أحياناً كثيرة في كرة القدم تؤثر حساسية المنافسة على أداء الفرق، ويأتي الفوز غير مقنع، ولايزال اللعب الهجومي هو الزاوية الأساسية التي تعتمد عليها كرة القدم الحديثة، وهذه دلالة فنية على أن الفرق لها رغبة هجومية في تغيير النتيجة أكثر من التركيز على الدفاع، ولكن يجب الاعتراف فنياً بأن الهجوم يسجل والدفاع يحافظ على الفوز. ولكن هل كان أداء الفرق التي حققت الفوز، مقنعا فنيا؟ اقصد هنا فرسان المنافسة العين والوحدة والجزيرة، أم أن الفوز كان أهم من الأداء؟..

وأما القادمون من الخلف بخطوات ثابتة بني ياس والنصر، كان الطابع الحماسي واضحا على أداء تلك الفرق ولكن بالرغم من الفوز إلا أن هناك انتقادات واضحة لها.

هل لاتزال الفرق التي خسرت في هذه الجولة تمر بحالة من انعدام التوازن في أدائها بالرغم من التدخلات والتغييرات الفنية والإدارية التي طرأت على هذه الفرق، وهنا أقصد الشباب والوصل وعجمان والإمارات، والظفرة. هناك ملاحظة لافتة تهديفياً في هذه الجولة أن كل الفرق سجلت أهدافا باستثناء الشباب، حيث لم تسفر بناءاته الهجومية عن أي فاعلية تهديفية أمام العين. وتعادل الأهلي والشارقة كان في المباراة الأقوى إثارة فنيا في هذه الجولة.

العين والشباب

من أصعب التكتيكات الهجومية في كرة القدم هي خلق تجانس وتفاهم حركي بين ثلاثة لاعبين يمثلون القوة الهجومية الحقيقية للفريق، ومثلث الرعب اللاتيني المكون من فالديفيا وايمرسون وساند، يذكرني تاريخيا بثلاثي الرعب في ريال مدريد الاسباني في فترة الستينات (بوشكاش، خنتو، ديستفانو) من خلالهم اكتسح ريال مدريد الفرق الاوروبية وبنى مجده الكروي. أربعة أهداف في مرمى الشباب لم تكن إلا تأكيداً على الفاعلية التهديفية، والتنوع الهجومي، اللعب على الأطراف والتمريرات العرضية، الاختراقات الفردية، فاعلية المواقف الثابتة، التسديدات المباشرة المباغتة.

هذا التنوع في البناء الهجومي يمنح العين الأفضلية من خلال التوازن التنظيمي لكل خطوط الفريق تكتيكيا، في كل مباراة يظهر العين وهو الطرف الأفضل مهما كانت قوة المنافس. النقطة الفنية التي أتحدث عنها في أداء نادي العين هو الكيفية التي يتحكم فيها العين في أدائه في إدارة ضغوط المنافسة على لاعبيه في زيادة ثقتهم في إمكانياتهم التي تظهر في الرغبة القوية نحو الفوز بالرغم من تقدمهم بهدفين سرى في أداء لاعبي العين حالة من التأرجح النفسي من خلال الاطمئنان إلى النتيجة.

ولكن سرعان ما خرج العين من حالة انعدام التوازن النفسي بسرعة بعد أن سيطر الشباب على مجريات المباراة وكاد أن يسجل هدفاً، فكان رد العين قويا بتسجيل هدفين آخرين صعب مهمة الشباب في محاولة العودة للمباراة، وهذا يرجع إلى القيادة التدريبية لشايفر الذي اظهر شخصيته الانضباطية على أداء العين.

أما النقطة الفنية التي يمكن التحدث عنها هي أن تغيير المدرب سيكون له رد فعل عكسي على أداء اللاعبين، وهذا للأسف لم يحدث مع الشباب، وظهرت أخطاء في أداء اللاعبين وهناك خلل في المنظومة الجماعية لفريق الشباب الذي كان بعيدا عن أي تكتيك واضح، وبكل تأكيد عبدالوهاب عبدالقادر لا يتحمل المسؤولية، إنما كان يمني نفسه بأي نتيجة ايجابية في أداء الشباب.

ولكن ما عاناه الشباب مع سيريزو في الحالة الفنية، وهو كيفية الاستمرارية على نفس المجهود الفني الذي بذله في الموسم الماضي، ولكن البقاء للمنافسة لا يحتاج إلى الثبات على المستوى فقط بقدر ما كان يحتاج إلى تطوير الدافعية الفنية القوية في ادائه، وهذه قصة أخرى في زمن الاحتراف.

