فتاة لا تعرف المستحيل، تحدَّت - ومازالت - كل الظروف الصعبة، يطلقون عليها قاهرة الأرقام القياسية، اجتازت جميع العقبات التي صادفتها إلى أن وصلت إلى القمة، وفازت بأول ذهبية لمصر في أولمبياد «بكين» للمعاقين في العام قبل الماضي محققة رقمًا قياسيًا جديدًا يُضاف إلى إنجازاتها العديدة، بعد إحرازها رقم 50. 141 كجم في وزن 56 كجم لتحطم بذلك الرقم الأولمبي المسجل باسمها 131 كجم والعالمي وقدره 135 كجم، كما حطَّمت الرقم العالمي الذي حققته في بطولة العالم بكوريا وقدره 140 كجم..
انها الرباعة المصرية فاطمة عمر، بطلة العالم والأولمبياد في رفع الأثقال لذوي الاحتياجات الخاصة، والتي أجبرت الجميع على أن يرفع القبعة احترامًا لها وتقديرًا لموهبتها الفذة، والتي نتعرف إليها عبر الحوار التالي..
كيف كانت بدايتك مع اللعبة؟
البداية كانت عندما كان عمري 19 عاماً، في هذه السن كنت إنطوائية إلى حد ما، وفي أحد الأيام كنت ذاهبة إلى أحد الأطباء لإجراء فحوص طبية لقدمي، وأثناء انتظار دوري في الكشف شاهدت برنامجًا تلفزيونيًا يتحدث عن الإنجاز الذي حققه لاعبو مصر للمعاقين في دورة «أتلانتا» الأولمبية العام 1996، وقتها سألت نفسي: لماذا لا أكون مثل هؤلاء الأبطال وأضع حدًا للعزلة التي فرضتها على نفسي وأحرز إنجازًا لي ولبلدي؟.. وهو ما تحقق بالفعل بعد عام واحد في بطولة العالم بسلوفاكيا العام 1997م. بعدها قررت ممارسة أي رياضة أكون من خلالها بطلة، فسألت عن الأندية التي تستوعب المعاقين، وبدأت الرحلة الصعبة.
لماذا رفع الأثقال تحديدًا؟
عندما ذهبت للنادي وجدت ألعاباً عدة للمعاقين، لكن لم أجد نفسي إلا في رفع الأثقال؛ ربما لأنني شعرت بأنني قد أكون بطلة في هذه اللعبة، فتوكلت على الله واخترت هذه اللعبة.. لكن بالطبع لم يكن الأمر يسيرًا بالنسبة للأسرة، فقد حدث خلاف داخلها حول إقدامي على هذه الخطوة، فبرغم أن والدي لم يمانع إطلاقًا إلا أن والدتي وقفت لي بالمرصاد، ورفضت بشدة هذه المغامرة بدعوى أن هذه الرياضة عنيفة ولا تتناسب مع إعاقتي وأنوثتي التي قد تتأثر بفعل هذه اللعبة، لكن مشيئة الله نفذت واحترفت رفع الأثقال.
ما أبرز المشكلات التي واجهتك؟
كوننا نعيش في مجتمع شرقي تحكمه عادات وتقاليد خاصة، فرض رقابة صارمة على المرأة وتصرفاتها، لكن بمرور الوقت بدأ الجميع يتفهمون أهمية هذه الألعاب، خاصة بعدما نجحت فيها وأثبت قدرتي على التفوق العالمي، لا أُنكر أن هناك مشكلات لا حصر لها واجهتني، يأتي في مقدمتها تجاهل المسؤولين للمعاقين، فعلى الرغم من الإنجازات الرائعة التي حققناها إلا أن أحدًا من المسؤولين لم يقم بتكريمنا بالشكل الذي يتناسب مع إنجازاتنا، وفعلوا ذلك على استحياء في دورة «بكين» العام 2008، على الرغم من أنني حصلت قبلها على ميدالية ذهبية في أولمبياد «أثينا» ولم يكرمني الوطن بالقدر المناسب.
هل كان لذلك آثار نفسية فيك؟
لا أنكر أنني في بعض الأحيان أشعر بالحزن، لكن ثقتي في نفسي وإصراري على أن أحقق إنجازات لبلدي تجعلني أُواصل مسيرة البطولات.
