قطف دبي مساء أمس الأول ثمار جهد جهيد، بذله على مدار أكثر من عشرة شهور نزف خلالها «سيلا» من العرق، وقدم بحرا من الجهد، ويستوي في ذلك إدارته، وجهازه الفني، ولاعبوه، وجهازه الإداري، وكذلك جمهوره.
وأمس الأول كان ملعب صقر بن محمد القاسمي في مدينة خورفكان الوادعة شاهدا على قصة نجاح جديدة يكتبها هذا النادي المجتهد والمكافح، وذلك عندما لعب مباراة متوازنة للغاية، فقدم أداء معقولا، يستحق عليه الثناء، لأنه وازن بحكمة ما بين المنافع والمفاسد، وجرى على مبدأ «درء المفاسد مقدم على جلب المنافع». وإضافة إلى هذه الترتيبات الفنية نزل لاعبو دبي إلى الملعب والهدوء يغلف مظهرهم وأداءهم، فلم يظهر عليهم الاستعجال، ولا التسرع، والجري خلف الكرة من أجل تسجيل الفوز، بل لعبوا بأناة وتؤدة، وكانوا يتناقلون الكرة بشكل سلس سهل، ويبحثون عن أفضل طريقة يصلون بها إلى مرمى خصمهم دون أن يتركوا ثغرة يؤتون منها.
ولكن الشيء الخفي الذي ربما لم يظهر لكثير من العيان هو مدى الجهد الذي اشتغلت عليه الإدارة والجهاز الفني من أجل تحضير الفريق، والنجاح الذي أصابوه في تفريغ اللاعبين من أي شحن معنوي أو ضغط نفسي قد يواجه الفريق في مثل هذه اللحظات. وبهذه النتيجة يكون دبي قد عانق النجاح، ورسم اللوحة التي خطط لها طويلا، وصنع إنجاز عمل عليه شهور طويلة، وذاق من كأس التميز لذة العبور إلى الأضواء، وذلك بعد موسم تذوق فيه حلاوة النجاح، مثلما كابد فيه مرارة المطبّات، لكنه في النهاية أعلن ثورته، وطرح نفسه كواحد من الكبار، ورفض أن يبقى بين الهواة، واختار لنفسه مصير الاحتراف.
وأمس الأول بدا نادي دبي في خورفكان كما لو كان يلعب على أرضه، فقد ضاقت مساحة الغربة في ظل الدعم الكبير، والوقفة الوفية التي أظهرتها جماهيره، فأنصار الفريق زحفوا بالمئات خلف فريقهم، وقطعوا مسافة أكثر من مئة وستين كيلو متراً من أجل إطلاق الصيحات، ومن أجل تحفيز اللاعبين، ومن أجل أن يجنوا ثمار موسم شاق وطويل، وكان لهم ما أرادو، فقد كان المشهد في غاية الجمال عندما اختلطت الدموع بالفرحة من قبل الجماهير واللاعبين ومسؤولي النادي. ولعل ملعب نادي الخليج لم يرتو منذ زمن بعيد بهذا القدر من الدموع الذي سكبه عشاق نادي دبي ليلة أمس الأول.
أيمن الرمادي: إدارة النادي صبرت عليّ ولم أخيّب ظنّها
تأخر المصري أيمن الرمادي حوالي نصف ساعة قبل أن يتمكن من الدخول إلى قاعة المؤتمرات الصحفية في ملعب صقر بن محمد القاسمي، ولم يكن التأخر رغبة من المدرب، بقدر ما كان إعاقة غير متعمدة من محبي وعشاق فريق دبي الذين «هطلوا» من المدرجات مثل زخّات المطر على الرمادي يعانقونه ويقبلونه، ودخل المدرب إلى القاعة جسم يكاد يتفجر فرحا وسرورا، بل إنه بدأ حديثه بطريقة تعكس حجم البهجة التي ملأت عليه قلبه لدرجة جعلته يسلم على كل من يرى في طريقه إلى المرمى.