النصر والوصل

تتميز لقاءات الديربي في العالم بأنها تكون بعيدة عن أي حسابات فنية أو تكون بعيدة عن أي منطقية تكتيكية، وغالباً ما يتأثر أداء اللاعبين بالحماس في التفوق على الذات بما يحمله الديربي من حساسية في اللقاء. لأنه في نهاية المباراة كان هناك تساؤلان كيف فاز النصر، ثم كيف خسر الوصل؟

باكسلدوف قبل اللقاء انتقد بأنه إلى الآن لم يستطع أن يوظف قدرات اللاعبين في التنظيم التكتيكي للفريق، والانتقاد الهجومي بأن الفريق يفتقد إلى الحلول التهديفية، وهل صحيح أن أداء النصر يتأثر بمزاجية لاعبيه وخصوصا الإيراني إيمان مبعلي؟

أما الوصل فقد وضحت مشكلته الفنية، وتتمثل في نظام اللعب الأفضل لقدرات لاعبيه بحيث إن المشكلة في مدربه جاريماش الذي لابد أن يدرك بأن عليه تكييف أفكاره في نظام اللعب مع إمكانيات اللاعبين.

وهذا ما يضع أمامنا ملاحظة فنية أخرى عن سبب افتقاد الوصل إلى الانسجام التكتيكي في ترابط خطوطه وهذا الأمر غريب في أداء الوصل لا يتعلق بمهارات لاعبيه إنما أمر فني أكبر يتعلق بالتفاعل الفني بين اللاعبين والمدرب في بحث المعادلة الأفضل في أداء الوصل الحائر في نظام اللعب الأفضل الذي يفجر إمكانيات اللاعبين.

النصر خدمته الأخطاء الفردية بشكل مؤثر جدا بالرغم من تحمل حارس مرمى الفريق صلاح حسين مسؤولية الهدفين الأول والثاني من تسديدتين للاعب إيمان مبعلي من مسافة بعيدة، والهدف الثالث من ضربة جزاء الذي تسبب فيه اللاعب العماني الدولي محمد الشيبة حينما ابعد الكرة بيده بشكل غريب. وهنا إشارة إلى أن هناك أمرا غير مفهوم في أداء الوصل، ولكن ارجع إلى نقطة أخرى في أداء النصر بعد الهدف الثالث لماذا تراخي الفريق في مواصلة تفوقه الفني ميدانيا مما منح الوصل التفوق في آخر 20 دقيقة الأخيرة من المباراة!

ولكن لماذا غاب التنظيم والتركيز على أداء الوصل الذي عاب عليه اللعب الفردي خصوصا أوليفيرا، ولكن أوليفيرا مع زي ماريو قبل ثلاثة مواسم غير الآن.. المهم المباراة وضعت استفهاما مشتركا حول المدربين، وما هو الأفضل الذي سيقدمانه للفريقين هذا الموسم في ظل عدم وجود اقتناع فني لأداء الفريقين بالرغم من الإمكانيات التي توفرت لهم.

الأهلي والشارقة

ترك ايفان هيشيك ارثا كبيرا لاندوني بالرغم من انتمائهما إلى نفس المدرسة التدريبية التي تتميز بها وسط اوروبا، ولكن الأفكار التكتيكية متغيرة ما بين الجراءة الهجومية وبين المنطقية والتقدم الهجومي بشكل متوازن، ولكن هذا ما يجعلني أتساءل هل اندوني الروماني لم يكتشف قدرات لاعبي الأهلي الذين كانوا نوعا ما مقيدين تكتيكياً في ادوار ومهام افتقدت إلى الحرية في الاداء؟..

أم أن ما يمر به لاعبو الأهلي هي حالة طبيعية يمر بها أي فريق في العالم لمرحلة صعبة الا وهي الاستمرارية للفرق المنافسة. لكل مدرب أفكار تكتيكية، لكن يحتاج إلى من يترجم وينفذ تلك الأفكار في الملعب، كاجودا لعب بأسلوب تكتيكي رائع الا وهو عدم الانجراف نحو سرعة الأهلي في بداية اللقاء ثم البحث عن اللحظة المناسبة لبناء هجمة مرتدة منظمة، وبقي عبدالعزيز العنبري هو الجزء المكمل للمعادلة التكتيكية في المباراة..

