الحياة كتاب مفتوح مليئ بالدروس والعبر.. وفسحة لمن يريد أن يتعلم من الماضي ويعتبر. فالتاريخ يحكي كثيرا من قصص الأبطال الذين لم يعترفوا بالمستحيل وحولوا حياتهم من البؤس و الخصاصة والحرمان الى الثروة و الغنى.. و من الظلام الى النور.. و من التهميش و الضياع الى الشهرة والمجد.

وما لا يعرفه عامة الناس أن بيليه و مارادونا وتايسون و محمد علي كلاي و دروغبا وزيدان وروني ورنالدو ورونالدينيو وتيري هنري و كريستيانو رونالدو لم يولدوا في القطن .. ولم تلدهم أمهاتهم نجوما تنقل أخبارهم على واجهات الصحف وفي صدارة نشرات الاخبار. بيليه مثلا أسطورة كرة القدم المدهشة بدأ حياته مساح أحذية متجول .. متشرد في الشوارع يأكل من القمامة..ولكنه عانق المجد وبلغ العلا بفضل ايمانه بأنه لا مستحيل في الحياة .. وأن سلاح الارادة والعزيمة يمكنه أن يزلزل الجبال و يمد طرق النجاح بين سفوحها .. والشاعر قال سابقا : لو تعلقت همة المرء بما وراء البحر لناله.

رغم أن بيليه قضى طفولته ينظر دائما إلى تحت .. مطأطئ الرأس منهمكا في مسح أحذية زبائنه فإن مرارة الحصول على لقمة العيش لم تمنعه من تحقيق الاحلام التي كانت تثقل رأسه و هو يمشي بخطى متثاقلة في شوارع ريو دي جانيرو. أراد أن يكسب معركته مع الحياة ونظر الى الأعلى . بنى أحلاما وردية وحياة أفلاطونية جعلته محل سخرية حين يرويها حينئذ لاصدقائه من مساحي الاحذية و نال ما أراد في النهاية .فلم تمض سنوات قليلة حتى أصبح من أفضل اللاعبين في الدوري البرازيلي لكرة القدم .

فجر موهبته فوق المستطيل الاخضر و اعتبر كرة القدم المنقذ الذي سينتشله من الفقر والضياع والتسكع في شوارع ريو دي جانيرو. وفعلا خطف بيليه الاضواء وتم ضمه للمنتخب البرازيلي في سن مبكرة جدا ناهيك وانه أصغر لاعب شارك في تاريخ المونديال. وهكذا سطر بيليه لنفسه حياة جديدة مليئة بالنعم و المجد والشهرة والمال . ولم تبق أيام الطفولة بالنسبة اليه الا مجرد ذكريات بائسة من الماضي الغابر.

وليس بيليه وحده من حول حياته بسلاح الارادة والطموح الى مجد تليد بل مارادونا أيضا غريمه الابدي عاش حياة مشابهة للاسطورة البرازيلية . فقد نشأ ديغو ارماندو مارادونا في حي شعبي فقير .. وولد في اسرة متواضعة جدا ولكنه غير ما بنفسه بفضل طموحه والموهبة التي وهبه الله اياها. فقد استطاع أن يصبح نجما عالميا تهتف باسمه الملايين في الارجنتين و في كل بقاع الدنيا عندما كان لاعبا يرسم بأنامل أقدامه لوحات كروية مسلية للقلوب مدهشة للعقول على البساط الاخضر. ولكن مارادونا شوه نجوميته و انجازاته بتعاطيه للمنشطات التي جلبت له كثيرا من المآسي في حياته .

