في الوقت الذي سارت فيه كثير من الأندية خطوات إلى الأمام أمثال بني ياس والظفرة، تراجع النصر أشواطا كثيرة إلى الوراء، وفقد بريق لونه ، وبات لا طعم له ولا لون، ولا حتى رائحة البحر التي كانت أيام الصبا تنبعث من أمواجه الزرقاء.

وأمام هذا الواقع، نهض ركام من الأسئلة حول واقع النادي ومآله، ولعل أكثر هذه الأسئلة ارتفاعا: «هل شاخ عميد الأندية الإماراتية؟». وربما يكون من حق الجميع تطارح مثل هذه الأسئلة، فما حصل للنصر في موسم 2009/2010 يقترب من درجة المصيبة بالنسبة لناد يجب أن يكون في مصاف الكبار بحكم العراقة والتاريخ والأقدمية. لكن رياح الاحتراف الإماراتي ـ حتى الآن ـ لم توافق هوى النصراويين، وخاصة في الموسم المنقضي الذي تراجع فيه إلى مركز متأخر للغاية في سلم الترتيب لدرجة جعلت أمر بقائه بين أقوياء الأندية الإماراتية محفوفا بالخطر، وبالكاد نجح في الحفاظ على المركز العاشر في المراحل الأخيرة. وإلا فماذا يعني أن يتلقى الفريق 16 هزيمة من أصل 22 مباراة؟!

المعنى واضح وهو أن الفريق فقد بوصلته، وضل الاتجاه، وتعوّد على الهزيمة لدرجة بات تستوي مع أي نتيجة أخرى، وهو أمر ترك تأثيرا مدمرا على نفسيات اللاعبين والمسؤولين الذين لم يهن عليهم أن يروا ناديهم في هذا الدرك من سلم الترتيب. وبلغة الأرقام التي هي أصدق أنباء من الكلمات، فإن مجرد معرفة أن فريق النصر الأول لكرة القدم، بما يضمه من نجوم وخبرة، تلقى 49 هدفا في مرماه، يعني أنه عانى الأمرين في خطه الخلفي، وحدث ذلك رغم أنه تعاقد مع محترفين أجنبيين للدفاع هما الروماني رادا والإيراني نصرتي الذي واصل مشواره لآخر الموسم.

وصحيح أن أزمة الدفاع مزمنة في الأندية الإماراتية، إلا أن ذلك لا يخفي عمق الأزمة التي يعاني منها النصر، لأن هذا الكم الكبير من الأهداف هو الذي أوصله إلى هذه المرحلة، وهو الذي هدد كبرياءه ومكانته في الكرة الإماراتية. وأزمة الدفاع هذه ما هي إلا واجهة لمشكلة أكثر عمقا وتتمثل بتغيير جسم الفريق بتغير المدرب، فقد كان النصر في المواسم القليلة الماضية أكثر فرق الدوري تغييرا للاعبيه، فقد بدل عشرات العناصر البارزة والمهمة في الموسمين الأخيرين، واستعاض عنهم بعناصر جديدة من أندية أخرى، وهذا استلزم وقتا وجهدا من أجل خلق عملية التجانس بين نجوم الفريق ولاعبيه، وهو ما لم يتحقق، فجاءت النتائج على عكس ما يشتهيه المسؤولون عن النادي.

إذن، التغيير الواسع والمستمر في اللاعبين ترك آثاره على مسيرة الفريق في الدوري، وهناك عامل آخر لم يكن أقل تأثيرا ويتمثل بالخيارات الاستراتيجية للاعبين، فقد تعاقد النادي مع عدد من العناصر في الأندية الأخرى أملا بتعزيز الوضع الفني والمهاري العام للفريق، لكن مباريات الدوري أثبتت سريعا أن القراءة الدقيقة لم تكن موجودة لدى المعنيين بعملية التعاقدات، لأن كثيرا من اللاعبين الذين تم استقدامهم سواء كانوا أجانب أم محليين فشلوا فشلا ذريعا في تلبية احتياجات النادي الباحث عن موطئ قدم في بقعة الضوء التي اشتاق لها كثيرا.

وبالتالي فإن النادي عاد للدخول في نفس الدوامة بعرضه عدد من اللاعبين، الذين تعاقد معهم قبل بداية الموسم، للبيع، وهذا يعني بما لا يدع مجالا للشك أن النادي يسير في حلقة مفرغة على صعيد تحديد هويته واستقراره الفني لأن اللاعبين هم عصب أي فريق، ولا يستطيع أي مدرب مهما علا شأنه أن يفعل شيئا بدون امتلاكه للاعبين جيدين.

مكتوم بن حشر: معاناة النادي قديمة

يصرّ مسؤولو نادي النصر على أنهم غير معنيين بشكل مباشر بما آلت إليه حال الفريق الكروي الأول، بل إنهم يرون أن الواقع الحالي استمرار لأوضاع غير صحية في فترة سابقة، وبالتالي فإن النتائج التي تعرض لها الفريق في الموسم المنقضي لم تكن بدعا من المواسم السابقة، وهو ما يؤكده الشيخ مكتوم بن حشر آل مكتوم رئيس مجلس إدارة شركة النصر لكرة القدم رئيس مجلس إدارة النادي الذي اعترف بجزء من المسؤولية، لكنه رفض تحملها بالكامل، وذلك عندما قال: أعتقد أن من يتحمل الجزء الأكبر من المسؤولية هو المدرب الألماني باكلسدورف.

