* حتى قبل أن تقام مباراة ألمانيا مع استراليا، كانت نهائيات كأس العالم في جنوب إفريقيا شبه مصابة بالعقم التهديفي، وذلك نسبة لقلة الأهداف بل وندرتها، فعندما يسجل 14 منتخباً 9 أهداف فقط في 7 مباريات في المونديال، فهذا يمكن تسميته بالعقم، ولكن المنتخب الألماني نجح في كسر هذا الحاجز وتجاوزه بالأهداف الأربعة التي سجلها في مرمى استراليا، والتي كان بمقدوره زيادتها لو أراد، لكنه فضل الاستمتاع بالأداء، وخاصة بعد أن اهتم مدربه لوف بمنح الفرصة لمجموعة من الوجوه الجديدة.

* والنتيجة التي حققها الألمان طبيعية قياسا بفارق المستوى والقدرات البدنية والفنية بين لاعبي الفريقين. صحيح أن الاستراليين أظهروا بعض الندية في بداية المباراة، ونجحوا في مجاراة الألمان في الهجمات، ولكن بسبب متوسط أعمارهم الكبير ونفسهم القصير أصيبوا الإرهاق مبكرا، واستثمر شباب ألمانيا، الذين يقل متوسط أعمارهم عن 25 سنة، هذا الضعف وأحرزوا الأهداف الأربعة، ولو أبقى لوف على كلوزه باقي المباراة لضاعف رصيده من الأهداف، وربما تمكن من تحطيم الرقم القياسي المسجل باسم رونالدو.

* في المونديالات السابقة كانت الخبرة تلعب دوراً مهماً في تحديد موقف الفرق من المنافسة على اللقب، وكان معظم المدربين يحرصون على الاستعانة بنجومهم الكبار استثماراً لخبرتهم في ترجيح كفتهم، ولكن في ظل هذا التغير في عالم كرة القدم وتحولها إلى «بزنس» مخيف بسبب التسابق على المتميزين والذي أدى إلى ارتفاع غير طبيعي في أسعار اللاعبين وارتباط فرق الأندية والمنتخبات بمباريات كثيرة لكسب الأموال، لم يعد أمام اللاعبين وقت للراحة والتقاط الأنفاس وأمام مدربي المنتخبات فرصة لتأهيلهم للبطولات كما يجب، ومن هنا أصبح المدربون مجبرين على الاستعانة باللاعبين صغار السن القادرين على تحمل هذه الأعباء البدنية الضخمة.

* والحقيقة أن هذا التحول يهدد كرة القدم كلعبة لتعريضه اللاعبين للإصابات المستمرة والخطرة وربما للابتعاد مبكرا عن الملاعب، وأعتقد أننا سوف نلمس تأثير هذا التحول في المونديال الحالي، وإذا كانت المباريات الماضية أظهرت ندرة في الأهداف، فالقادم سوف يشهد العكس عندما يحل التعب بالكبار وهم كثر في المنتخبات الحالية، وسوف نتأكد من أن جميع المنتخبات التي اعتمدت على نجوم كبار السن مثل فرنسا واستراليا ونيوزيلندا وايطاليا وغيرهم لن تطول في البطولة وسوف تودعها، ولن تبقى إلا المنتخبات الشابة مثل ألمانيا والأرجنتين وأمثالهما.

* كرة القدم صحيح أنها أصبحت صناعة ضخمة مع تنامي الاحتراف والارتفاع المتصاعد في أسعار اللاعبين وحقوق النقل التلفزيوني وغيرهما، وهو ما ساعد هيئات مثل «الفيفا» على وصول رصيده إلى ما يقرب من ملياري دولار، إلا أننا لا نرى إلا الصورة البراقة لهذه الصناعة ولا نرى الوجه الآخر المخيف الذي أدى إلى تعرض أندية كثيرة للإفلاس، وستكون له آثار أخرى أكثر سواداً سوف تحدث قريبا إن لم نتغلب على سلبيات هذا التحول الخاطئ في صناعة كرة القدم.

refaat@albayan.ae