طفولة قاسية لزيدان

ولد زين الدين زيدان في إحدى الاحياء الفقيرة في مرسيليا وهو الخامس بين إخوته . والده كان فقيرا ترك قرية بوخليفة التابعة لمحافظة بجاية الجزائرية و هاجر الى فرنسا بحثا عن المال. بدأ زيدان لعب كرة القدم في الحي مع الأصدقاء كل مساء بعد العودة من المدرسة . كان يلعب حافيا لأن عائلته فقيرة ولا تقدر على توفير حذاء له. وفي سن الرابعة عشرة شعر (زيزو بأنه بحاجة ماسة الى حذاء حتى يفجر موهبته الكروية أكثر) و باعتبار ان زيدان أصغر أشقائه كان مدللا فقد عمل والده شهرا كاملا وجمع له ثمن الحذاء ليرتدي أخيرا زيزو حذاءه الأول ..

و كان في تلك اللحظات أسعد انسان فوق الأرض. وعندما سلم الاب لزيدان الحذاء قال له :هذا الحذاء وأريدك أن تصبح مثل ميشال بلاتيني. وفعلا كان زيدان مثل بلاتيني وأفضل منه . فقد أصبح بعد سنوات قليلة نجما في بوردو الفرنسي ثم انضم ليوفنتوس الايطالي قبل أن ينتقل الى ريال مدريد في صفقة خيالية بلغت في ذلك الوقت 64 مليون يورو.. وقاد زيزو فرنسا للفوز بلقب المونديال عام,1998. نعم لقد استطاع الطفل الحافي أن يصنع كل هذه المعجزات .. ولكنه ظل متواضعا وفيا لاصوله الجزائرية وغير ناس لطفولته البائسة في مرسيليا.

رونالدينيو ودع الفقر في القاهرة

تماما مثل رونالدو بيليه و روماريو وغارينشا وأغلب نجوم السامبا نشأ رونالدينيو في حي بمدينة بورتو أليرو . وتعرف أحياء هذه المدينة بالفقر والمجاعة وانتشار تعاطي المخدرات. وقد اختار رونالدينيو أن يسلك طريق كرة القدم حتى ينجو من الخصاصة والاحتياج و وجد تشجيعا كبيرا من شقيقه روبيرتو الذي كان لاعبا سابقا في فريق غريميو البرازيلي .

وبفضل فنياته العالية استطاع رونالدينيو النجاح بسرعة مع نادي غريميو في اصناف الناشئين. ولكن ما لا ينساه رونالدو هو مشاركته في مونديال الناشئين بالقاهرة عام 1999 حيث توجت البرازيل باللقب و فاز هو بلقب الهدافين بعدما لامس قمة الابداع الكروي وأظهر براعة خارقة في المراوغة واحراز الاهداف.

ومن القاهرة بدأت المكالمات الهاتفية تهطل من أوروبا وتطلب قدميه بالملايين. أول العروض جاءت من ايندهوفن الهولندي مقابل 8 ملايين دولار ولكن رئيس نادي غريميو رفض على أمل وصول عروض أفضل . وفعلا فقد تلقى عرضا آخر من ليدز الانجليزي مقابل 30 مليون دولار و لكن رئيس الفريق رفض مرة أخرى آملا في صفقة افضل إلا ان رونالدينيو غضب و اعترض على موقف النادي لأنه بات متشوقا لطرق أبواب الاحتراف الاوروبي وقد لعب رونالدينيو ورقة رفض اللعب و التراخي ليجبر أخيرا رئيس غريميو على بيع رونالدينيو لباريس سان جيرمان الفرنسي مقابل 7 ملايين دولار فقط.

وانتقل لاحقا الى البارسا بمبلغ 35 مليون يورو. ورونالدينيو ليس في حاجة الى تعريف فهو من ألمع نجوم الكرة في التاريخ وهو من صنع امجاد البارسا وهو من قاد السامبا للفوز بلقب المونديال عام 2002 وهو من ابكى الانجليز واخرجهم مبكرا من المسابقة بهدف تاريحي من وسط الميدان. ورونالدينيو اليوم من أثرياء النجوم وصاحب شهرة ومجد ولم يعد للفقر في سجلاته أثر.