كيف حققت كل هذه الإنجازات مع كل العقبات التي واجهتك؟
لأنني كما قلت في البداية أردت أن أحقق شيئًا وإنجازًا باسمي واسم بلدي، ولدي إصرار وعزيمة يكفيان للتغلب على أي مشكلة، وهذه نعمة من عند الله.
هل تم تكريمك خارج مصر على إنجازاتك؟
نعم، في معظم الدول التي أشرت إلى بطولات تُقام على أرضها، كان هناك تكريم من قبل مسؤولي هذه الدول، ولا يمكن أن أنسى تكريم الشيخ «مكتوم»، رحمه الله، في الإمارات خلال بطولة العالم التي أقيمت العام 1998 في الإمارات، إذ أقام لنا الشيخ «مكتوم» حفلاً فاخرًا في قصره الخاص، وهذا التكريم أثلج صدري كثيرًا؛ لأنني سعدت باهتمام كبار مسؤولي دولة الإمارات باللاعبات المصريات وبالإنجاز الذي حققناه، ولا أُخفي أنني معجبة جدًا بالإمارات وحكامها الكبار.
فقد شعرت فيها بالأمان، ولا أبالغ إذا قلت إن بطولة العالم التي أقيمت فيها العام 1998 كانت من أفضل البطولات التي شاركت فيها طوال حياتي، فقد كان التنظيم رائعًا واستقبال الجمهور حافلاً وجميلاً، وكنت أجد الاهتمام الإعلامي والجماهيري في أي مكان أذهب إليه داخل الإمارات، وأعتقد أن هذا البلد لم يعد يقل في شيء عن أي دولة أوروبية متقدمة.
تردد أنك تلقيت عروضًا من دول عربية وأجنبية للحصول على جنسيتها واللعب باسمها؟
حدث ذلك بالفعل؛ حيث عرض مدرب بولندا على مدرب منتخب مصر استبدالي بلاعب مشهور وعالمي من بولندا، لكنني رفضت، كما تلقيت عرضًا مماثلاً من أحد الأندية القطرية ومن اليابان أيضًا، لكنني رفضت ذلك، فمن المستحيل أن أتخلى عن جنسيتي التي أعتز بها كثيرًا.
هل واجهت مشاكل عند الزواج لأنك تمارسين رياضة عنيفة؟
لم يحدث ذلك؛ لأن الله أكرمني بإنسان متفهم، وبطل عالم سابق في رفع الأثقال للمعاقين يعلم ظروفي وظروف المعسكرات الطويلة، والبطولات التي تمتد لشهور عدة، وأعتقد أن مساندة زوجي من أهم أسباب نجاحي بعد توفيق الله، ودعم والدي ووالدتي لي أيضًا.
كلمة أخيرة للمعاقة العربية؟
لا مكان للمستحيل مع الإصرار والعزيمة.
سجل حافل بالبطولات
مسيرتي مليئة بالإنجازات والذهب، بدأت منذ العام 1997 عندما حصلت على الميدالية الذهبية في بطولة أوروبا المفتوحة في سلوفاكيا، ونجحت خلال هذه البطولة في كسر الرقم العالمي من 67 كجم إلى 80 كجم، في ميزان 44 كجم، وحصلت على ذهبية بطولة العالم في الإمارات العام 1998، وكسرت الرقم القياسي من 80 كجم إلى 100 كجم في الوزن نفسه «44 كجم»، كما حصلت على ذهبية أولمبياد «سيدني» في العام 2000، وكسرت الرقم القياسي من 100 كجم إلى 190 كجم، وذهبية بطولة العالم في العام 2002 في ماليزيا.
وكسرت الرقم القياسي من 109 كجم إلى 110 كجم، وحصلت على لقب ثاني أحسن لاعبة في العالم خلال هذا العام، وذهبية أولمبياد أثينا العام 2004 وكسرت الرقم القياسي من 120 كجم إلى 130 كجم في وزن 56 كجم، كما واصلت مسيرة الإنجازات في بطولة العالم في البرازيل العام 2005 وحصلت فيها على الميدالية الذهبية، وكذلك في بطولة العالم في كوريا وحصلت على الميدالية الذهبية وكسرت الرقم القياسي من 131 كجم إلى 141 كجم، ودِرع أحسن لاعبة في العالم، ثم دورة بكين في العام قبل الماضي.
القاهرة ـ دار الإعلام العربية