وقد تبين لنا هذا الأمر عندما استلم مهمة تدريب الفريق المدرب البرازيلي أنغوس، فمع الأخير ظهرت قدرات الفريق، وتطور مستواه، وارتقى أداؤه، وتبين لنا إمكانية تقديمه لمستوى ونتائج أفضل بكثير مما حققه في بدايات الموسم المنقضي.

لكن الشيخ مكتوم بن حشر يستدرك لينظر إلى الصورة من كل جوانبها، وبرؤية أكثر شمولية، ويقول: الموسم المنصرم ليس الأسوأ في تاريخ النادي بالمعنى الدقيق، لأن النصر يمر بظروف صعبة، ويحقق نتائج متدنية منذ ثلاثة مواسم، بل إن المعاناة الحقيقية تعود في جذورها إلى أكثر من واحد وعشرين عاما وهو التاريخ الذي يفصل الفريق عن آخر إنجاز له ووقوفه على منصة تتويج.

ويرفض رئيس مجلس شركة النصر ورئيس مجلس إدارة النادي تحميل المسؤولية بشكل مباشر للإدارات السابقة عندما يقول: لا نستطيع الحكم على أداء وعمل السابقين لأننا لا نحيط بالظروف التي كانوا يعملون فيها، وبالتالي لكي يكون حكمنا دقيقا ينبغي علينا أن نلم بكافة التي كانت محيطة بهم، ومن ثم تقييم العمل. ولا يعتبر الشيخ مكتوم بن حشر أن كل الصفقات التي أبرمها النادي قبيل انطلاق الموسم فاشلة، فيقول حول ذلك: أعتقد أننا حققنا صفقات عدة ناجحة.

وإن كان بعضهم يلمّح إلى محمد مال الله وما قيل عن فشله في خدمة النادي، فأنا لدي رأي آخر حول هذا الموضوع وذلك أن مال الله لديه أسلوب آخر يشبه كثيرا أسلوب زميله الإكوادوري كارلوس تينيريو، وهو لم يستطع أن يظهر أسلوبه وإمكاناته حتى الآن لأنه انتقل حديثا من دوري هواة إلى دوري محترفين.

وبالتالي لم يستطع أن يستوعب الفجوة الفنية، وفارق المستوى بين الدوريين، ولذلك أنا أعتقد أنه بقليل من الوقت، وبعد أن يعتاد على أجواء الاحتراف سيتحول مال الله إلى واحد من أبرز نجوم الدوري الإماراتي.

تنبيه

تألق تينيريو.. ظاهره خير وباطنه ضد الفريق

لا شك أن تعاقد نادي النصر مع لاعب بحجم وقامة الإكوادوري كارلوس تينيريو هو نجاح حقيقي نظرا لقيمة اللاعب الفنية، وحجم نجوميته الذي أظهره عندما كان في الدوري القطري الذي صال فيه وجال مع نادي السد وحطم الأرقام القياسية في معدلات التسجيل الفردية لأي لاعب قبله.

ولم يخيب تينيريو الظن فتربع على عرش هدافي الفريق بثمانية عشر هدفا من أصل 37 سجلها الفريق، وهذا الرقم والتألق هو خير في ظاهره، لأنه يعني أن الفريق امتلك ناصية الهجوم، ولاعبا في غاية الأهمية، غير أن محاولة النفاد إلى باطن الأمر تكشف لنا عن أزمة ربما تطل برأسها في المستقبل القريب ما لم يتم التنبه لها، وتتمثل بأن لاعبا واحدا سجل ما معدله 50% من مجمل أهداف الفريق، وهذا يشكل تهديدا حقيقيا على الفعالية الهجومية في حال تعرض اللاعب إلى الإيقاف أو الإصابة، وهما احتمالان واردان بقوة، وبالتالي فإن النصر، في حال تحققهما، يواجه خطر العقم التهديفي.

وهي مشكلة لاحت بوضوح في وجه النصر خلال الموسم المنقضي عندما كان تينيريو يبحث عن نفسه خلال مرحلة «السبات» الشتوي من الدوري، ففي تلك المرحلة كان النصر يعاني من أجل تسجيل الهدف.

تعاقدات

أجنبي «رايح جاي» والمستوى الفني متذبذب

ما حصل مع نادي النصر في الموسم المنصرم على صعيد التعاقد مع اللاعبين الأجانب يمثل حالة خاصة، وربما تكون فريدة من نوعها، فقد تعاقد الفريق مع أكثر من لاعب قبل أن يستغني عنه في نفس الموسم، فما بين رادا وبوصابون ودياز وأنور ديبا وإيمان مبعلي أنفق الفريق الملايين التي ذهب بعضها هباء منثورا، غير أن الأكثر خطورة من الملايين هو التذبذب الفني، وافتقاد الفريق إلى الهوية الفنية، والاستقرار الذي يوفره تواجد تشكيلة مستمرة ومنسجمة. فقد أمضى الموسم مع هذا الأجنبي المقبل الذي سرعان ما يتحول خط سيره إلى «ذاهب».

جهاد عدلة