دروغبا وايتو .. وبقية الأفارقة

وعلى غرار البرازيليين فإن الافارقة كثيرا ماكانوا المثال الرائع للانسان الذي صنع مجده بنفسه وقلب حياته من النقيض الى النقيض والملاعب الاوروبية تزخر اليوم باللاعبين النجوم المنحدرين من عائلات فقيرة عاشت الجوع و الحرمان . ومن قصص لاعبي القارة السمراء نسرد عليكم حكاية دروغبا مع الثراء والمجد.

نشأ دروغبا في احد الاحياء الفقيرة في مدينة أبيدجان وهاجر في سن الخامسة الى عمه في فرنسا الذي كان يلعب في الدوري الممتاز هناك . وبعد 3 سنوات عاد الى ابيدجان وبدأ يلعب كرة القدم في مواقف السيارات مع أطفال الحي. وعند بلوغه سن الحادية عشرة تدهورت الحالة المادية لعائلته فأجبر على العودة الى فرنسا والحياة بعيدا عن حنين العائلة وذلك في كفالة عمه.

وكان دروغبا مدركا أن مستقبله في كرة القدم لأنه لم يترك وراءه في الكوت ديفوار الا الفقر لذلك اجتهد في عالم الكرة عندما انضم لنادي ليفانو وقاده للفوز مرتين بلقب دوري الناشئين ليلفت اليه الانظار ضمه نادي لومان الى صفوفه عام 1999 ثم انتقل الى غانغان في الدوري الممتاز ولم يترك دروغبا فرصة البروز وتوديع الفقر تمر حيث تألق وسجل 17 هدفا . وهكذا عجل أولمبيك مرسيليا بالتعاقد معه فسجل له في موسم( 2003-2004) 18 هدفا. و انتقل دروغبا لاحقا الى تشلسي الانجليزي بطلب من المدرب مورينيو ودفع له 24مليون يورو.

تايسون الصعلوك

بدأ الملاكم مايك تايسون حياته صعلوكا يترنح في الشوارع مخمورا يطارد الحسان ويغازلهن بخشونة .. كان رجل قضايا يزور مركز الشرطة باستمرار لما يقترفه من جرائم .. لقد كان شابا قوي البنية متيما بالعنف واستعمال القوة . هذه الخصال قادته الى ممارسة رياضة الملاكمة في احد السجون التي كان يقبع بها. وهناك اشتد عوده وصمم على احتراف اللعبة لتبدأ رحلة المجد.. ويعلن التاريخ ميلاد بطل عالمي جديد في الملاكمة.

فقد افترس تايسون خصومه بشراسة وتسلى بهم فوق حلبة المنازلة حتى بات يمثل كابوسا مرعبا للملاكمين ليجد بالتالي طريقه سالكة نحو الفوز ببطولة العالم وأصبح الرجل الاول في الفن النبيل. وتحولت حياته من الفقر والخصاصة الى مليونير و نجم تطارده عدسات المصورين.ومن قبل تايسون كان محمد علي كلاي قد صنع قصة بطل رائع مازالت تتناقلها الاجيال جيلا بعد جيل من نازح الى اميركا باحث عن لقمة العيش الى اسطورة حقيقية

حكاية روني مع المجد

فوجئ صاحب وكالة عقارات شهيرة في لندن ذات يوم بشابين من سكان الحي يدخلان ويسألانه : هل يتوفر لديك فيلا فاخرة بطوابق متعددة و مسابح ؟ انزعج صاحب الوكالة لانه تعرف على ملامح الشابين باعتبارهما من سكان الحي وينحدران من عائلة فقيرة ولا يقدران على شراء المنازل التي طلباها فرد عليهما قائلا: أليس لديكم الا أن تزعجوا الاخرين .. اتركوننا في سبيلنا نشتغل .

هم روني مبتسما بالخروج بصحبة صديقه ولم يعرف بنفسه لمن سخر من فقره وطرده . لقد فات صاحب الوكالة العقارية أن الفتى الشقي الذي كان يعرفه أصبح اليوم النجم الاول لمانشستر يونايتد وأن طفولته البائسة انقلبت الى ثراء.

صلاح الدين الشيحاوي