب هو الحارس العملاق إبراهيم رضا الذي شجعنا كثيراً وقدم لنا الكثير من النصائح.

في العام 1976 شاركت ضمن منتخبنا الوطني في بطولة كأس الخليج الرابعة في العاصمة القطرية الدوحة. ولعبت مباراة الإمارات وعُمان التي انتهت بالتعادل بهدف لكل.

لظروف الدراسة لم أشارك في دورة الخليج بالعراق

استعداداً للمشاركة في دورية الخليج الخامسة في العاصمة العراقية بغداد أقام منتخبنا الوطني معسكراً إعدادياً في هولندا بقيادة المدرب دون ريفي، الذي استدعاني ضمن اللاعبين المختارين للمنتخب الوطني.

أكملنا إعدادنا بصورة طيبة وكنا متحمسين للدفاع عن سمعة الكرة الإماراتية. بعد العودة من المعسكر ذهبت إلى المدرسة التي أتلقى فيها تعليمي، فوجدت أن نتائجي غير جيدة، لأنني أهملت الجانب الدراسي، فتوجهت إلى القائمين على أمر المنتخب، وتحديداً إلى الكابتن جمعة غريب المسؤول عن المنتخب شارحاً له ظروفي الدراسية، فقال لي: هذا أمر لا يخصنا ولا يعنينا. ونفس الرد تلقيته من إدارة المدرسة. فقررت الاعتذار عن السفر مع المنتخب إلى العراق.

عقب تلك التصفيات تم إعفاء المدرب دون ريفي من الإشراف على منتخبنا الوطني، وجاء بدلاً عنه المدرب حشمت مهاجراني. سافرنا إلى إسبانيا في رمضان لإقامة معسكر استعداداً لنهائيات كأس آسيا التاسعة للأمم في الكويت في سبتمبر 1980.

في ذلك الوقت تولّد لديّ اعتزاز كبير بالمشاركة في صفوف منتخبنا الوطني وتولدت الرغبة بأن أقدم الكثير لمنتخب بلادي وقررنا نحن كمجموعة لاعبين أن نوقف الهزائم السابقة التي كان يتعرض لها منتخبنا من فرق الخليج التي كانت تصل إلى سبعة وثمانية أهداف.

كثيراً ما تحدث معي المدرب مهاجراني ـ كان معسكرنا في شهر رمضان المعظم ـ ويقول لي: يا صلبوخ نحن نريد أن نوقف تلك الهزائم الثقيلة. كنت أستغرب أنه يحدثني أنا فقط ولا يوجه حديثه هذا للباقين. وأردف قائلاً: سأتحدث مع باقي اللاعبين عقب وصولنا لمطار الكويت، لأننا لا نود أن نخسر بسبعة أهداف، بل نريد أن نفوز على تلك المنتخبات.

في مطار الكويت قال أحد موظفي المطار للمدرب مهاجراني: سنهزم فريقكم. فرد عليه المدرب قائلاً: قد تهزموننا، لكن لن تتمكنوا من هزيمتنا بسبعة أهداف.

في دورة الخليج السادسة في أبوظبي عام 1982 وقبل المباراة الأولى لمنتخبنا مع شقيقه القطري التي أقيمت في يوم الجمعة، علمنا أن المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان (طيب الله ثراه) طلب مقابلتنا صباح يوم المباراة في قصره.

في القصر رحب بنا المغفور له الشيخ زايد، وقام بتقديم النصائح لنا ووجهنا قائلاً: (يا شباب هذه المباراة ستقام على أرض بلدكم، وستلاعبون منتخبات أخرى شقيقة، وهم ضيوفكم، ، أطلب منكم أن يكون لعبكم نظيفاً من دون شغب، وشدوا حيلكم) وكلمات أخرى كلها حكم ونصائح. وحديثه هذا كان يُثلج الصدر.

بعد أن انتهت المقابلة مع المغفور له، ونحن في طريقنا إلى ركوب الباص، سمعت صوتاً ينادي (صلبوخ تعال). رجعت ووجدت المغفور له وبجانبه صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة (حفظه الله) وباقي سمو الشيوخ الموجودين في تلك اللحظة، قال لي المغفور له: (اليوم أنت بتلعب قولي) قلت له: بإذن الله طال عمرك.

قال: (شد حيلك اليوم وأريدك أنت وزملاؤك أن تبيضوا الوجه). قلت له: بإذن الله سنظهر بصورة مشرفة). قال لي: (الحين إتوكل على الله. واقرأ سورة يس).

في الفندق كانت كلماته ما زال صداها في أذني، ومسألة أن الحضور سيكون كبيراً في المباراة وأن المسؤولية كبيرة لم أتمكن من أكل الطعام، لأن همي كان في إسعاد جماهير الإمارات وأن نرفع رأسهم ورأسنا عالياً.

