على سجادة مضيئة بشيء من نور فجر جديد، وقليل من ضوء نافذ عبر قلب الباب الزجاجي القريب، في مكان يتسع لقطع أثاث معدودة، ويكتنز ثرثرة المشاعر الباقية، التي يرتشف حنينها الأبناء والآباء على شرف الأجداد، تستقبل عفراء صباحاتها.. بشيء من اللهفة تتوق للجلوس في مكانها المعتاد..

وبشغف الأطفال تُدير موجة المذياع دون التمعن في تردد إذاعتها المفضلة، تلتقطه بأناملها وتدرك ذلك بعد تناهي صوت «بوعمر» إلى مسامعها، صديق صباحاتها المتشابهة.. تتفرج عفراء عبر بثها المباشر على مسرح الحياة، وتسمع حكايات ناس تقاسمهم الزمان والمكان.. وتنتقل من فريجها الصغير إلى عوالم أوسع.. تسمع ضجيجها فقط عبر المذياع.

صوت الصبح المنبعث من «دريشة» تستمد أخبارها من موقع الحدث يرسم باقي ملامح الصورة، هدير باص المدرسة يؤذن ببدء يوم دراسي في حياة عواشي الصغيرة، وبقية البنات، يليه انصراف سالم وابن الجيران خلفان إلى المدرسة بصحبة السائق، صوت سيارة اسطوانات الغاز يدنو ويختفي.. بعد دحرجتها على بلاط «الحوش»، الجريدة بين يدي الخادمة تتمدد على الطاولة بانتظار فسحة في نهار عفراء لتغرق أهل البيت في التساؤلات وتتأمل بعض الصور.

الروتين في نهارات عفراء خلق نظاماً، فعندما يبدأ المذياع ببث موجز التاسعة تُطل الجارة سعيدة لتناول «قهوة» الصباح مع عفراء وتحظى بفحص سكر مجاني، وعندما ينتهي البث المباشر يكون موعد «النرس» ليلى قد أزف، فلا بد من برقع جديد وقطرات من العطر المعتق حتى فصول تكتمل الزينة.. عند الثانية عشرة، تُطل أم مصطفى..

بعد أن تأكدت من وضع الغداء واطمأنت على سير الأمور في المنزل، تسترق الوقت لتحظى بما تبقى من جلسة تذكرها بالأم والوطن..، وبلهجة قريبة «كيف حالك يا أمي.. سامحيني ما قدرت آجي امبارح كان عندي شغل كتير».. «مسموحه يا امي.. شو حالهم أهلج سلمي عليهم يوم بترمسينهم».. على ذات السجادة تجلس أم مصطفى وتصب فنجاناً من القهوة.. وتقرأ الجرائد لعفراء على عجل.. وتمضي كل منهما لصلاة الظهر.. وتكرر عفراء بعبارتها المعتادة «تعالينا العصر يا امايه.. ما يلستي ييتي مستعيله وروحتي»..

العصر

بعد صلاة العصر تتسع أطراف السجادة لممثلين محليين وآخرين من مختلف الدول العربية، نسيجها الجغرافي المُطعم بالآسيوي يجمع الشامي والمغربي وما اقترب منهما، بحميمية التاريخ وحدود فرضتها الجغرافيا، على مائدة العصر، يتجاور المعمول الشامي والشاي اليمني، والقهوة المحلية وتتوحد اللهجات رغبة في المزيد من التواصل مع فاطمة، فتصبح محلية طريفة، لا تخلو من مثل يقفز من خارج الحدود وخلطة مصرية إماراتية تجود بها الجارة ثريا القادمة للتو «هلا أمايه..

سامحيني محدش خبرني إنك موب صاحيه وإلا كنت جيت من بدري».. تغرق بعدها الحاضرات في موجة من الضحك.. ينصرف الجميع بعد صلاة المغرب، وينطفئ القنديل حتى يشتعل الصبح مجدداً..

بين صبح وعصر لا تمل عفراء تلك الوجوه.. ولا ترغب في انطفاء فوانيسها القديمة، بل تحلم في احتضانها يومياً، في قصة تشبه ممارسة الهوايات المحببة إلى القلب..

مفاهيم

سجادة عفراء رمز آخر للفريج بتفاصيله الصغيرة وخطوطه العريضة، بمزيجه الثقافي وخليط لهجاته، عالمنا الكامن ومدرستنا المتحركة.. على أرضه وتحت سمائه منظومة اجتماعية متكاملة، تحكمها سلوكيات يأخذ الجانب الإنساني فيها حيزاً كبيراً. الفريج مفهوم محلي يُطلق على «الحي» أو في أقطار عربية أخرى «الحارة» حيث يتجاوز تعريفه المكان المشترك والبنيان المتجاور بالتحام، ويمتد إلى العلاقات الإنسانية والاجتماعية الناشئة بين أفراده، وسلسلة من القيم الحميدة التي شكلت جزءاً من الثقافة المحلية وقبلها الإسلامية، التي وصت على الجار ورفعت من منزلته.

أما الثقافة المحلية فزخرفت تلك العلاقة بجملة من صور متحركة، ترصدها العدسة في مختلف زوايا الفريج، وأركانه الهادئة والمشتعلة بضجيج الصبية عند العصر، أو احتفالات ومناسبات ارتدت ثيابها البنات والأمهات، العرس في الفريج مناسبة جماعية، تبدأ بصحون دوّارة حول قدر هريس يتم توزيعه قبل يوم الزفاف، وحناء على مقاس الجميع، وتتوغل في مناسبات أكثر خصوصية، مثل طلوع المواليد من الأربعين، ولا تقتصرها على الفرح.. بل للحزن فيها متسع.

المناسبات جزء من الصورة الكبيرة للفريج الحافل بمشاهد يومية تجعله المكان الأحب إلى قلوب قاطنيه، الأبواب المُشرعة على أحداث الحي تُعلن استعدادها لاستقبال الزوار، نحو المزيد من التواصل، وإن لم يكن هناك متسع.. فإن المسجد شاهد آخر على قوة العلاقات، فمن لم تزره.. ستلتقيه حتماً في إحدى صلوات خمس.

ويبقى العبور في شريان الفريج ذاكرة سمعية يتردد عبرها صوت درس الخطيب بعد صلاة المغرب، وحفيف السدرة الكبيرة، وهمس النسوة في «الرايح» المنساب بين البيوت. لا أزياء دخيلة.. ولا سكان ينزعجون من صوت الأذان.. الجميع يدرك سر المكان..

على صفحات الفريج اختبار لخصالك الحميدة، وصور لغرس اجتهدت في رعايته الأسرة، فالشعارات تبقى حبيسة الكتب إن لم تُمارس، وإن لم تتقاسم سيكلك مع ابن الجيران فلن تتعرف على مفهوم المشاركة، وإن لم ترسلي لجيرانك طبقاً من مائدتك العامرة فلن تتذوقي حلاوة الجيران، وإن لم تصل في مسجد الفريج فلن تنعم براحة الإيمان..

وإن أفلت منا طريق الفريج.. فلن يبقى متسع لل!

أمل الفلاسي

aalfalasi@albayan.ae