لا يختلف اثنان في ساحة الكرة الإماراتية على أن أقدم أنديتها ـ وهو النصر ـ يمر بفترة حرجة من تاريخه، ويعالج مرارة الهزيمة: ليست الهزيمة في الميدان فقط، بل الهزيمة في ملعب الكبرياء، فما مرّ به النادي العريق خلال المواسم القليلة الماضية، وخصوصا في موسم 2011/2009 تكاد تنفطر له قلوب ليس عشاقه فحسب، بل قلب كل غيور على الكرة الإماراتية.
لكن النفق لا يبدو مظلما إلى آخره، ذلك أن القرارات الأخيرة التي صدرت لتنظم العملية الإدارية في النادي تظهر ضوءا يبعث على الأمل بإعادة تدفق دماء النجاح في عروق النادي العليل، والحديث هنا عن تشكيل شركة النصر لكرة القدم برئاسة سمو الشيخ راشد بن حمدان بن راشد آل مكتوم. وسيكون رئيس مجلس إدارة الشركة الشيخ مكتوم بن حشر آل مكتوم الذي سيجمع إلى جانب هذا المنصب منصبا آخر لا يقل أهمية ويتمثل برئاسة مجلس إدارة النادي، أي أن سمعة نادي النصر، وحضوره في كافة الألعاب ستلقى على كاهل هذا الرجل الذي يضطلع بمهام كبيرة ربما تنوء بحملها الجبال.
ولكنني عندما جلست إليه، في مكتبه في النادي، لأجري معه الحوار المتعلق بهذه المرحلة الانتقالية والحساسة من تاريخ النادي، وجدت أن لديه حماسا وإرادة وعزيمة تتقازم أمامها المسؤوليات الجسام التي تنتظره. وخلال الحوار الذي امتد لأكثر من ساعة على فترتين فصل بينهما الاجتماع الأول لمجلس إدارة الشركة والنادي، استطعت أن أتلمس ملامح المرحلة المقبلة التي سيدار بها عميد الأندية الإماراتية، ولعل الملمح الأبرز في شخصية الشيخ مكتوم بن حشر الإدارية يتمثل بنزوعه نحو ما يمكن أن نصطلح على تسميته «الإدارة الاقتصادية» لمنظومة العمل، وكلامي هذا يعني أن عملية الإنفاق في نادي النصر ستكون من الآن فصاعدا مدروسة ومقنّنة، ودلّني على هذا الاستنتاج الباكر أمران: أولهما تكراره لعبارة «مننيكيمَُّ» (فعّال) مقرونة بالإنفاق، وهو يعني بذلك الإنفاق الفعّال، وثانيهما: تصريحه المباشرة، بعد مداورة الحوار على أكثر من وجه، وبأكثر من طريقة، عن أن الصرف سيكون مدروسا للغاية، ولن يصرف فلسا واحدا إلا في مكانه.
إذن، الرجل سيعمل على إدارة مؤسسته الرياضية وفق نظم العمل الحديث القائم على المنفعة والربح، وقد عبر عن ذلك صراحة ودون مواربة عندما قال في مرحلة متقدمة من الحوار: «هدفنا المبدئي الوصول إلى مرحلة الاكتفاء الذاتي والاستغناء عن أي مساعدة حكومية»، وبدا لي، وإن لم يقلها صراحة، أن سيعمل على «شدّ الأحزمة».
جرأة
وفي طيّات اللقاء تمتع الشيخ مكتوم بن حشر بجرأة الكبار عندما سألته عن: «متى أخطأت ومجلس إدارتك»، فقال لي باقتضاب شديد يغلفه تحفظ أشد: «خطؤنا الأكبر كان باكلسدورف»، رافضا الإفصاح عن المزيد في هذا الخصوص.
وكانت بداية الحوار من آخر الأحداث، وذلك عندما سألته: كيف ترى مستقبل نادي النصر في ضوء تشكيل شركة كرة القدم فيه؟
أجاب: متفائل جدا، فصحيح أن هذا القرار جاء ليتواءم مع مطالب الاتحاد الآسيوي، إلا أننا ننظر إلى المسألة أبعد مما قد يراه الكثيرون، لأننا سنعمل على تفعيل هذه الشركة، فالعمل الإداري في النصر يواجه ضغوطا شديدة، والآن سيتم توزيع العمل بشكل أفقي، وستدار المسؤوليات المهنية بطريقة أفضل من ذي قبل. وهذا ينسحب على مجلس الإدارة، فقد دعّمنا المجلس بأربعة أعضاء جدد هم من ذوي «الجلد الإداري»، وأصحاب خبرة، وانضمامهم إلينا سيشكل إضافة في غاية الأهمية للعمل الإداري في النادي.
