إن المنعطف الكبير في حياة الوصلاوية كان من خلال الدورات الرمضانية وهي قمة الإثارة في عالم كرة الإمارات في ذلك الوقت، وكانت تقام على ملعب الاستاد وهو المجاور لسينما النصر حالياً، وكانت يشارك في تلك الدورات أندية الأهلي والعروبة والنصر والزمالك والشعب (السطوة) والعربي (هور العنز).

وكنا في بداية تلك الدورات قررنا الانضمام إلى العروبة في الجميرا واتفقنا فيما بيننا على تغيير الاسم بما يتناسب مع بيئتنا وأخذنا اسم دبي القديم وهو الوصل ليكون المسمى الجديد للزمالك. وكان الاقتراح مقدماً من إبراهيم عبدالله وعبدالله ناصر وعبدالله سالم وعلي صقر، رفعنا الأمر لسمو الشيخ أحمد بن راشد ووافق سموه وقمنا بعمل مجلة خاصة بالاسم الجديد (الوصل) وكان بها العديد من المواضيع الشيّقة التي كان يقدمها في قالب جميل السفير عبدالله ناصر مسؤول تحريرها مع الزميل سعيد سيف. ويتذكر الوصلاوية نتائجهم في الدورات الرمضانية، حيث قدموا نتائج أذهلت الجماهير وتمكنوا من الفوز على النجاح 3/1 والتعادل مع الأهلي بنجومه 1/1 والفوز على العربي 2/صفر ثم جاء اللقاء المرتقب مع نادي النصر ليؤكد تفوقهم في الدورات الرمضانية.

ويروي علي صقر حوار الذكريات في أول رحلة له من أجل الحصول على اللاعب الفذ (محمد بولو) حين تناول الزميل سعيد عبد الغني الذي أجرى حوارا مع علي صقر قبل 10 سنوات عندما تناول هذه الموضوع عبر صفحاتنا وللتاريخ والتوثيق نشير إلى ذلك: (قُدر لي وأنا ومدير الفريق أن يتم تكليفنا بمهمة إحضار بعض اللاعبين من غانا من بينهم محمد بولو وشقيقه يعقوب عبدالرزاق. وكان معي في هذه المهمة عبدالله حارب مسؤول الأنشطة بالنادي، وذهبنا إلى القاهرة ومنها إلى نيجيريا التي كانت محطة توقفنا قبل الذهاب إلى غانا..

وقد تعرضنا في نيجيريا إلى محاولة اختطاف من قبل بعض العصابات هناك، ولكنا تمكنا من الإفلات منهم بأعجوبة، لنتجه سراً إلى مطار نيجيريا لنستقل الطائرة المتجهة إلى غانا ومعنا مندوب اصطحبناه من القاهرة ليدلنا إلى مكان تواجد اللاعب (بولو) وشقيقه يعقوب. وعند وصولنا لغانا عرف البعض نيتنا من الحضور وحذرونا بأن هناك تظاهرة عارمة في غانا تطالب برقبة مندوب نادي كوزموس الأميركي الذي جاء إلى غانا ليعرض مبلغ نصف مليون دولار مقابل ضم (بولو) إلى كوزموس. ورغم سماعنا وعلمنا بكل ما يحدث من حولنا إلا أننا لم نهب الأمر ونجحنا في الالتقاء سراً وفي جنح الليل باللاعب بولو.

وفي عملية جريئة قمنا فيها بإخفاء ملامحه وجلسنا معه لنتعرف على مطالبه، وكانت المفاجأة المذهلة التي لم نكن نتوقعها، فاللاعب الذي تُعرض تحت قدميه الملايين يطالب كشرط للتعاقد معه أن نمنحه وأمه ووالده تذاكر سفر للحج بالإضافة إلى راتب شهري قدره ألف دولار والساعة الرولكس التي كانت حول معصمي.

ورغم اندهاشنا لهذه الطلبات البسيطة إلا أننا واجهنا سيلاً جارفاً من الجماهير العاشقة لفن بولو تمنع أي عروض لخروجه من غانا باعتباره ثروة قومية للبلاد. وأدركت خطورة الأمر واستحالة خروج النجم الغاني عن طريق الاستغناء.