بدأ الرمادي حديثه بحمد الله تعالى، ونسب الفضل الأول والأخير إليه، ثم قال: لقد جنينا ثمار عمل كبير، وقد وقف الله تعالى معنا، واجتهدنا بكل ما أوتينا من قوة، رغم أننا مررنا بمطبّات خطرة تخللها تراجعنا في سلم الترتيب إلى مراكز متأخرة نسبيا.
واعتبر أيمن الرمادي أن فريقه استيقظ في المرحلة الثانية من الدوري، وأعلن صرخة مدوية، وظهر على حقيقته، كما أثنى على لاعبيه، وقال فيهم خيرا كثيرا، ولم ينس التطرق إلى حجم النجاح الذي حققه مع فريقه عندما قال بشكل عابر: لقد حققنا بطولتين في هذا الموسم، وهذا عمل جيد.
وعاد مدرب فريق دبي إلى الثناء على لاعبيه، قائلا: أنا راض عنهم كل الرضا، لأسباب عدة أبرزها أنهم قدموا ما هو مطلوب منهم، والأكثر من ذلك أنهم صبروا علي طوال الموسم رغم أنني أعترف بأنني مدرب عصبي في عملي، ومع ذلك فإنه طوال الموسم لم يتأفف أي لاعب منهم، والتزموا بشكل كامل، ونفذوا ما هو مطلوب منهم، ولذلك حقيقة أنا أشكرهم شكرا جزيلا.
ولعل أبرز ما قاله الرمادي كان عندما أثنى على إدارة النادي وعلى صبرها عليه، وقال في ذلك: أتوجه بشكري الجزيل إلى إدارة النادي التي كانت متعايشة مع الفريق في كل لحظاته، ولأنهم صبروا علي كثيرا، فرغم أن الفريق مرّ ببعض المطبات، إلا أنهم جددوا الثقة بي، وأخص بالشكر خليفة حميدان الذي أطلق تصريحات قوية وذات طبيعة تعكس تفهمه واحترافيته في العمل الرياضي، وقد جاءت هذه التصريحات في وقت خسرنا فيه مع منافسنا المباشر على التأهل اتحاد كلباء.
وبعد أن فرغ من الثناء على الجميع، «وزّع» الرمادي خلال المؤتمر على كل جهة نصيبها من النجاح الذي أحرزه الفريق، فأرجع الفضل - بعد الله تعالى - إلى إدارة النادي، ثم إلى اللاعبين، وبعد ذلك إلى الجماهير، وترك لنفسه حصة لا تتجاوز العشرة بالمئة - على حد قوله - من أسباب النجاح والتأهل.
أما البرازيلي خوسيه باولو مدرب الشعب فقد كان في واد آخر، ويتحدث بلغة أخرى تماما، فبدأ حديثه عن المباراة، قائلا: كان اللقاء جيدا من الطرفين اللذين سعيا للفوز، لكن دبي كان الأمهر في استغلال الفرص، ونجح في استثمار إحدى فرصه وسجل هدف الفوز.
وأثنى خوسيه على فريق الاتحاد ودبي، معتبرا إياهما الأجدر بالحصول على بطاقتي التأهل إلى دوري المحترفين بما يملكانه من إمكانات، كما أثنى على مستوى دوري الدرجة الأولى وقوته وشدة المنافسة بين الأندية سواء على الصعود أو الهبوط.
وعلى الرغم من خسارته على أرضه، إلا أن خوسيه عبر عن رضاه التام على فريقه، وعلى أداء لاعبيه بشكل عام في الدوري، لكنه استدرك قائلا: لاعبو فريقي يحتاجون إلى مزيد من التحضير، وإلى مزيد من الخبرة أيضا.
وانتقد مدرب الخليج مستوى لاعبيه الأجانب، وقال: مستوى الأجانب في الفريق لم يكن مقنعا، وربما يكون أبو بكر كمارا ليس سيئا، ولكن الاثنين الآخرين ليسا على حال جيدة.