هل يمكن أن تقدم لنا فلسفتكم الإدارية في المرحلة المقبلة بعد تشكيل الشركة؟
سنعمل كمجلس إدارة شركة وناد يدا بيد في خطين متوازيين: الأول يقوم على تطوير البنية التحتية الاستثمارية للنادي، والثاني يرتكز على الجوانب الفنية.
وفيما يتعلق بالأول: فسنعمل على استغلال اراض «بائرة» يمتلكها النادي ولا يستفيد منها، والمرحلة المقبلة ستشهد العمل على تحقيق الاستفادة القصوى من كافة إمكانات النادي، فسنبني صالات ومقاه ومرافق يمكن أن تعود بالفائدة على خزينة النادي.
أما الأمر الثاني فسنركز فيه على التعاقد مع كوادر مهنية ذات مستويات عالية، ولكن كل هذا لا يعني ـ أبدا ـ الزيادة في الإنفاق، لأن الأمر سيكون مدروسا للغاية.
وضرب لي مثلا حول رؤيته بالقول: «إن كان لدي موظف في النادي يقوم بمهمة معينة، فلم لا أستفيد منه نفسه في الشركة؟ وبهذه الطريقة سيقوم موظف واحد بمهام موظفين، وسينسحب الأمر على كافة قطاعات العمل».
وهنا توسع الشيخ مكتوم بن حشر أكثر في شرح فكرته عندما قال: «وضعنا خطة لموسمين، سنعمل خلالها على النهوض بالنادي، وسيكون قوامها الأساسي خفض الميزانية العامة للنادي. وسأكشف لك أن دخل نادي النصر في عهدي زاد بمعدل 40% في الوقت الذي انخفض فيه الإنفاق أكثر من 20%، وهذا يعني أننا خففنا من أعباء النادي المالية بشكل كبير.
تطوير الأداء
كثير من المتابعين قد ينتقدون آلية العمل باعتبار أن الشركة ستدير فريقا محترفا في الوقت الذي جلّ أعضائها فيه من الهواة أو المتطوعين؟
أعتقد أن جميع أعضاء الشركة محترفون وعلى سوية مهنية عالية، ولا تنقصهم القدرات.
أقصد أنهم ليسوا محترفين من ناحية تفرغهم المطلق لعملهم الإداري واقتصار وقتهم عليه؟
لو فرغنا موظفي الشركة وقصرنا عملهم عليها لتطلب ذلك منّا ما بين 12 14 مليون درهم سنويا، وهو مبلغ كبير ولا أرى حاجة لإنفاقه طالما أن الأعضاء يستطيعون أن يقوموا به وهم متطوعون.
دعنا ندلف إلى الفريق الفريق الأول، فقد اختتم المدرب البرازيلي أنغوس تصريحاته للموسم المنقضي بقوله إن النصر سيكون منافسا في الموسم المقبل، ألا تعتقد أنه رفع سقف الطموحات، وجافى واقع النادي؟
إذا لم نمتلك عقلية الفوز فلن نتمكن من تحقيق أي انتصار، وأعتقد أن أنغوس انطلق في تصريحه من اعتبارات عدة أبرزها قدراته الشخصية، وثقته بنفسه، وخبرته، وكذلك الإمكانات التي رآها في نادي النصر، وأتمنى أن يجري على أرض الملعب ما جرى على لسانه.
لكن دعني أقول لك إن هدفي الشخصي أن يتطور أداء الفريق في الملعب، وأن يحتل المركز السادس فما فوق.
يعيب أنصار النادي على الإدارة بطأها في المفاوضات والتعاقدات، فمصير الإيراني محمد نصرتي مازال مجهولا، ولم تستقر حتى الآن على الأجانب؟
لسنا بطيئين، وإنما نتأنى في قراراتنا وخصوصا الفنية، ونعمل على التروي في اتخاذ أي موقف أو قرار، وهذا قد لا يعجب بعض الناس، ونحن مدركون للواقع جيدا والحقيقة: «إرضاء الناس غاية لا تدرك»، وصحيح أن صدرنا مفتوح للجميع، ونستمع للكل، لكننا نهتم بأولئك الذين يتمتعون بالخبرة، وينتقدون بشكل بناء وإيجابي، وبطريقة تسهم في تقويم العمل.
