صعوبة مشاهدة مباريات بطولة افريقيا مازالت تقلق الرأي العام المصري بسبب ارتفاع قيمة حقوق البث المملوكة لقناة الجزيرة من جانب و تعذر الحصول على بطاقات المشاهدة من جهة أخرى. وتوالت الاتهامات من المشاهدين غير القادرين على الشراء الى قناة الجزيرة بدعوى الاحتكار.
كما انهالت الاتهامات الى المسئولين في وزارة الاعلام المصرية لعدم جديتهم في السعي للحصول على حقوق البث والتأخير في بدء المفاوضات عليها، و مع صدور عدة فتاوى من دعاة لهم صلة بجامعة الأزهر ذات المكانة الدينية الراسخة تبيح اللجوء للوصلات الفضائية غير الرسمية لمشاهدة المباريات، وسط هذا كله تحولت قضية التشفير الى ساحة للجدل. اتحاد الكرة المصري تلقى انتقادات حول تفريطه في الحصول على حقول البث من الاتحاد الافريقي المالك الأصلي.
ولكن ايمن يونس عضو مجلس الادارة يرى ان شراء حقوق بث بطولة افريقيا ليست مهمة اتحاد الكرة بل مهمة الدولة وتحديداً وزارة الاعلام، وقال: قرار الشراء بهذه المبالغ المالية الضخمة أكبر من قدرة اي جهة بما فيها ادارة التلفزيون المصري، بل مسؤولية الدولة. ويرى فتحي نصير مدير الادارة الفنية باتحاد الكرة ان شراء حقوق البث الفضائي حق أصيل للدولة، لأنه نوع من الاستثمار الذي يمكن الاستفادة منه مادياً وأدبياً و وطنياً.
ويرفض فهمي عمر الاعلامي القديم وصاحب البرامج الاذاعية الرياضية قبل نصف قرن ما يسمى بالمناشدات من أجل مشاهدة مباريات بالمجان مؤكداً ان كل المنافسات الرياضية تباع وتشترى و من الخطأ الزج بالسياسة في هذا الأمر. ويشير الى انه عاش ايام كانت مباريات كأس العالم تذاع بالمجان، ولكن المفاهيم تغيرت وعلينا مواكبة العصر.
ويرى ايضاً ان موافقة قناة الجزيرة على بث مباريات منتخبي مصر و تونس خلال البطولة لا يعني انتهاء المشكلة، بل هي قائمة في تشفير باقي المباريات ومستمرة في كأس العالم 2014 بالبرازيل و مابعدها في 2018، ووجه فهمي عمر الشكر الى الدولة لقيامها بشراء حقوق بث 22 مباراة من مونديال جنوبا افريقيا 2010 بمبلغ 22 مليون جنيه بواقع مليون جنيه للمباراة الواحدة، وتسائل: ماذا نحن فاعلون ازاءالتشفير وارتفاع الاسعار؟
استفادة
اصحاب المقاهي في مصر هم اكثر المستفيدين من التشفير في بطولة افريقيا، فالمقاعد محجوزة والحضور كامل العدد، و المشروبات غالية الاسعار تشمل ميزة المشاهدة، وعقب فوز متخب مصر على نيجيريا عاد الاهتمام تدريجياً الى الجماهير وازدحمت المقاهي الشعبية الرخيصة وكذلك المقاهي الحديثة التي تحمل اسماء عالمية، ووصل سعر المشاهدة مع المشروب الى ثلاثين جنيهاً وتقدم بعض المقاهي عروضاً جاذبة مثل المشروب الثاني بنصف الثمن، او تخصيص المقاعد الامامية باسعار مضاعفة.
واستفاد من التشفير ايضاً محلات الاجهزة الكهربائية المتخصصة في بيع ج.. الشاشات الكبيرة والتي انتشرت في الاندية والمقاهي والمراكز التجارية ويتم تأجيرها احياناً، وكلما اتسعت مساحة شاشة العرض كلما زاد الاقبال على مشاهدة المباريات عليها. والطريف ان بعض محلات الاجهزة التجارية تعرض المباريات على شاشات ضخمة في واجهاتها مما يضمن زحاماً دائماً لا ينقطع عليها باعتباره وسيلة جذب للشراء.
وفي محاولة من الدولة للتخفيف من معاناة البسطاء قامت اجهزة حكومية بوضع شاشات ضخمة في مراكز الشباب و الاندية تتيح للشباب مشاهدة المباريات بالمجان، والطريف ان بعضها يتم عن طريق وصلات سلكية غير مشروعة.
