كثيرة هي مسببات الإحباط، لكن من أكثرها شدة وحدة: عندما تعطي، وتقدم، وتنجح، وتقطع مسافات من الألق، لتصل إلى نهاية الطريق دونما أن ترى صدى لإنجازك، ودون أن تمتد لك يد العون تقديرا لبراعتك في عملك .. هذا السيناريو ينطبق إلى حد بعيد على جمعية الإمارات لهوكي الجليد، التي تبدو كدون كيخوت، ولكن هذه المرة الذي يحارب طواحين الهواء إماراتي وليس إسبانيا.
فالجمعية الإماراتية التي تستعد لكي تخدم العلم الإماراتي في أقاصي القارة الآسيوية عندما تدافع عن لقبها ؟ كسيدة لآسيا ؟ في تايوان بعد ثلاثة أسابيع من الآن في بطولة القارة الصفراء لهوكي الجليد، تستشرف المستقبل في ضوء الاستراتيجية الجديدة التي أعلنت عنها الهيئة العامة لرعاية الشباب والرياضة قبل أيام قليلة، من خلال الحوار الذي أجراه «البيان الرياضي» مع هامل أحمد القبيسي نائب رئيس الجمعية، ورئيس بعثة المنتخب التي ستغادر إلى تايوان في السابع والعشرين من الشهر الجاري.
كلمات القبيسي جاءت مشبعة بالقلق، ليس القلق على نتائج منتخب البلاد في البطولة القارية المقبلة، وإنما على مستقبل اللعبة، بل على وجودها بأسره، في ظل الدعم الخجول جدا الذي تتلقاه جمعيته. وحمل كلام المسؤول تناسبا عكسيا بيّنا: ففي الوقت الذي كان حجم التفاؤل عنده بمشاركة منتخب الإمارات في البطولة الآسيوية المقبلة.
وبقدرته على الاحتفاظ بلقبه يتضخم، كان يتناقص ويتحول إلى تشاؤم حينما يتعلق الحديث بمستقبل اللعبة، وبحجم الدعم الذي تتلقاه. وكشف القبيسي خلال الحوار عن جملة حقائق مهمة، وذكر أرقاما، كثير من الهيئات والاتحادات تدرجها تحت بند «سري للغاية».
منافس شرس
فبدأ هامل القبيسي حديثه بالنقطة الأهم وهي مشاركة منتخب الإمارات في بطولة آسيا الثالثة بعد أيام، قائلا: أعتقد أن مشاركتنا المقبلة ستكون قوية جدا لأنها ستشهد عودة المنتخب التايواني الذي غاب عن البطولة الماضية في أبوظبي، وبما أن تايوان سبق وأحرز لقب البطولة الأولى وسيلعب في البطولة الثالثة على أرضه وأمام جماهيره، فمن المؤكد أنه سيكون المنتخب الأكثر تهديدا لتطلعاتنا بالمحافظة على اللقب.
لكنني أستطيع أن أؤكد لك بأنني أرى في عيون لاعبي منتخبنا معنى عظيما تجسده العزيمة والإصرار الكبيران اللذان يتحلون بهما. فهم عازمون على مشاهدة علم الإمارات وقد رفع على منصة التتويج برفقة السلام الوطني. هنا استوقفته، سائلا إياه: كيف تشعرون بهذا القدر من التفاؤل والثقة وأنتم لم تقيموا معسكرا خارجيا ولم تلعبوا مباريات استعدادية قوية توفر لكم فرص احتكاك مهمة قبل البطولة؟!
عند هذه النقطة بالذات بدأت قريحته «بالنزيف»، وكشف عن واقع أليم، ومستقبل أشد ألما قد ينتظر اللعبة الجماعية التي تفردت بإحراز لقب قاري بين جميع الألعاب الجماعية الأخرى في الدولة إذا ما استثنينا لقب كأس آسيا للشباب بكرة القدم أواخر عام 2008، فقال: عدم إجراء أي معسكر خارجي يعود إلى التكلفة العالية نسبيا، حيث نحتاج لحجز صالة تزلج لأيام قد تطول قليلا.