وفي هذا الخصوص يجب أن يعرف الجميع أن هناك أمورا عدة تحول دون إتمام صفقاتنا، فمثلا نحن وضعنا عيننا على لاعب محلي نراه مهما للفريق، ولكن تعطلت الصفقة بسبب الثمن الباهظ للاعب.
هل يمكن أن تفسر الفلسفة الكامنة وراء استغناء النادي عن ثلاثة من لاعبيه المحليين دفعة واحدة، ونحن هنا نتحدث قاسم عبد الرضا ومحمود خميس وكاظم علي؟
الأمر برمته يعود إلى تقييم الجهاز الفني واللجنة الفنية، ونحن كإدارة نحاول جهدنا أن لا نتدخل بعملهم. وربما يعتقد أن الاستغناء عن هؤلاء اللاعبين تفريط بأبناء النادي، وجوابي أن هذا الكلام مردود عليه، لأن دورة الحياة يجب أن تسير، ونحن نعمل في منظومة احتراف، ومن الطبيعي أن نبحث عن الأفضل في ظل الالتزامات والمطالب التي نجد أنفسنا مطالبين بتحقيقها.
وكذلك فقد عوضنا عن فقدان الثلاثة بلاعبين محليين على أعلى مستوى وهما علي عباس وهلال سعيد، وهما يشكلان صفقتين ناجحتين بكل المقاييس.
كثير من المتابعين يرون أن وصول النصر إلى هذا الدرك مردّه إلى سياسة الاستغناء عن لاعبيه؟
ربما يندرج التنازل عن بعض اللاعبين في مرحلة سابقة في خانة الخطأ، ولكن لا أحد فينا معصوم، وطالما أننا نعمل فسنخطئ.
اتحاد الكرة ورابطة المحترفين واقعان في «حيص بيص» ما بين 3+1 أو 3 فقط لجهة تعاقد كل فريق مع محترفين أجانب، هل يتضرر النصر من تأخر حسم هذا الموضوع؟
لا شك في ذلك، وكل الأندية متضررة وليس النصر فقط. وهذا التأخر هو أحد أبرز الأسباب التي تعرقل إتمام صفقاتنا مع اللاعبين الأجانب. وأستطيع أن أؤكد لك إن النصر لن يكمل تعاقداته قبل الانتهاء من هذه القضية. ولكن يجب أن نكون واقعيين ونقر بأن حسم هذا الموضوع ليس أمرا سهلا.
«ابن النادي»
فرّط نادي النصر بعدد من لاعبيه المهمين أمثال علي عباس وخالد سبيل ووليد مراد، هل تشكل عودة الأول بداية لنهج «تصحيحي» باستعادة نجوم الفريق المحترفين في أندية أخرى؟
نحن في عصر احتراف، ولذلك فإننا نطلق من مصلحة النادي قبل أي اعتبار آخر، وبمعزل عن مقولة «ابن النادي». نحن نقيم وزنا لأبناء النادي، ونحترمهم، ونحفظ لهم خدمة النادي، ولكن المعيار الأول في المرحلة الحالية والمستقبلية يقوم على أداء كل لاعب، ولم نتعاقد مع علي عباس لأنه من أبناء النادي، وإنما لأن المدرب أنغوس طلبه شخصيا.
هل أنت راض عن أدائك ومجلس إدارتك في الموسم المنصرم؟
طوال حياتي لم أصل إلى مرحلة الرضا عن عملي.
متى وأين أخطأت في الموسم المنقضي؟
خطؤنا الأكبر كان مع باكلسدورف.
إلى أي درجة يتحمل مجلس الإدارة مسؤولية وصول الفريق الأول إلى هذه المرحلة؟
لم يكن الفريق في الموسم ما قبل الماضي ينافس، ثم وصل إلى مرحلة الهبوط في الموسم الماضي، لأن الوضع الحالي هو استمرار لما كانت عليه الحال سابقا، كما أن جميع أندية دبي كانت في مرحلة ما تحاول الهروب من شبح الهبوط.
