اللافت في قصة ديفيد فيا هذا الصيف أن ريال مدريد لم يكن مستعداً لدفع 40 مليون يورو لتسجيله. وبعد كل تلك الشائعات والصفقة التي أكدتها الصحف ظل ديفيد في مكانه دون انتقال، ومع غرابة القصة يبدو أنه سيشارك مع فالنسيا ضد إشبيلية مع نهاية شهر أغسطس وليس مع ريال مدريد، برشلونة أو الدوري الإنجليزي كما تردّد.
وما زالت الشائعات متواصلة حول انتقال فيا إلى مان سيتي، ليفربول أو مان يونايتد إلا أنه أكد أنه لن يظهر بالبريميرليج. وكان خوان كروز سول ممثل تشيلسي قد ظهر من ملعب ميستايا ورمى المنشفة مؤكداً «فيا يرغب في الانضمام إلى مدريد» والحقيقة أن المفاوضات بين مدريد وفالنسيا قد انهارت حول المال مع رئيس فالنسيا مانويل لورينت الذي أكد أن فيا ليس للبيع إلا إذا قدم النادي عرضاً أشبه بعروض المافيا الخرافية التي لا يمكن رفضها.
ولا يوجد مؤشر حالياً أن عدم الانتقال إلى مدريد وبرشلونة قد يغير رأي فيا لذلك يقول: «اتخذت قراري بأن أواصل اللعب في إسبانيا العام المقبل ولن أرحل إلى ما وراء البحار».هذا التصريح كان مؤلماً جداً للدوري الإنجليزي الذي يعلم تماماً أن فيا أحد أفضل مهاجمي العالم إن لم يكن أفضلهم وهو على استعداد لإثبات ذلك قريباً.
ديل بوسك: فيا أفضلهم
عند سؤاله من يفضل: كاكا أم رونالدو قال فنسنت ديل بوسك مدرب المنتخب الإسباني «فيا» ولم تكن إجابة ديل بوسك مستغربة بل لديه وجهة نظر وجيهة، والأكثر غرابة أن معركة انتقاله هذا الصيف لم يكن سببها طلب فالنسيا أكثر من 40 مليون يورو وذلك بعد أن أنفق ريال مدريد 94 مليون يورو لشراء رونالدو ورفض الريال التخلي عن هذا المبلغ وعندها قال مدير الريال العام جورج فالدانو «هناك لاعبون قادرون على ضخ المال ولاعبون آخرون لديهم قيمة كروية فقط».
ابن «ليبرتاد» و«تروتوسكي»
فيا هو ابن عامل المناجم الذي تعرض جده لحادثتين فظيعتين بمدينته الأم «تويلا» في محافظة اوستورياس التي اشتهرت بثورة 1934، وكانت جدته تُعرف باسم «ليبرتاد» وتعني الحرية، أما والدها فيُطلق عليه «تروتوسكي».
يقول عن فيا أحد زملائه بالجامعة «هناك لاعبون لم يقدموا نصف ما قدمه، ومع ذلك يُعاملون كنجوم لكن نجومية فيا لا يمكن التشكيك فيها».وقد يكون هذا القول صحيحاً بناءً على النجاح الكبير الذي حققه مع المنتخب الإسباني وفوزه بكأس الأمم الأوروبية، أما بالنسبة لفيا فكان هذا الصيف بمثابة مزاد كبير.
ورغم أن ريال أوفيدو رفض فيا لضآلة جسمه عندما كان طفلاً، ويذكر بيبي اسيبال الذي أتاح لفيا فرصة أول مشاركة مع فريق خيخون الذي كان في الدرجة الثانية أن فيا كان يفتقر إلى الروح المطلوبة لترك تأثير حقيقي وكان بحاجة إلى منحه الفرصة شيئاً فشيئاً إلى أن بلغت مقدرته على العطاء إلى درجة لا ينافسه عليها لاعب آخر. ومن الطرائف أنه عندما بلغ التاسعة عشرة استطاع تمزيق فريق ريال اوفيدو إرباً ثم أحرز 18 هدفاً لفريق سبورتنغ بالدوري ثم 20 هدفاً موسم 2002/ 2003.
ومع فريق سرقسطة وفي أول تجربة له بالدوري الكبير أطلق عليه لقب قائد ثورة موسم 2003/ 2004 محرزاً 39 هدفاً خلال موسمين ولم يتوقف عن إحراز الأهداف منذ ذلك التاريخ واحتل لقب أصغر من أحرز هدفاً في أول تجربة له مع فريق فالنسيا طوال تاريخه بواقع 25 هدفاً في أول موسم، أما الموسم الماضي فنجح في معادلة رقم النادي القياسي المسجل باسم ماريو كيمبس وهو 28 هدفاً.