وفي جامعة الدول العربية بالقاهرة و خلال اجتماع لوكلاء وزارات الاعلام العربية قبل ايام تم طرح قضية حقوق البث و التشفير مجدداً و لم تكن المرة الأولى، و بعد نقاش مطول بدا خلاله اتجاهات الانحياز للمشاهدة المجانية من اجل الاغلبية غير القادرة على الدفع المالي، لكن في النهاية انفق جميع ممثلي وزارات الاعلام العرب على ان شراء حقوق البث الفضائي تتجاوز قدرات الحكومات و انها عملية تجارية تخضع لمبدأ واحد فقط هو العرض و الطلب، وانفض الاجتماع دون مبادرات او حلول.
حكاية البث
حكاية البث الفضائي بدأت قبل ظهور الاطباق اللاقطة فوق المنازل، أي قبل 45 عاماً عندما كان الفيفا يمنع حقوق البث الى مناطق جغرافية، وظهر ما يسمى باتحاد الاذاعات العربية التابع لجامعة الدول العربية ومقره في تونس، وتولى شراء الحقوق مقابل مبالغ لا تتجاوز مليون دولار باسعار تلك السنوات وبدوره كان يبيع هذه الحقوق للدول العربية باسعار شبه مجانية.
ومع مونديال 1998 تغيرت قواعد اللعبة واكتشفت الفيفا ان الدجاجة يمكن ان تنتج ذهباً وظهر ما يسمى بالشراء الحصري او الاحتكار الفضائي او التشفير وكلها مصطلحات لم تكن معروفة، وقام ببيع الحقوق بارقام باهظة ليقدم مساعدات للدول التي تطبق الاحتراف وتواجه غلاء العاقدات، ويقدم ايضاً معونات للدول الفقيرة لتشييد ملاعب جديدة وتطوير كرة القدم لديها. الفيفا وجد في بيع حقوق البث وسيلة للاستفادة المادية، وتطور الأمر بظهور شركات اعلامية تشتري منه حقوق البث حصرياً ثم بيعها لمن يرغب بأعلى سعر وفقاً لشروط صارمة لا عرف العاطفة تجاه «المشاهد الغلبان».
اعتراف
الدكتورة ماجي الحلواني عميدة احدى كليات الاعلام في مصر و عضوة اتحاد كرة القدم ووالدة نجم الزمالك السابق حازم امام تعترف ان الاحتكار الفضائي جديد علينا في العالم العربي بعد سنوات وعصور من المشاهدة المجانية، لهذا ترتفع الاصوات الرافضة لممارسات قناة الجزيرة حاليا وقبل ذلك كانت الاصوات تعارض احتكار قنوات ART و تتساءل الدكتورة الحلواني نحن لا نرفض شراء حقوق البث.
ولكن نرفض المغالاة في الاسعار فقد كان المطروح عشرة ملايين دولار مقابل عشر مباريات، مما افسد مزاج التفاوض حتى مع تخصيص الاسعار من جانب الجزيرة وقالت: ماذا سنفعل في المستقبل والبطولات القادمة وعندنا اولمبياد لندن 2012، وتلاحظ الدكتورة ان مؤسسات الاعلام يجب ان تقدم رسالة الى جانب الربح ولكن نحن نرى ان الهدف الوحيد من الاحتكار هو الربح وهذا خطاً بالغ يتعارض مع اخلاقيات الاعلام.
الرأي الآخر
وفي تصريحات توضيحية ادلى بها حسين عبد الغني مدير مكتب قناة الجزيرة بالقاهرة، اكد ان السعر المطروح تم تخفيضه بنسبة 50% و كان عشرة ملايين دولار و انتهى الى خمسة ملايين فقط، و مع ذلك رفضت وزارة الاعلام المصرية الدفع و نشرت الصحف ان رئيس الوزراء رفض المبدأ.
وقال: تونس ايضاً رفضت لكن الجزائر دفعت عشرة ملايين دولار، اضاف ان قناة الجزيرة قدمت تنازلاً الى مصر من أجل الجماهير بنقل مباريات مصر و تونس في الدور التمهيدي على القناة غير المشفرة، و قمنا باذاعة اغاني تشيد بالفريق المصري عقب الفوز على نيجيريا، ما الذي يمكن ان تقدمه الجزيرة اكثر من ذلك. ومال زال الجدل مستمراً في مصر حول حقوق البث الفضائي لبطولة افريقيا.
علاء اسماعيل