وهو أمر مكلف ولا تخدمه الميزانية التي نحصل عليها أبدا، وزد على ذلك أثمان تذاكر السفر، وحجوزات الفنادق، والتنقلات، وهو أمر لا طاقة للجمعية به في الظرف الحالي. سألته مجددا: ألا تعتقد أن عدم إقامة المعسكر الخارجي ولعب المباريات الودية مع منتخبات قوية قد يؤثر على سوية المنتخب وأدائه وبالتالي نتائجه؟ فأجاب بكل وضوح: «نعم»، مضيفا: لكننا محكومون بالأمل أولا، وبعزيمة أبنائنا وحبهم لوطنهم وللعبة ثانيا.
قلت له: ألم تخاطبوا الهيئة بهذا الخصوص؟
فأجاب: فعلنا، ولكن الهيئة اشترطت علينا أن نقدم استراتيجية شاملة كشرط مسبق لتوفر الدعم، وعندما عرضنا على الهيئة استراتيجيتنا لم يتغير شيء في الدعم، وبقيت الأرقام على حالها.
أزمة الدعم
كم هو حجم الدعم الذي تحصلون عليه سنويا من الهيئة، وما هو الرقم الذي طالبتم به؟
نحن طالبنا بحاجتنا لمبلغ 3 ملايين درهم سنويا، بينما الهيئة تمنحنا شهريا 25 ألف درهم، بما يعني 300 ألف درهم سنويا، وهذا الرقم يكاد يكفي تكلفة لباس اللاعبين فقط، فلباس اللاعب يكلف 7 آلاف درهم، وحارس المرمى 10 آلاف، وبما أن المنتخب يضم 22 لاعبا فهذا يعني أن تكلفة اللباس فقط 160 ألف درهم، ونحن هنا لم نتحدث عن أي شيء آخر من حجوزات سفر وفنادق وتنقلات وحجز صالات ورواتب أجهزة فنية وطبية وإدارية، مضيفا: فحجز صالة التزلج لمدة شهر ؟ مثلا ؟ يكلفنا 120 ألف درهم، والسفر إلى بطولة خارجية يكلفنا ما لا يقل عن 300 ألف درهم، بينما تقدم لنا الهيئة 100 ألف درهم عن كل مشاركة خارجية.
* هذا يعني أنكم تواجهون عجزا كبيرا قبيل السفر إلى تايوان فكيف ستسدون هذه الفجوة، وكيف كنتم تتمكنون من المشاركات سابقا؟
- في السابق كنا نعتمد على الرعاية التجارية التي كانت بالكاد تسد الحاجة، ولكن بعد الأزمة العالمية تراجعت الرعاية لدرجة الاختفاء، وهنا كانت الأقدار رحيمة بنا، وتدخل مجلس أبوظبي الرياضي الذي قدم لنا الدعم الكامل. وأريد أن أكشف لك أمرا مهما وهو أن مشاركتنا في كأس آسيا المقبلة ستكلفنا ما لا يقل عن 500 ألف درهم، مثلها في ذلك مثل مشاركتنا في كأس العالم في لوكسمبورغ بعد الانتهاء من المشاركة الآسيوية، وفي الحقيقة لو تدخل مجلس أبوظبي الرياضي الذي قدم لنا مليون درهم للمشاركتين، لما تمكنا من السفر إلى تايوان ولكنا اعتذرنا عن البطولتين الآسيوية والعالمية.
إلى متى سيدوم دعم مجلس أبوظبي الرياضي، وما هي الحلول المستقبلية لتخصيب مصادر الدعم؟
في الحقيقة مجلس أبوظبي الرياضي قدم لنا الدعم مشكورا لهذا العام، ولن يستمر هذا الدعم في المستقبل، لذلك نحن نشعر بقلق بالغ على مستقبل اللعبة في ظل تفرج الهيئة علينا. ونحن نقوم بمحاولات وجهود كبيرة من أجل جلب الرعاة التجاريين، وشكلنا لجانا من أجل ذلك، ولكن المشكلة أن هذه الشركات تضع في حساباتها أنشطة معينة ذات صبغة جماهيرية.
وأبرز المشاكل التي تواجهنا تتمثل بقلة شعبية اللعبة بالمقارنة مع كرة القدم مثلا. وأنا أتساءل ؟ ويحق لي ذلك ؟ ماذا علينا أن نفعل أكثر مما فعلنا؟! فنحن استضفنا كأس آسيا في أبوظبي وأحرزنا لقب البطولة، ولفتنا نظر عالم اللعبة بأسره إلينا، فما تنتظر الهيئة منا أكثر من ذلك لكي نحظى بدعمها؟ أنا أطالبهم بأن يقيموا مستوى نتائج كل لعبة، ثم يقدموا الدعم والمساعدة بناء على ما يظهر لهم من نتائج. ودعني أؤكد لك من هذا المنبر أنه في حال لم يتواصل الدعم فمستقبل اللعبة التي أحرزت لقب كأس آسيا في خطر حقيقي، وهو مهدد بالزوال تماما.
