يتساءل الكثيرون منذ نهائيات كأس افريقيا للأمم بأنغولا في شهر يناير الماضي: لماذا يسطع نجم صامويل ايتو في الملاعب الاوروبية ويسجل أهدافا كثيرة، بل ويهدي أغلى البطولات للفرق التي يلعب معها، بينما يصبح مجرد شبح لما ينضم الى المنتخب الكاميروني؟.
سؤال يحير عشاق منتخب الاسود وجماهير الكرة الافريقية بصفة عامة عاد الى الأذهان من جديد أول من أمس عقب مباراة الكاميرون والمنتخب الياباني. فقد كان ايتو شبلا وديعا هادئا مسالما لا يؤلم.. كان أسدا بلا أنياب.
ولاشك أن المنتخب الكاميروني بجيله الحالي من اللاعبين الأقل مستوى من جيل التسعينات الذي كان يقوده الاسطورة روجي ميلا غير قادر على تحقيق انجاز مونديالي إذا كان ايتو يكتفي بتقديم مردود باهت.
وفي الحقيقة أن ما يحصل لإيتو من تألق مع فريقه الاوروبي وفشله مع منتخب بلاده عاشه من قبل النجم الايفواري ديديه دروغبا والفرنسي كريم بن زيمة الذي وصل به الحال أخيرا الى عدم اقتلاع مكان بقائمة اللاعبين المشاركين في مونديال جنوب افريقيا. كما عانى الساحر الارجنتيني ميسي من ذات المشكلة في التصفيات المونديالية وهو يسعى لإثبات ذاته في النهائيات ومحو الصورة الباهتة التي ظهر بها في السابق.
ولمحاولة البحث عن أسباب تباين مستوى ايتو بين المنتخب الكاميروني وبرشلونة أو الانتر اخترنا أن نقوم بمقارنة وضعية اللاعب في كل فريق ورصد الظروف التي تحيط به في كل وضعية.
رأس حربة وهداف بارع في برشلونة
قضى صامويل ايتو في نادي برشلونة 5 مواسم ناجحة في مركز مهاجم رأس حربة وفرض نفسه نجما عالميا وأحد أفضل المهاجمين في الملاعب الاوروبية، وذلك بفضل فنياته العالية ومايتميز به صفات المهاجم القناص العصري، فقد أثبت ايتو انه هداف بالفطرة، حيث يتغلب بسهولة على المدافعين مستغلا في ذلك سرعته وقدرته على المراوغة في المساحة الضيقة.
ويتميز ايتو ببرودة دمه في التعامل مع الكرة أمام المرمى، فكثيرا ما سجل أهدافا صعبة بهدوء كبير، وكثيرا ما غالط حراس المرمى بأساليب استعراضية جميلة توحي بأنه يلعب دون ضغط أو شد عصبي.
وسجل المهاجم الكاميروني خلال 199 مباراة مع برشلونة 130 هدفا، وذلك بمعدل 0.65 هدف بكل مباراة أو هدفين في كل ثلاث مباريات، وهي حصيلة ممتازة.
وكان ايتو رجل المباريات الكبرى والهداف الحاسم وقت الحاجة، خاصة وأنه من سجل الهدف الاول خلال المباراة النهائية لدوري أبطال أوروبا عام 2006 أمام أرسنال الانجليزي.
وأعاد صامويل نفس السيناريو في نهائي 2009 بروما أمام مانشستر يونايتد، وأهدى البرسا الهدف الاول ليفتح أمامه الطريق نحو اللقب الاوروبي، وهو ما تحقق فعلا بعد ان أضاف ميسي الهدف الثاني خلال المباراة.
ومن الخصائص التكتيكية الجيدة لإيتو تجانسه مع الفريق كمجموعة ولا يلعب بصفة فردية فوق المستطيل الاخضر، وكان يشكل نقطة قوة مع اكسافي وانييستا حيث يطلب منهما باستمرار الكرة اثناء المباراة وهو متمركز في مناطق الفريق المنافس. وقد استفاد ايتو كثيرا من اكسافي وأنييستا اللذين يجيدان التمريرات الدقيقة في ظهر الدفاع وهو ما ساعده على تسجيل أهداف كثيرة،.
وإجمالا فقد نجح ايتو مع برشلونة في مركز مهاجم رأس حربة لأن صفاته الكروية تتناسب مع هذا الدور.
جناح طائر مع إنتر ميلان
اكتشف ايتو مع نادي انتر ميلان الايطالي مركزا جديدا لم يشغله من قبل وهو جناح أيمن، وذلك باختيار من المدرب البرتغالي جوزيه مورينيو. وقد وجد المهاجم الكاميروني صعوبات كبيرة في التأقلم مع مركزه الجديد وعجز عن اقناع مدربه للفوز بمكان في التشكيل الاساسي وظل لمباريات كثيرة جالسا على دكة البدلاء يتابع بالوتيللي الذي خطف منه المكان.