ومع المنتخب الإسباني الذي تأخر استدعاؤه إليه احتل لقب كبير هدافي يورو 2008 رغم أنه غاب عن المباراة النهائية وغالبية نصف النهائي، كذلك أحرز ثلاثة أهداف في مونديال 2006 رغم أن المدرب أخرجه من كافة المباريات التي شارك بها بعد مضي ساعة من كل مباراة، وكما قال فيا «أبذل جهداً كبيراً لأكون جاهزاً وكامل اللياقة خلال آخر 15 دقيقة في المباراة ومعروف أن هذا هو الزمن الأنسب لإحراز الأهداف في المباريات».
أما هذا الموسم فأحرز فيا للمنتخب الإسباني 13 هدفاً خلال 12 مباراة دولية شارك فيها ليصل في إجمالي أهداف إلى 31 هدفاً في 48 مشاركة واحتل الآن مركز الوصافة خلف هداف إسبانيا لكل الأوقات راؤول كما انه شارك في 50 مباراة أقل منه.
23 ثانية بين تضييع ركلة الجزاء والتعويض
عندما أخفق فيا في تسجيل ركلة الجزاء أمام منتخب جنوب إفريقيا في كأس القارات لم يكترث النقاد كثيراً لمعرفتهم بقدراته وبالفعل لم تمض 23 ثانية حتى قام بتعويض الركلة المهدورة بهدف عبقري ومن فرصة أشبه بالمستحيلة وعن ذلك قال أحد مدافعي فريق الانتر المشاركين «جعلنا فيا نبدو كالأغبياء منفرداً».
الإبداع الحركي سر تألقه
يقول النقاد إن السر في تألق فيا هو براعته في الحركة المناسبة ومقدرته على خلخلة تكتلات الدفاع، وإذا وجهنا السؤال لمتوسطي الدفاع بالمنتخب الإنجليزي يقولون إنهم فشلوا تماماً في التكهن بما يفعله فيا ويقول أحدهم «لمسته الأولى مذهلة وكذلك مقدراته التكتيكية وهو موهوب تماماً كما انه يتميز باندفاعاته العرضية بعيداً عن مدافعي الخصم والأهم أنه قادر على اتخاذ القرارات الصحيحة وبسرعة خارقة».
ثم هناك هدوءه الشديد وبرودة أعصابه أمام مرمى الخصم وكذلك طموحه الكبير، وحسب ما وصفه زميله دولياً زابي ألونسو يقول «فيا هداف مطبوع، سريع ذكي وقوي ومميز بالقدمين» وكانت محنته الوحيدة إصابته بكسر عندما كان صبياً، وعندما كانت قدمه في الجبس ظل والده يقذف الكرة تجاهه مرات ومرات بقدمه السليمة الأضعف، ويواصل ألونسو الحديث عنه قائلاً «هداف لا يحتاج سوى ثانية واحدة ليرسل تصويبة مهما كانت المسافة بعيدة ومن ذلك هدفه الشهير في مرمى ديبورتيفو لاكرونا من على بعد 50 ياردة».
والواقع أن فيا أحرز أهدافاً من كل شكل ونوع بالقدمين وبالرأس وعن ذلك يقول «لا أستطيع أن أتذكر كل هدف لكن إذا جلست ومعي قلم وورقة أستطيع أن أذكر غالبيتها، منها 168 هدفاً بالدوري رغم أنني لا ألعب مع أفضل فريق في إسبانيا، وفالنسيا أنهى المواسم الماضية في المركز الخامس، العاشر، الرابع والثالث، وخلال المواسم الخمسة الماضية لم يتفوق عليه سوى صامويل إيتو الذي تفوق عليه بفارق ستة أهداف فقط».
ظاهرة شابة
لم يتعلق الأمر مع فيا ببراعته الكروية فقط، بل هو لاعب استثنائي وظاهرة، كما قال عنه اللاعب السابق كويني «أفضل لاعب في أوروبا، وأنا أسعد جداً برؤيته وهو يلعب بين متوسطي دفاع الخصم، وهنا تتضاعف خياراته واندفاعاته وهو لاعب ذكي جداً، ومعلوم أن المهاجمين يعرفون بعدد الأهداف التي يحرزونها لكن يتمتع فيا بميزات أخرى فهو يجنح دائماً نحو الأجنحة ليفسح المجال لبقية زملائه كما انه دقيق تماماً في تمريراته».
وما قيل لا مبالغة فيه عن فيا، ففي أول مواسمه مع فالنسيا موّن زملاءه بتمريرات أكثر من أي لاعب آخر باستثناء بابلو ايمار الذي تفوق على الجميع موسم 2006/ 2007 وهو ليس لاعباً ضارباً فقط بل هو مهاجم حقيقي، ويصفه مايكل روبنسون لاعب ليفربول السابق بأنه «المهاجم الكامل» ويعمل روبنسون الآن معلقاً شهيراً مع التلفزيون الإسباني الذي أضاف «يتمتع بكل شيء ما عدا التشجيع الجماهيري اللائق به».
محمد سيف النصر