وحول الواقعة التي حدثت بينه وبين لاعبه البرازيلي أندرسون بعد تبديله للأخير قبل النهاية باثنتي عشرة دقيقة، قال: من حقي كمدرب أن أجري تغييرا، ولكن اللاعب لم يتقبل وجهة نظري، وكان عصبيا للغاية، وتمرد على توجيهات الجهاز الفني.
لحظات مجنونة
عاش مدرب الخليج خوسيه باولو أمس الأول لحظات مجنونة، ثارت خلالها ثائرته، واقترب من الجنون، وذلك عندما سجل دبي هدفا في مرمى فريقه، فنهض من كرسيه، وأجرى ثلاثة تبديلات في دقائق معدودة كلها ذات صبغة هجومية من أجل تعديل النتيجة وتخفيف حدة الجماهير التي لم تكن راضية في المدرجات عما يجري فوق المستطيل الأخضر، وربما لم تكن دوافع المدرب التغيير بقدر ما كانت تهدف إلى استيعاب «غضبة» عشاق الأخضر الذين كانوا يقدرون بالمئات.
تنافس
أمواجهتا العشب والمدرجات في ملعب صقر القاسمي
سبقت انطلاقة مباراة الخليج وضيفه دبي في ختام منافسات دوري الدرجة الأولى «أ» أجواء أشبه ما تكون بنهائيات الكؤوس، فمدرجات ملعب صقر بن محمد القاسمي التابع لنادي الخليج امتلأت عن جانبيها، فجلس عشاق الخليج في جهة القلب عن يسار المنصة، فيما تيمّن أنصار دبي باليمين، ولم يكد ينزل اللاعبون إلى أرض الملعب، إلا وانطلقت صيحات وأهازيج التشجيع لتملأ أرجاء الملعب صخبا.
وقد كان المناخ في الملعب مناخ مواجهة حقيقية على مستويين: على العشب الأخضر بين اللاعبين، وفوق كراسي المدرجات بين جماهير الفريقين، وعلى من البداية القوية لجماهير الخليج التي استقبلت لاعبيها بعبارات من مثل: «العب خلجاوي»، «خليجي اليوم يومك»، إلا أن الغلبة العددية كانت لمصلحة أندية دبي التي فاقت نظيرتها الخضراء بقليل، ثم انتقل هذا التفوق إلى التشجيع، حيث انتعش الجمهور الضيف مع انتعاش أداء فريقه.
ولم يكن جمهور دبي سلبيا في المدرجات على الإطلاق، بل حافظ على وتيرة تشجيع طوال مراحل اللعب، كادوا ينفجرون فرحا عندما سجل رشيد تيبر هدفهم الوحيد في المباراة. في حين تضاءل حماس جماهير الخليج مع تراجع فريقها، ولم تستعد نشاطها إلا في الدقائق الـ 15 الأخيرة التي شهدت بعض الفرص لأصحاب الأرض.
ترقب
عيون في خورفكان وآذان في كلباء
لم يقتصر الفوز على فريق دبي أمس الأول، بل إن هناك رابحين آخرين دخلوا على الخط، أبرزهم «اتصالات» التي تحولت إلى الوسيلة الكبرى بين أنصار الفريقين. كان ذلك يبرز بكل وضوح بمجرد إلقاء نظرة سريعة إلى المدرجات التي كان يختلط فيها صوت الجماهير بأصوات رنين الهواتف المتحركة.
فهذا يستفسر عن مباراة الشعب والاتحاد، وآخر عن حتا وماذا فعل. وكان المشهد يرسم لوحة درامية بامتياز، حيث أنظار جميع المشجعين في ملعب نادي الخليج، بينما آذانهم كانت مشنّفة على الهواتف المتحركة ترقب ما يجري في أماكن أخرى من ساحات المنافسة في آخر أيام دوري الهواة «أ».
جهاد عدلة