وعلق ايتو عن وضعيته الجديدة في ذلك الوقت قائلا «في برشلونة أشعر بأني أكثر حرية بينما في ايطاليا تطغى الحسابات والرسوم التكتيكية على اللعب».
وباعتبار أن ايتو يتميز بشخصية قوية وارادة من حديد فإنه لم ييأس ولم يرم المنديل بل تدرب بقسوة وجدية لنيل رضا مورينيو لأنه آمن أن لا خيار أمامه إلا قبول اللعب في مركز الجناح او النهاية الكروية. وفعلا عاد صامويل للظهور في الملاعب الاوروبية بعد نهاية قصته الجميلة مع برشلونة في مركز جديد متنازلا عن رأس الحربة للأرجنتيني دييغو ميليتو.
وأصبح دور ايتو ليس تسجيلا لأهداف وإنما صناعتها وذلك بخلق الفرص وتمويل ميليتو المتمركز في المقدمة أو شنايدر القادم من الخلف بكرات عرضية دقيقة.
ويكلف مورينيو ايتو بأدوار دفاعية أكثر مما كان يضطلع به اللاعب في البارسا، فعندما تكون الكرة بحوزة الفريق المنافس يتراجع صامويل الى المناطق الخلفية ويكون على اتم الاستعداد لاستلام الكرة من لاعبي الوسط أو الدفاع لبناء الهجمة المرتدة مستغلا في ذلك سرعته الفائقة.
وتمكن بفضل هذا الاسلوب الجديد من صناعة أهداف عدة يبقى أبرزها وأغلاها الهدف الثاني في مرمى بايرن ميونيخ خلال الدور النهائي لدوري أبطال أوروبا يوم 22 مايو الماضي والذي كان بلمسة منه نحو ميليتو.
هذه الوضعية الجديدة للأسد الكاميروني قلصت من عدد أهدافه وبات معدلها 0.42 في المباراة فقط بينما كانت 0.65 مع برشلونة وتراجعت أسهمه كثيرا وتبين بوضوح أن أفضل مركز مناسبة هو رأس حربة وليس على الأطراف.
مهاجم صائم عن الأهداف مع «الأسود»
تحمل صامويل ايتو مهمة الهجوم في منتخب الكاميرون متحملا مسؤولية جسيمة بالاضطلاع بهذا الدور على أكمل وجه مثلما تميز في أدائه السابق: روجي ميلا وامام بيك وباتريك مبوما .
و كانت بداية ايتو مع منتخب الأسود وحتى وقت قريب رائعة، حيث تميز بنجاعته الهجومية وبتسجيله للأهداف باستمرار وصناعة الانتصارات لوحده تقريبا. ولكن الأمور بدأت تختلف وتتغير مع قدوم المدرب بول لوغين.
فقد أبعد هذا الأخير ايتو من مركز رأس الحربة وسحبه الى الجهة اليمنى على الجناح مقتديا في ذلك بالاختيار الفني لجوزيه مورينيو.
ولكن ايتو لاح تائها فوق المستطيل الأخضر في هذا الدور الجديد ولم يقدم مردوده العادي كلما لعب على الأطراف واتضح ذلك في مباراة أول أمس أمام المنتخب الياباني إذ كان فاقدا لنجاعته وأسدا دون مخالب لا يؤلم المدافعين. فالمعروف ان قوة ايتو عندما يكون أمام المرمى وليس على الجهة اليمنى في مركز جناح.
وقدم صامويل أفضل مستوياته مع المنتخب الكاميروني كلما لعب في خط المقدمة وكان مسنودا بلاعبين خلفه أو على الاقل بلاعب الى جانبه، وهو ادريسو في الغالب.
فقد عود ايتو على اللعب في برشلونة في المقدمة وأمام مرمى الفريق المنافس مسنودا من الوراء بإكسافي وانييستا ومن الجانبين برونالدينو وميسي أو تيري هنري، لذلك فإنه يأمل أن يجد نفس الظروف والرسم التكتيكي مع المنتخب الكاميروني ليسطع نجمه ويقدم نفس المستوى الذي يظهر به في الملاعب الاوروبية.
الا أن المدرب بول لوغين له رؤية فنية أخرى ولا يبني خطته على ايتو، وانما يوظفه في مركز جديد وغريب عن اللاعب يحول دون تألقه. ويدفع ايتو ومنتخب الكاميرون هذه الفلسفة الكروية التي أثبتت أمام اليابان اول من أمس إفلاسها. وأكد أن العيب ليس في ايتو وإنما في المدرب لوغين الذي لم يعرف كيف يستغل تواجد أحد أفضل الهدافين في العالم بمنتخبه.
صلاح الدين الشيحاوي