وتركنا غانا إلى القاهرة ومنها إلى دبي وعرضنا الأمر على المسؤولين وشرحنا الظروف التي تحيط بعملية التعاقد، وقد أعجب سمو الشيخ أحمد بن راشد بما سمعه عن أخلاق هذا اللاعب، وصمم سموه على ضرورة ضمه للنادي، وكلفني مرة أخرى بمعاودة المحاولة.

واعتبرت أن تكليف سموه لي لا بُدّ أن تقابله خطوة إيجابية، وأعلنت بالفعل على التمرد على أحراش وأدغال أفريقيا وسلحت نفسي بنماذج كثيرة من المنح الدراسية والتي تمنح الأجانب حق الدراسة في دبي كخدعة يمكن أن تفتح الطريق لخروج بولو وشقيقه من غانا، وحملت من النقود ما يكفي لإقامتي 10 أيام في غانا، كما أمدني المسؤولون بعنوان أحد المستثمرين اللبنانيين يمكن اللجوء إليه إذا استعصى الأمر، ونفدت النقود واستقليت الطائرة من القاهرة إلى غانا.

وهناك قابلت بولو وشقيقه مرة أخرى ونصحاني بالذهاب إلى الوزير المسؤول عن قطاع الشباب والرياضة وأن اصطحب معي هدية قيّمة كدليل محبة.

وهناك استقبلني الوزير وعرضت عليه طلب الاستغناء عن بولو مقابل اللعب في دبي، ولكن انتفض الوزير لطلبي وقال إنه من رابع المستحيلات أن يخرج بولو بعيداً عن غانا.

وحاولت إقناعه بأنه سيدرس هناك من خلال منحة دراسية لتعليم مبادئ الإسلام وأنه بهذه المنحة يمكن أن يفيد المسلمين في غانا، وهنا وافق الوزير على مضض وكتب رسالة الاستغناء ووقع عليها وفرحت كثيراً لنجاحي في أول خطوة، ولكن سعادتي لم تدم إلا ساعة واحدة فقط عندما فتحت حقيبتي لأطابق صورة الاستغناء بذلك النموذج الذي أعطاني إياه الحاج مصطفى كامل خبير التحكيم في الاتحاد الدولي وجدتها مخالفة.

وأن رئيس الاتحاد الغاني هو الذي يخول له التوقيع على الاستغناء وليس الوزير، وهنا أدركت ضرورة إعادة المحاولة مع رئيس الاتحاد، وحتى أضمن أن جهودي لم تذهب هباء.

ونصحني بولو وأخوه بتقديم هدية أخرى مماثلة لرئيس الاتحاد وذهبت ومعي نموذج جاهز للاستغناء وبالصيغة الدولية التي تجعله رسمياً وقابلت رئيس الاتحاد وشكرني كثيراً على الهدية وسألني عن طلبي فقلت له بأنني مكلف من الإمارات لأخذ بولو وشقيقه للعب في دبي أثناء منحة دراسية تستمر ستة أشهر.

واستعجب رئيس الاتحاد للطلب وقال إن توقيعه ربما يتسبب في غضب عارم لجماهير غانا، ولكن طالما أن المدة قصيرة فلا مانع للتوقيع، ولكنه حذرني بأنني سأواجه المشاكل عند الخروج من المطار.

ويستطرد علي صقر السويدي قائلاً: لقد استنفدت كل ما معي من أموال في تلك الهدايا، وكان عليّ أن أبحث عن ثمن التذاكر للعودة إلى دبي وأنا وبولو وشقيقه، وذهبت لشركة الطيران الإثيوبي لأطلب تذاكر على أن يخصم حسابها من النادي هناك، ولكنهم رفضوا الفكرة وأخذت أبحث عن عنوان المستثمر اللبناني خليل.

كما هو في البطاقة معي، ولكني اكتشفت أنه انفصل عن الشركة وقام بتأسيس أخرى بمفرده، وحاولت مراراً لكي يدلوني على عنوانه الجديد لكنهم رفضوا، وكانت هناك سكرتيرة سمراء تعرف مكانه، ولكنها اشترطت عليّ أن أصطحبها إلى البارات وأماكن اللهو فرفضت.