بعد دخولنا الملعب ولحظة السلام الوطني لدولة الإمارات العربية المتحدة كنت أشاهد الجماهير ملأت ملعب المباراة، كان ينتابني شعور غريب.

كان كل همي قبل بدء المباراة أن أتعرف على لاعبي المنتخب القطري خصوصاً المهاجمين منهم لعمل الاحتياطات اللازمة، وهم كانوا قادمين من مشاركة لهم في كأس العالم للشباب في ألمانيا.

كان المنتخب القطري يضم منصور وعلي زيد وخالد بلال وخالد سلمان وبدر بلال ومنصور مفتاح. لكن كان تركيزي أكثر على خالد سلمان (العائد من مشاركة في كأس العالم للشباب) يليه الكابتن منصور مفتاح.

تعرضنا في بداية المباراة لهجوم ضاغط من المنتخب القطري، تمكنا بحمد الله من إيقافه. وانتهت المباراة بفوزنا بهدف نظيف سجله النجم (فهد خميس).

تعرضت لاصابة في المباراة الثانية أمام المنتخب السعودي في لعبة مشتركة مع المهاجم السعودي ماجد عبدالله. حضر تلك المباراة صاحب السمو الشيخ خليفة (الذي كان يحضر مباريات تلك الدورة ليشجعنا على البذل والعطاء) حيث حرص على متابعة مباريات الدورة.

في تلك المباراة كنا نعلم أن المنتخب السعودي منتخب لا يُستهان به، فهو منتخب قوي، وكنت على علم بنقاط القوة فيهم، كان على رأسهم ماجد عبدالله الذي يلعب بقدميه الاثنتين مثل الكويتي جاسم يعقوب.

أثناء المباريات كانت كلما تصل الكرة إلى ماجد ويقوم بالالتفاف حول نفسه، أعرف أنه يحاول الانفراد بالمرمى، كنت أقوم بعملية (دايفنق) أي الارتماء على الأرض لقطع الكرة من أمامه. في إحدى الهجمات ارتميت على الأرض لأقطع الكرة منه، وعندما أراد أن يصوب الكرة، أخطأها وصوب بقدمه على رأسي بـ (البوز) مقدمة الحذاء. بعدها أحسست أنني فقدت السيطرة على نفسي، وبدأت أرى الأرض تلف وأشاهد أشياء كالنجوم من أثر الإصابة ولم أتمكن من النهوض من الأرض.

سألوني زملائي قائلين (شو) قلت لهم اتركوني قليلاً أستجمع قواي وأتوازن. وقالوا لي: (لا تخرج من الملعب). كنت أعلم أنني إذا خرجت من الملعب ودخل بدلاً عني زميلي الحارس الاحتياطي لن يكون في حالة نفسية جيدة.

أكملت الشوط الأول. في فترة الاستراحة بين الشوطين قلت للجهاز الفني واللاعبين: الألم بدأ يزداد وأحس أنني سأسقط على الأرض. جاءني زميلي في المنتخب الكابتن أحمد عيسى مدير المنتخب يقول لي: يا سعيد حاول أن تكمل المباراة. قلت له: يا كابتن أحس بألم شديد. قال لي: ستكون بخير. وبالفعل تمكنت بحمد الله من إكمال المباراة.

فاز المنتخب الكويتي ببطولة تلك البطولة، وأحرز منتخبنا المركز الثاني والميداليات الفضية. عند لحظة تسلمي بالسلام على المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان (طيب الله ثراه) وتفضله بتسليمي الميدالية الفضية، قال لي: (شاهدتك وأنت ملقي على الأرض بسبب الإصابة التي تعرضت لها، وشاهدتك معصوب الرأس، ونهضت لتلعب من جديد أكثر قوة..

وأنت مثل الجندي أثناء المعركة. وأنت مثال للإنسان الذي يضحي من أجل وطنه. وأتمنى أن يحذو شباب الوطن حذوك، ويحاول أن يبذل الغالي والنفيس في سبيل الوطن). هذه الكلمات المعبرة من المغفور له أثلجت صدري وصارت وساما غاليا أتشرف به. وكان (يرحمه الله) يدعو أبناءه لأن يشجعوني. وكان أنجاله الكرام سمو الشيخ محمد وسمو الشيخ حمدان وسمو الشيخ هزاع يحضرون لمشاهدة المباريات وتشجيعنا الدائم.

أيام زمان

صلبوخ مع أبرز الألقاب، لقب أفضل حارس في عام 1974 في الدورة الرمضانية التي أقيمت في نادي الشارقة، أحسن حارس مرمى لجائزة من جريدة الاتحاد ومن لجنة في اتحاد الكرة في عام 1979، أحسن حارس في دورة كأس الخليج السادسة عام 1982.

وأعتز كثيراً بلقب (صقر الإمارات).

aljoker@albayan.ae