إنفاق
100
نقلت للشيخ حديث النصراويين في مجالسهم عن أن الإنفاق في الموسم المنقضي تجاوز حاجز المائة مليون درهم وأن النتيجة مازالت صفرا، فقال: ميزانية النادي تجاوزت حاجز المائة مليون منذ أكثر من ثلاثة مواسم وليس من الآن فقط. أما في عهد رئاستي للنادي فإن الإنفاق كان مدروسا، وتركز جلّه على البنية التحتية، ففي تاريخ نادي النصر لم يصرف أحد على مرافق النادي ويطورها مثلما فعلنا في الموسم المنقضي، وأستطيع أن أقول لك إنني وقبل أن أتسلم مهامي في النادي كان منظر النادي وبعض مرافقه لا يرقى أبدا إلى سمعته وتاريخه، أما الآن فقد بات لنادي النصر منظر حضاري ينسجم مع مكانته في الرياضة الإماراتية.
استنزاف
90%
اعترف الشيخ مكتوم بن حشر آل مكتوم أن مجلس إدارته استنزف في عملية الإنفاق على فريق كرة القدم الأول خلال الموسم المنصرم أكثر من 90% من الميزانية المخصصة للأنشطة الرياضية في النادي، وقال أيضا إن الفريق الأول استنفد أكثر من 95% من وقت مجلس الإدارة وجهده.
نجاح
التعاقد مع الاكوادوري تينيريو إنجاز
أعترف أن أسئلتي كانت تسير في خط واحد: مواجهة الشيخ مكتوم بن حشر، ونقل التساؤلات والانتقادات التي تدور في فلك الساحة الرياضية، بمعنى أن الأسئلة حملت صفة المواجهة ومحاولة وضع المحاوَر في أضيق زاوية، أكثر مما حملت صفة النقاش، وأمام هذا الواقع كان من الطبيعي أن ينزع الشيخ مكتوم بن حشر ـ الذي تمتع بسعة صدر بالغة، وتقبل كبير لنوعية الأسئلة ـ إلى الحديث عمّا أسماه «إنجازات» الإدارة، وفي هذا الخصوص، وفي زحمة هجمة الأسئلة عليه.
قال ردا على أحد أسئلتي: «أعتقد أن التعاقد مع لاعب بحجم الإكوادوري كارلوس تينيريو يصنف في خانة إنجازات الإدارة». ولم يقف الشيخ مكتوم بن حشر عند هذه النقطة، بل امتد حديثه ليشمل الكلام عن الميزانية، قائلا: «استطاع مجلس إدارة النادي أن يلتزم تماما بالميزانية التي خصصت له الموسم الماضي من قبل سمو الشيخ حمدان بن راشد آل مكتوم نائب حاكم دبي وزير المالية، ولم نخرج عنها قيد أنملة. أما الجديد فهو أن ميزانيتنا للموسم المقبل ستكون أقل من الموسم الماضي، وهذا بطلب منا كمسؤولين عن النادي، لأن حجم انتداباتنا سيكون أقل، وحجم الإنفاق الذي استهلك على البنية التحتية لا مبرر له في الموسم المقبل بعد أن انجزنا مشاريعنا.
نهج
قلم رصاص و3محاور
اجتهد الشيخ مكتوم بن حشر من أجل إيصال فكره إلى القارئ، وفي سبيل هذه الغاية المهمة لجأ ـ مرارا ـ إلى الإمساك بقلم الرصاص، ثم مرّره على ورقة بيضاء وهو يرسم مثلثا سيوزع عليه استراتيجيته الإدارية خلال المرحلة المقبلة، فقد وضع قاعدة المثلث في الاتجاه الأعلى، فكتب في الجهة اليمنى: الجانب الاجتماعي والثقافي، وفي الجهة اليسرى: التعاقدات، وفي أسفل المثلث: الاحتراف، ثم قال: سأعمل على التوفيق بين هذه المحاور الثلاثة، ولا أستطيع ـ أبدا ـ أن أخلّ بأي رأس من هذه الرؤوس الثلاثة في عملي، لأنها تتساوى في الأهمية ضمن منظومة العمل الرياضي في الإمارات.
مشكلة
أزمة في القيادة الوسطى
يرى الشيخ مكتوم بن حشر آل مكتوم أن المشكلة الأبرز التي تواجه العمل الإداري في نادي النصر، والتي لم يتسطع النادي الفكاك منها حتى الآن تتمثل في القيادة الوسطى، وعبر عن ذلك بقوله: لدينا قيادة عليا قوية ومتيزة، والأمر ينطبق على القيادة الدنيا أيضا، لكن الذي نبحث عنه هو تجويد العمل في المستويات الوسطى، وأنا أتحدث هنا عن جوانب مهمة تتعلق بالعلاقات الإعلامية وبالتسويق والترويج، وهو عمل شديد الأهمية في منظومة العمل الاحترافي.
حوار ـ جهاد عدلة


