ـ كرة القدم لم تعد كما كانت في الماضي، وسيلة للاستمتاع والتقارب بين الشعوب، وإنما أصبحت سياسة واقتصاداً وترويجاً ومستقبلاً، وغيرها من الأمور التي وضعتها في مرتبة خاصة جداً عند الساسة قبل الشعوب، ولو نظرنا بتمعن على ردود أفعال وتبعات خروج المنتخبات الكبيرة من مونديال جنوب إفريقيا الحالي سندرك هذه الحقيقة جيدا.
فالانجليز تساءلوا عن تبعات قرار الحكم الخاطئ بعدم احتساب هدف لامبارد في مرمى ألمانيا والذي أضاع عليهم أكثر من بليون دولار، والبرلمان الفرنسي يريد أن يريح شعبه ويعرف الأسباب الحقيقية وراء إخفاق المنتخب، والرئيس النيجيري أمر بإيقاف نشاط المنتخب لمدة عامين عقابا له على سوء المستوى والنتائج، وغيرهم الكثير والكثير.
* هذا التصاعد في ردود الأفعال يمثل انعكاسا طبيعيا للأهمية التي تحظى بها كرة القدم في جميع الدول، بصرف النظر إذا كانت متقدمة أو من دول العالم الثالث، وحجم ردود الأفعال الغاضبة التي قد تنتج عنها وتشكل تهديدا للمجتمعات، ولعل تبعات مباراة مصر والجزائر في تصفيات المونديال خير دليل على ما نقول.
لهذا فإن اهتمام الساسة والقادة يعود إلى رغبتهم إما في امتصاص غضب الشعوب أو كسب ودهم، وكلاهما من الأمور المشروعة، لأنه حتى الناس العاديين تحلم بكسب ود ولو نجم واحد.
ـ والغريب أنه في ظل هذه الأهمية التي تشكلها كرة القدم في الدول، يأتي الاتحاد الدولي ورئيسه بلاتر، ويعقبان على اهتمام البرلمان الفرنسي بمستقبل منتخب بلاده، بتصريحات نارية طالبا فيها بابتعاد الساسة عن المنتخب والاتحاد وتحذيرهم بعقوبات قاسية إن لم يتوقفوا، لدرجة أن البرلمان اضطر للرد بخوف شديد مبررا بأن الأمر ليس حسابا وإنما استفسارا رغبة في الوقوف على الحقيقة والمساعدة في حل المشاكل.
ـ والحقيقة، الدهشة تتملكني من رد البرلمان الفرنسي، فمن المسؤول عن فرنسا ومنتخب فرنسا ومستقبله.. البرلمان أم الفيفا؟، ومن المعني بتوفير الاحتياجات اللازمة لتطوير المنتخب وكرة القدم الفرنسية.. البرلمان أم الفيفا؟
ومن المفترض فيه محاسبة المخطئ وإقصائه إذا لزم الأمر.. البرلمان ممثل الشعب أم الفيفا؟، لقد تجاوز الفيفا وبلاتر الحدود وأصبحا يتدخلان فيما لا يعنيهما، وكان يجب أن يكون هذا هو رد البرلمان الفرنسي عليهما، وكفاهما الفضائح المالية التي نقرأ عنها كل يوم مقابل إسناد البطولات للدول، وآخرها فضيحة استراليا.
ـ والمؤسف والمحزن في الأمر أيضا على المستوى المحلي، هذا القرار المفاجئ من اتحاد كرة القدم بمنع حضور الصحافيين اجتماع الجمعية العمومية المقرر عقده يوم غد السبت، فقد جرت العادة على أن تكون اجتماعات الجمعية العمومية لكل الهيئات مفتوحة، سواء كانت رياضية أو غير رياضية.
وذلك على اعتبار أنها تقوم في الأساس على مبدأ الشفافية واطلاع الحضور على كافة التفاصيل من منطلق أن من حقهم الاستفسار عن أي شيء ومحاسبة المجلس إذا لزم الأمر إلى حد سحب الثقة منه.
فما هي الأسباب التي دعت الاتحاد لاتخاذ هذا القرار، وهل تجاوز الإعلام حدوده ودوره في الاجتماع الماضي للجمعية؟، وهل هناك ما يخشاه الاتحاد ولهذا قرر إبعاد أضواء الصحافة عنه؟ أم أن كشف الأخطاء المالية التي حدثت في العمومية الماضية هو الدافع وراء القرار. نتمنى أن يراجع الاتحاد نفسه في القرار طالما ليس لديه ما يخفيه.
