تنطلق فعاليات أكبر بطولة تقام في جنوب أفريقيا عندما تبدأ منافسات كأس العالم 2010 لكرة القدم من استاد (سوكر سيتي) في سويتو إحدى ضواحي جوهانسبرغ في يونيو المقبل. وقطعت جنوب أفريقيا رحلة شاقة لتصل إلى هذه البطولة، وتضمنت هذه الرحلة نجاح جنوب أفريقيا في تنظيم البطولات والدورات الخاصة بها على المستوى المحلي في ظل سياسة العزلة التي فرضت عليها بسبب الأبارتايد.

ومع انقضاء مرحلة الأبارتايد ، بدأت جنوب أفريقيا في استضافة البطولات الدولية الكبيرة. وقبل عشرات السنين لم يكن العالم قد اتخذ أي وقفة ضد سياسة الأبارتايد ولذلك تواجدت جنوب أفريقيا في المحافل والبطولات الدولية حيث شارك اللاعبون البيض من جنوب أفريقيا في الدورات الأولمبية ودورات ألعاب الكومنولث وبعض البطولات الدولية الأخرى.

الرياضة ضحية التمييز العنصري

وكان سير ستانلي راوس الرئيس السابق للاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) من أخلص المؤيدين والمساندين لحكومة الأبارتايد في جنوب أفريقيا حيث كافح وجاهد كثيرا من أجل الإبقاء على عضوية اتحاد كرة القدم بجنوب أفريقيا (فاسا) ، والمكون بأكمله من البيض ، ضمن عضوية الفيفا.

كما لعب ستانلي دورا رئيسيا في إقناع الفيفا برفع الإيقاف عن (فاسا) بشكل مؤقت في 1963 . ولكن المهلة التي حددها الفيفا لم تدم طويلا لتصبح جنوب أفريقيا ، منذ منتصف ستينيات القرن الماضي ، أكثر عزلة عن العالم. وقرر الفيفا إيقاف (فاسا) في 1964 قبل أن يستبعد جنوب أفريقيا نهائيا من عضويته في 1976 بعد ست سنوات من استبعاد جنوب أفريقيا من عضوية اللجنة الأولمبية الدولية.

واتخذت الحكومة في جنوب أفريقيا والاتحادات الرياضية الموالية لها سلسلة من الإجراءات كرد فعل على هذه العزلة الرياضية التي فرضت على البلاد. وقدمت الحكومة ما سمي بسياسة العرقيات المتعددة والتي تسمح بالتنافس الرياضي بين مختلف العرقيات في جنوب أفريقيا ولكن لمستوى معين.

بالإضافة لاستقطاب لاعبين دوليين بمبالغ خيالية لزيارة جنوب أفريقيا من أجل رفع المستوى ونظرا لصعوبة تنظيم أي مسابقات أو بطولات دولية رياضية في جنوب أفريقيا خلال سنوات العزلة ، لجأت البلاد إلى تنظيم دورة الألعاب الجنوب أفريقيا والتي كانت بمثابة الرد على عدم السماح لجنوب أفريقيا بالمشاركة في الدورات الأولمبية.

نهاية الخلافات الداخلية

وفي عام 1980 ، بدأت الأمم المتحدة في تجميع أسماء اللاعبين والمسئولين الرياضيين الذين سافروا إلى جنوب أفريقيا من أجل المنافسات الرياضية مع وضع هذه الأسماء في قائمة ، حيث ضاعفت هذه القائمة من العزلة الرياضية على جنوب أفريقيا. وبعدها بسبع سنوات ، أعلنت الأمم المتحدة هذه القائمة وضمت أسماء 2500 رياضي ومسئول رياضي.

وكان من بين المذكورين في القائمة ، لاعبون ولاعبات بارزين مثل لاعبة التنس الشهيرة كريس إيفرت ولاعبي التنس جيمي كونورز وبوريس بيكر وغيرهم مثل لي تريفينو وفيوزي زولر وسيفي باليستروس وبرنارد لانجر وجريج نورمان.

وحذفت أسماء نحو 200 رياضي ورياضية من هذه القائمة بعدما وعدوا لأنهم لن يعودوا للمشاركة مجددا في أي أحداث رياضية بجنوب أفريقيا وقال سوتيريوس موسوريس مساعد الأمين العام للأمم المتحدة آنذاك إن هذه القائمة ضاعفت من الضغوط الواقعة على حكومة جنوب أفريقيا من أجل التخلص من سياسة الأبارتايد. وأوضح (اقناع الرياضيين بمقاطعة الأحداث الرياضية في جنوب أفريقيا كان وسيلة مؤثرة منذ عام 1981 ).

ولعبت المقاطعة الرياضية ، بلا شك ، دورا مهما في الأحداث التي أدت إلى إقامة أول انتخابات ديمقراطية (غير عنصرية) بجنوب أفريقيا وذلك في 1994 . وسمحت اللجنة الأولمبية الدولية لجنوب أفريقيا بالمشاركة في أولمبياد برشلونة عام 1992 وكذلك في التصفيات الأفريقية المؤهلة لنهائيات كأس العالم 1994 بالولايات المتحدة. وفي عام 1995 ، استضافت جنوب أفريقيا فعاليات بطولة كأس العالم للرجبي وذلك للمرة الأولى في تاريخها كما أحرزت لقب البطولة.

دعم مانديلا

وتبرع الزعيم والمناضل الجنوب أفريقي نيلسون مانديلا الرئيس السابق لجنوب أفريقيا بقميص اللعب الخاص باللاعب فرانسوا بينار قائد المنتخب الفائز بلقب هذه البطولة. وكانت هذه الخطوة واحدة من الإجراءات المهمة التي اتخذها مانديلا لإعادة بناء بلاده.

وبعدها بعام واحد ، استضافت جنوب أفريقيا نهائيات كأس الأمم الأفريقية لكرة القدم. ورغم وجود العديد من المقاعد الشاغرة في الاستادات خلال مباريات هذه البطولة ، حصلت هذه البطولة على نصيبها من النجاح أيضا وتوج هذا النجاح بفوز منتخب جنوب أفريقيا (بافانا بافانا) بلقب البطولة.

وفي عام 2003 ، أقيمت بطولة العالم للكريكيت في جنوب أفريقيا. ورغم الصدمة التي تلقاها أصحاب الأرض بخروج منتخبهم صفر اليدين من الدور الأول للبطولة مع منتخبات أخرى عريقة مثل إنجلترا وباكستان ، حققت هذه البطولة النجاح أيضا ولم تشهد أي مشاكل.

ورغم الشكوك العديدة التي تحيط بكأس العالم لكرة القدم والتي تستضيفها جنوب أفريقيا من 11 يونيو إلى 11 يوليو المقبلين ، تبدو بلاد مانديلا قادرة على استضافة بطولة ناجحة بعد التغلب على المشاكل التي يشير إليها المشككون ومنها العملية الأمنية والحضور الضعيف المتوقع للمشجعين في مباريات البطولة وضعف مستوى البافانا بافانا في الفترة الحالية.

وأصبح الأمر حاليا في يد جنوب أفريقيا وسكانها ليبرهنوا على قدرتهم على تنظيم كأس عالم لكرة القدم مثلما نجحوا من قبل في استضافة كأس العالم للرجبي عام 1995 وكأس أفريقيا لكرة القدم عام 1996 وبطولة العالم للكريكيت عام 2003 .

د ب أ