هناك من يتصور أن المخلوقات الأخرى غير بني البشر كالحيوانات والطيور مثلا.. لا تفهم؟ وأنها لا تكن مشاعر كما تكنها النفس الإنسانية لمن حولها؟ لكن الواقع يقول غير ذلك، وهنا دليل عملي حدث معي أنا فاطمة محمد شخصيا لتجربة فريدة من نوعها.
في العام 1988 كانت ابنتي طفلة في عامها الأول وبالكاد تخطو خطواتها الأولى نحو المشي. كان الشتاء قاسيا وعاصفا في ذلك العام، وذات نهار اشتدت العاصفة وانهمر المطر غزيرا، اتلف عددا من أعمدة الإنارة كما اسقط بعض الأشجار، وأطاح بعش كانت حمامة بنته فوق سطح مكيف الهواء في بيتنا، وبه فرخ كان كتلة لحمية مكسوة بجلد حار لا تملئ قبضة الكف الواحدة.
التقطته ووضعته في صندوق ورقي، حاولت تأمين التدفئة اللازمة له بواسطة مصباح كهربائي جعلته فوقه مباشرة بمسافة معتدلة لكن لم تكن المعضلة في التدفئة وإنما في غذائه، ويبدو أن أمه الحمامة قد فرت من شدة العاصفة، بينما الفرخ لا يزال في البيضة التي فقست قبل أوانها بسبب ارتطامها ببلاط الأرض.
واستبدت بي الحيرة.. فأين أنا من هذه المعرفة؟ وكيف لي أن افهم حاجة فرخ طائر لم ينبت له حتى الزغب بعد!
وبفضل الله شرعت بقطر قليل من الماء والسكر في جوفه بواسطة قطارة للعين.
وبدأ الفرخ يستجيب، وبدأ ينمو وأخذ الزغب يكسو جلده الرقيق، ثم طورت تغذيته وبدأت بتجربة الخبز المنقوع في الماء، ثم ألقمه إياه عبر منقاره بعدما اضغط على جانبي المنقار بإصبعي الإبهام والسبابة بلين. وهكذا بدأ الفرخ يكبر ونبت له ريش اسود فأسميته سويدان، وصار كلما ناديته يقبل نحوي.
وإذ انتهينا من تعلم كيفية تغذيته وقد كبر، فقد جاءت مرحلة الطيران فكيف علي تدريب طائر لم ير طائرا أمامه قط، ولم ير أمه، وأصبحت أمامي معضلة تعليمه الطيران. لكن غرابة التجربة كانت دافعا خاصة بعدما نجحت في المحافظة على حياته وتغذيته بما أمكن وكل ذلك بفضل الله.
وبدأت بالتجربة بان امسك بقائمتيه بقبضة يدي ثم ارفع سويدان بهدوء ومن ثم اهبط بيدي بقوة وأنا لا أزال ممسكة بقائمتيه وكردة فعل الكائن الخائف كان يرفرف بجناحيه بقوة أدركت اني في الاتجاه الصحيح، وهكذا بدأت عضلاته تقوى، وتطور الأمر فصرت اقذف به إلى علو بسيط وأفلته من قبضة يدي فيسقط وهو يرفرف على الكنبة. بعد أيام رفعت معدل المسافة إلى ارتفاع الستارة فكان يهبط على مثبتها المعدني ثم ادعوه باسمه فيحلق نحوي.
نجحت التجربة وسعدت بهذا الانجاز، وكل ذلك وسويدان لا يعرف له أما سواي. حتى حانت لحظة كشفت عن مشاعر هذا المخلوق، كنت قد أخبرتكم ان ابنتي بالكاد تخطو في تلك الفترة وذات يوم كانت تتجه نحوي بخطوات متعثرة وأنا أشجعها كي تتم خطواتها بلا سقوط، وما كدت احتضنها حتى هجم سويدان علينا، ظننت أنها مصادفة، بعد ذلك تكررت الحادثة فظننت انه يشارك باللهو، في المرة الثالثة أدركت انه هجوم لإيذائها، فقد تمكنت بأعجوبة من حماية عين الطفلة من منقار سويدان أدركت على الفور أنها مشاعر الغيرة التي تمكنت منه.
كيف عاقبته، وكيف عالجت الأمر؟ تلك تجربة أخرى.
