لا شيء يُشبع نهم الآلة الإلكترونية الحاسبة في نهاية طابور الجمعية، الأغراض ذاتها في عربة التسوق.. مواد غذائية، منظفات، بعض الخضار والفواكه، وأشياء أخرى اعتاد على شرائها دون النظر إلى ملصقات الأسعار.. فوجئ بأنها أصبحت تُكلف أضعاف ما كانت عليه قبل فترة وجيزة.. بالضبط قبل أن ينضم لطابور المتقاعدين.
بعد رحلة التسوق تلك.. كان عليه أن يتجه لأقرب مركز تجديد المركبات، للقيام بإجراءات تجديد سيارة العائلة، في تلك الأثناء يرن الهاتف مذكراً بضرورة أن يلحق محل تزويد الخدم لتسليم معاملة استقدام الخادمة الجديدة، بعدها كان النهار قد انتصف، ولا بد من العودة للمنزل.
منذ أن ترك الخمسيني الوظيفة قبل سنوات وأُحيل إلى التقاعد.. أُجبر على رصد جميع التحولات حوله، اليوم يركض لاهثاً خلف غلاء مطرد في حياة لم يتوقع أن تأمينها بحاجة إلى تأمين، في تلك الرحلة الصباحية أنفق أكثر من نصف راتبه الشهري، بينما الشهر لا يزال في أوله.. فكل شيء له من الزيادة نصيب، إلا تلك القروش التي أراد بها تأمين مستقبل العائلة، بعد خريف العمر.
* * *
يُفسر التقاعد بأنه استراحة إجبارية يمر بها الفرد بعد رحلة عمل طويلة، ومحطة للراحة والاستمتاع بالحياة بعيداً عن ضغوط الحياة والعمل، تعمل الدول حينها على تأمين كافة وسائل الراحة للمتقاعدين، عبر أنظمة التأمينات الاجتماعية، حيث يعمل المتقاعد على المساهمة بجزء بسيط من دخله الشهري خلال فترة عمله حتى تقاعده.
اليوم.. لا يبدو ذلك التفسير دقيقاً، فبصرف النظر عن العامل النفسي الذي تولده تلك الاستراحة القسرية على من اعتاد ضجيج العمل وأعطى من وقته وجهده الكثير، كان لا بد من البحث عن عودة جديدة تلحق بركب الغلاء وارتفاع الأسعار، في بعض الأنظمة الحكومية لا بد أن تقوم بعض الجهات كنقابات أو جمعيات المتقاعدين بتنظيم ورش عمل، أو دورات تُفعل خبراتهم.
وتستفيد منها، وتعمل على إعادة ضخ المياه في حياتهم العملية وتأهيلهم لمواجهتها بعد التقاعد، واعتبرتهم من ذوي الخبرات التي لا بد من إعادة توجيهها، حتى ذهبت بعض الدول المتقدمة بإنشاء أحزاب بأسمائهم، تُمثلهم في البرلمان وتطالب بحقوقهم، وتُغير مجرى الانتخابات أحياناً كثيرة.
* * *
بالنسبة للمتقاعدين.. لا بد للحياة أن تستمر، حتى وإن أريد لها أن تتعثر أو تُجبر على التوقف لحظات، البدايات الجديدة تتطلب نهوضاً أقوى، وعزيمة أكبر، لن تتحقق دون دعم حكومي لمن هم بحاجة لإعادة النظر في أوضاعهم، عبر مبادرات مؤسسات القطاع الحكومي تخفف من وطأة الحياة وتكاليفها الباهظة لفئة المتقاعدين، أو عبر سن القوانين أو تفعيلها لترفع من قيمة تلك الخبرات وتضعها في مكانها المناسب، فالعطاء لن يتوقف إلا إن اعترضته أياد خفية.. والتهمته ألسنة الغلاء.
تلك حكايات ومواقف متقاعدين هم الحلقة الأضعف في سلسلة الغلاء المطرد. !
أمل الفلاسي
