احتارت أيهما الطريقة الأمثل للحد من (فسفسة) راتبها الشهري، قررت هذه المرة استخدام طريقة أكثر بدائية، وهي تنتظر المعاش، وقد انتهت من صرفه، قبل أن يدخل في حسابها، ستقوم بسحبه كاملاً ووضعه في ظرف أعلى الخزانة، حتى تضبط عملية الصرف العشوائية التي تنتابها، بعد أن يخصم البنك ثلثه قسطاً للسيارة.. لا بد من عباءة جديدة .. ملابس .. و(حتحات) يأتي على ما تبقى.

بالرغم من جدواها، ذكّرتها تلك التجربة بحركات جدتها، والصندوق الدائري المعدني الذي وضعت فيه (خردتها)، حتى تكون في متناول اليد عند أي طارئ، ضحكت مستهزئة، (خرده ! مب آلاف .. عالأقل أحسن من بطاقة البنك ! هنيه أعرف شو صرفت وكم !).. حينها تردد صوت جدتها حين وصتها يوماً بأن تحفظ أول الراتب حتى يتبارك ولا يطير تاليه. . كانت جدتها تصرف من مكافأة الشؤون على منزل والدها .. ترى كيف استعانت بالخردة على تلك الالتزامات؟

أطرقت .. لعل المبلغ المودع في حسابها والقابع في الظرف أعلى الخزانة هو ذاته، ولكنها إشكالية الراتب الذي ينفد قبل أن يصل إلى المحفظة، طبعاً بعد أن تلتهم أقساط السيارة أو المنزل جزءاً غير يسير، رواتب المستخدمين وفواتير الماء والكهرباء والجمعية، هناك على مدار العام مناسبات تخل بالميزانية، تجديد السيارة، طبعاً بقائمة مخالفاتها الحضورية والغيابية، الواجبات الاجتماعية وما يتخللها من هدايا ومصاريف.

كثيراً ما يُتهم الراتب بالخذلان، فهو لا يدوم لشهر كامل، كيف له أن يدوم عمراً؟ .. لا بد أن يسعى أصحاب الرواتب المتواضعة لطرق باب رزق آخر، والبدء في رحلة كفاح غير مضمونة النتائج، إما أن تكون ضحية نصب واحتيال أحدهم، أو تستعين بالصبر و(تصرف اللي عندك واللي ما عندك علشان توقف على ريولك)، في زمن انقطعت أنفاسه جرياً وراء لقمة العيش.

* * *

تجارب العصاميين ممن جمعوا القرش على القرش، واستعانوا بالراتب على بخل الزمن، عصية على التطبيق، ولكنها جديرة بالتأمل، شيء معقول وأشياء مبالغ فيها مع رواتب هذه الأيام، فمن لم يكون ثروة أو يرثها، لا يحلم بها اليوم ..

مثلاً ..اخصم من راتبك نصفه للادخار، وعش على النصف الباقي، أجل ما تود شراءه هذا الشهر للشهر المقبل، لأنه عليك أن تفي بالتزاماتك أولاً.. وستجدك مع الوقت (عفته)، وغيرت رأيك، فعلم النفس يقول إن الرغبة باقتناء شيء تخف أو تزول بمجرد الابتعاد عنه. . كما ينصح المجربون بتخصيص دخل ثابت للعائلة، من باب بث روح المسؤولية والاعتدال في الصرف، أما مشوار الجمعية التعاونية أو السوق، لا بد أن يبدأ بناءً على قائمة مشتريات .. وحذار التسوق العشوائي، فتلك أخطر الآفات التي تفتك بالراتب.

تلك النصائح والأساليب متاحة، قد تنجح أو تفشل.. فكل شيء ثابت ما عدا الأسعار! الغريب أن القفزات التي يمر بها الراتب، عجزت عن اللحاق بغلاء المعيشة المطّرد .. يارب ارحمنا.

أمل الفلاسي