عند تأمل وجوهها.. تثبت صورة الحياة مطولاً عند «الغابة»، فتكاد تتمثلها بكائناتها، ألوانها وتفاصيلها، صفات أبطالها التي استعارها بنو البشر وكرسوها خيراً وشراً، رذيلة وفضيلة، شجاعةً وخنوعاً. خوفاً وأماناً.

مجتمع الحيوانات مدعاة للتأمل، وفي أكثر من موضع حثت الآيات القرآنية الكريمة على تأمل الكائنات الحية وإعجاز خلقها، بمختلف صفاتها، بل واتخذت من بعضها أسماءً لسور قرآنية حملت لبني البشر العظة والعبر، من النحل إلى النمل والهدهد وغيرها من الكائنات التي اعتبرها القرآن أبطال قصص يعتبر من أولي الألباب.

على اختلاف صفات الحيوانات، وتنوع سلوكياتها، إلا أنها تتسم بالشفافية، أي بعد «عشرة» عمر معهم منذ بدء الخليقة، مازال الثعلب مكاراً.. والكلب وفياً، وستظل السلحفاة بطيئة والطاووس متباهياً مغروراً، وتبقى الأمثال تُضرب بصبر الجمال وحرية العصافير وزهو الفراشات الملونة.

الحيوانات كما البشر تماماً، تعيش حياةً يومية تشغلها مسؤوليات تأمين الطعام للأسرة وتوفير السكن، والتزاوج رغبةً في البقاء، بينما يعتبر بنو البشر أن تلك هموماً تخصهم ولا أحد يشقى في الدنيا سواهم، على الأقل الحيوانات تشقى بصمت! وتعتبرها جزءاً في فيلم ممل لا بُد أن يُعاش بتفاصيله.. عيبها الوحيد أنها لا تفكر في المستقبل البعيد، وميزتها أن طاعتها لله فطرية، وصلواتها سرية، ولا رياء في العبادة، ولا تثرثر كالبشر!.

في الحياة نرى جِمالاً غير تلك التي ركبها الأهالي في الصحراء، وقروداً غير المحبوسة في حديقة الحيوان، ونسوراً ألفت التحليق في أجوائنا واستأثرت بإعجابنا، وأبقاراً لم تشهدها المزارع والحظائر في غزارة إنتاجها، غير أنها تبقى تمارس دور الحلوب بينما يتمتع غيرها بالفوائد، وتتحمل لوم استغلالها من قبل الآخرين، فلا بد أن تكوني أيتها البقرة أكثر حرصاً على حليبك.. يا أم البركة يا سخية.

أما أنت أيها الجمل فعلى صبرك واحتمال الظروف القاسية فأنت متهم بسهولة الانقياد والانصياع لأوامر الآخرين، فصبرك لا يشفع لك.. أمام القرارات المصيرية. في الحياة كذلك خنازير مسؤولة عن قذارة انتشرت على مسمع ومرأى العالم، على الأقل خنازير الحيوانات فُطرت على القذارة، أما خنازير البشر فهم مستترون بثياب فاخرة ملونة.

غير أولئك الأبطال من الحيوانات، هناك من يختبئون ويعملون بصمت أكبر، كالعناكب البشرية، تسعى بحيلة ولا تيأس، في الزوايا المُظلمة والمهجورة تستغفل المحيطين بها، تنسج بيوتاً هي أوهن البيوت، وبالرغم من هندستها الدقيقة، لا بد أن تأتي رياح التجديد ويهوي بيت العنكبوت.

في عوالم أصغر.. وطبقات أدنى من مجتمع الحيوانات البشرية، تعيش الطفيليات. تتكل على غيرها، كالذباب المتكئ على القمامة، والبعوضة التي تحوم حول المستنقعات، هناك بشر كذلك. وبالرغم من تفاهتهم إلا أنهم كثر.. والكثرة في الحياة تتفوق على الشجاعة. فاحذروا أيها الشجعان من المتطفلين.

في تلك الطبقات الدُنيا تعيش أساطير النشاط والعمل المنتظم الدؤوب، فكم من نحلة بشرية أنجزت عملها ونقلت طيب العسل لغيرها، ولم تول اهتماماً للكراسي، وكم من نملة أحسنت تدبير عملها في المنزل والمكتب، وثابرت صيفاً لتجني شتاءً، وبالرغم من صغرها إلا أن حرصها وانتظامها فاق حجمها أضعافاً، بارك الله فيك يا مُثابرة، وأبعد عنك شر حسد البومة وخراب الغُراب، وما أكثرهم في هذا الزمن. ولكن في ظل وجود الحمام البشري.. لا يزال هناك متسع للسلام والتصالح.

هناك أيضاً من يتمثلون الجياد والخيول بأصالة معدنهم، لابد أنك قابلتهم يوماً، لا يليقون سوى بالصفوة ممن يتوخون حسن المعاملة ويحفظون العشرة، قد يُخطئون ولكن لكل جواد كبوة!..

أيتها الأنثى.. صحيح أنك ملساء وناعمة كالحية، ولكن لا مفر من وقارك وجمالك الطاووسي، فآيتك أنك جمعتِ مظاهر الحسن واللؤم، فابتعدي عن أنكر الأصوات وترفعي عن قذارة الخنازير، وثابري كالنملة، وانقلي الطيب كالنحلة، وغردي كالبلبل.

لو لم تكن الحيوانات أكثر صدقاً من الإنسان.. لما كانت حكاياتها مضرباً للأمثال وصفاتها حديثاً للتندر.

مسج:

استخدم ما تملك من مواهب.. فالسكون سيعم الغابة، إن لم تصدح فيها الطيور التي تُحسن التغريد!