أما الأهلي فقد كان مسيطرا على مجريات اللعب بوجود حسني عبد ربه، ولكن معادلة الأهلي افتقدت إلى الكثير من الفعالية وانعدام التوازن بخروجه واحتاج إلى الوقت إلى إيجاد الانسجام في التحركات الهجومية للاعبين أثناء التحول الهجومي، وهذا ما أظهره الأهلي في الشوط الثاني بإعطاء حرية التحرك للاعب أحمد خليل. السيناريو التكتيكي للمباراة هو سرعة الأهلي الذي قابله هدوء الشارقة، وعدم الاندفاع للاعبي الشارقة وراء ما يريده الأهلي.

الهجمات المرتدة المباغتة للشارقة أمام البناء الهجومي الممرحل للأهلي الذي افتقد إلى السرعة والمباغتة، وافتقد إلى الكثير من التحركات من رأس الحربة باري، والبحث عن الحلول التهديفية في خلق مساحة لعب أو تمريرة بينية. الإثارة في آخر 20 دقيقة للمباراة أوجدت هدفي المباراة، أحمد خليل سجل من تسديدة قوية خارج منطقة الجزاء في الدقيقة 73، أما هدف التعادل سجله مصطفى كريم في الدقيقة الأولى من الوقت بدل الضائع للمباراة أعطى تعادلاً مستحقاً للفريقين.

مباريات

الإمارات والجزيرة

نعم لم يقدم الجزيرة مستواه المعهود فكان الأهم هو الفوز بثلاث نقاط وان لا تكون هناك أي مباراة قد تعطله في حصد النقاط. نعم الإمارات قد تفوق على نفسه وسيطر على مجريات اللعب في منطقية أدائه الدفاعي في ظل التأرجح لأداء لاعبي الجزيرة..

نعم اعتمد الإمارات على الحذر الدفاعي ولكنه كان جريئا في هجومه، وهذا ما يجعلنا نبحث عن السبب الذي تحفظ فيه الإمارات في الشوط الأول الذي لم يستغل أداء الجزيرة المتأرجح، هل بالغ أحمد العجلاني في احتراسه الفني الشديد، قد يكون محقا في منطقيته التكتيكية في الشوط الأول من خلال الطريقة الدفاعية التي لعب بها، إلا أن الشوط الثاني تخلى لاعبوه عن المهام التكتيكية في الجراءة الهجومية.

وفى ظل التأرجح الفني للجزيرة غير المفهوم للبعض، إلا أن سلطان برغش في الدقيقة 20 وبمراوغة مباغتة لمدافعي الإمارات سجل الهدف الأول للجزيرة، والمفاجأة بعد الهدف لم يتغير أي سيناريو لأداء الفريقين وهذا ما كان محيرا وغير مفهوم في وقت ترقبنا فيه أن يكون هناك انفتاح هجومي خصوصا من الجزيرة. الشوط الثاني.. تخلى لاعبو الإمارات عن الحذر الدفاعي وتحرك هجوميا بشكل منظم وفعال،.

تفوق

عجمان وبني ياس

مباراة متعة الأهداف، أربعة لبني ياس وهدفان لفريق عجمان، وتلك الستة الأهداف هي أفضل لحظات المباراة، ولكن ما يهمنا فنياً في أداء عجمان هو البطء في التحركات من قبل اللاعبين، ولعل افتقاد لاعبيه إلى الانسجام التكتيكي في ترابط خطوطه بالرغم من النضج والخبرة الذي يتمتع بها لاعبو الفريق يفرض تساؤلا فنياً، أين جماعية أداء الفريق؟.. بالمقابل كان لاعبو بني ياس أكثر حيوية ونشاطا وسرعة في تحركاتهم الهجومية.

بني ياس أكثر تنظيماً وانسجاماً، وأكثر رغبة في الفوز، وكان واضحا اصرار لاعبيه على التسجيل من خلال التنوع الهجومي في الاختراق الفردي الذي تميز بالسرعة في التحول الهجومي والارتداد الدفاعي، ولكن المنظومة التي لعب بها بني ياس المكونة من رباعي الوسط عامر عبدالرحمن، ذياب عوانه، فوزي بشير، سلطان الغافري هؤلاء تميز أداؤهم باللامركزية في مراكز اللعب الذي أعطى المرونة التكتيكية للفريق وهذا ما يثبت انسجام التحركات التكتيكية للاعبين في البناءات الهجومية، هنا أتساءل لماذا افتقد أداء عجمان إلى التركيز التنظيمي؟ بني ياس حقق ما هو المطلوب منه في استراتيجية كسب النقاط المهمة في الدور الأول.

تحليل ـ عبدالله حسن عبدالله