مساعدة دولية
كشف هامل أحمد القبيسي خلال الحوار عن أن الاتحاد الدولي للعبة هوكي الجليد أرسل خطابا رسميا إلى جمعية الإمارات للعبة يعرض فيه استعداد الاتحاد للمساعدة في تحويل بعض صالات التزلج الموجودة في الإمارات، والتي لم تبن وفق مواصفات عالمية، إلى صالات صالحة للمشاركات ووفق الشروط التي يضعها الاتحاد الدولي للعبة. وأوضح القبيسي أن هذا العرض يأتي في سياق استعداد الاتحاد الدولي لتقديم مساعدة شاملة من الناحية الفنية في مساهمة منه للعمل على تطوير واقع اللعبة في الإمارات.
نجاح
عصافير كثيرة بحجر واحد !
قال القبيسي إن الأهداف الكامنة من استضافة كأس آسيا في 2009، جعلتنا نضرب عدة عصافير بحجر واحد: فنحن لفتنا نظر العالم بأن بلدا صحراويا يستطيع أن يبدع في ألعاب ثلجية، ورفعنا مستوى شعبية اللعبة لدرجة أنه من ثمار هذه الاستضافة واللقب الذي أحرزناه فتحنا مدرسة لهوكي الجليد تحت إشراف نادي أبوظبي للعبة وبات لدينا أكثر من 120 لاعبا صغار السن.
بالإضافة إلى عشرات اللاعبين تحت 17 سنة، بل إن الأمر لم يقف عند هذا الحد، وإنما اضطررنا للاعتذار عن تلقي كثير من طلبات أولياء الأمور من العائلات الإماراتية عن عدم استطاعتنا تلبية رغباتهم بضم أبنائهم إلى مدرسة الهوكي بسبب الضغط والعدد الكبير الذي انضم إليها. وأوضح القبيسي أن هذه الخطوة سيكون لها انعكاس بالغ الإيجابية على مستقبل اللعبة، قائلا: يمارس اللعبة حاليا من أبناء الدولة حوالي 30 لاعبا فقط على مستوى الكبار، وإذا كنا من هذا العدد المتواضع استطعنا أن نشكل منتخبا وينال بطولة أكبر قارات الدنيا، فكيف سيكون عليه الوضع عندما يكون الاختيار من بين حوالي مائتين لاعب في المستقبل القريب؟!
أزمة
مشكلة البنية التحتية
في سياق استعراضه لأبرز الصعوبات التي تحول دون تحقيق نمو أفقي أكبر للعبة، قال هامل أحمد القبيسي إن إحدى أبرز المشاكل تتمثل في افتقارنا إلى صالات التزلج، مبينا أن في الإمارات يوجد ثلاث صالات فقط في أبوظبي والعين ودبي، أما باقي الإمارات فهي لا تعرف شيئا عن اللعبة.
وهذا من العوامل المؤثرة على انتشار هوكي الجليد الذي أرى أن مستقبل هذه اللعبة قد يكون مشرقا في الإمارات، لأن اللاعب المحلي أثبت أنه يمتلك الخصائص التي تعينه على التألق في هذا النشاط. لكن نائب رئيس جمعية هوكي الجليد عاد ليؤكد أن هذه المشكلة في طريقها إلى الحل في المستقبل القريب لسببين الأول يتمثل بأن بعض مراكز التسوق بدأت تلتفت إلى أهمية أن تحتوي على صالات تزلج لما للأخيرة من فوائد ترفيهية قد تدر أرباحا على أصحابها.
أما السبب الثاني وهو الأهم فيتمثل باكتشاف خبراء الاتحاد الدولي لهوكي الجليد لمادة صناعية جديدة تحمل نفس خصائص الثلج، يمكن أن تحل مكان صالات الثلج للتدريبات والمباريات، مشيرا إلى أن ما تتميز به هذه المادة هو انخفاض تكلفتها، وإمكانية نقلها إلى أي مكان، لافتا إلى أنهم يعملون على استيراد هذه المادة لفرشها في عدد من الأماكن في مختلف إمارات الدولة.
حوار - جهاد عدلة