وقلت لها إن تعاليم ديننا تقف حائلاً دون تحقيق رغباتها فرفضت بدورها إعطائي أي معلومات، وفقدت الأمل في الحصول على أموال وضاقت كل السبل، ولم أجد من يقف بجواري خلال تلك المحنة التي امتدت لأكثر من 50 يوماً سوى اللاعب الخلوق بولو وشقيقه يعقوب، حيث كانا يمداني بالغذاء قدر استطاعتهما ووفرا لي كوخاً صغيراً للإقامة بجوارهما.

وعندما حلّ رمضان كانا يتناولان إفطارهما معي وكنت إمامهما في الصلاة، وقد أحزنتني تلك الفترة وكنت أبكي من شدة فراقي وعذابي فلقد حصلت على كل شيء فيما يخص الاستغناء وفشلت في إيجاد المال للعودة، ولم تكن هناك سبل للاتصال سوى التلكس وأرسلت من خلال رسالة ولم يصلني الرد لسفر المسؤولين في النادي وقررت أن أحاول مرة أخرى مع السكرتيرة السمراء لعلها تشفق لحالي وتعطيني عنوان ورقم المستثمر اللبناني.

وبالفعل أشفقت لوضعي وأعطتني رقم هاتف. ولم أصدق نفسي عندما سمعت صوت خليل يسأل عن مكاني إلى أن عثر عليّ ونشلني من المأزق ودعاني إلى قصره الفخم وجلست لأتناول وجبة الإفطار مع عائلته وسألني عن سبب مجيئي إلى غانا فقلت له إنني جئت لأصطحب بولو وشقيقه للعب في دبي، وهنا انتفض أفراد عائلته من البنات والأولاد وقالوا لي بصوت واحد: تصطحب من؟

بولو! إنك تحلم، إنه ملك لنا ولا يمكننا التفريط فيه، وان لم تكن صديقا لوالدنا لما قبلنا أن تكون جالساً معنا على طاولة واحدة.

ويستطرد علي صقر السويدي حوار الذكريات قائلاً: لقد أدركت معاني (بولو) عند جماهير غانا، وأدركت مدى صعوبة مهمتي، ولكن قررت المواصلة حتى النهاية، وتمكنت من توفير المال اللازم لمحاولة الخروج بفضل دعم خليل لي، ولكن علمت بعض الجماهير لمخطط هروب (بولو) واحتشدت بالقرب من المطار لمنع أي محاولة لتهريبه وحرمان المدرجات من فنه.

وتأزم الأمر وانتابني خوف شديد وتلوت آيات من القرآن الكريم، وكذلك فعل بولو وشقيقه، ونصحني الاثنان بضرورة تقديم هدية قيّمة لمسؤول الجوازات والهجرة، وفعلت وتوجهت إليه وقلت له نحن نرغب في اصطحاب (بولو) من أجل منحة دراسية وأن عليه أن يُسهّل مهمتنا للخروج من وسط تلك الجماهير فاقترح علينا بضرورة أن يخفي بولو ملامحه ويغيّر من ملابسه في إحدى غرف المطار.

وبالفعل نفذنا التعليمات بالدقة المطلوبة إلى أن دخلنا الطائرة وأقلعت بنا إلى لندن ومنها إلى دبي. ولم يصدق أحد أنني نجوت بأعجوبة من تلك الجماهير ووصلت إلى دبي بعد أن فقدت 8 كيلوجرامات من وزني، لقد ظنوا انني لن أرجع بعد ذلك الغياب الطويل، ولكن إرادة الله كانت سباقة لبقائي حياً ورجوعي بغنيمتي بلاعب خلوق مُتديّن أثرى ملاعبنا بفنه وأخلاقه الطيبة، وكان قدوة ومثالاً في زماننا.

في دبي الرياضية

إبراهيم الزعابي

يحل إبراهيم موسى الزعابي أحد مؤسسي نادي الوحدة بأبوظبي ضيفاً على برنامج أيام زمان عبر قناة دبي الرياضية، ويتناول العديد من الحكايات الجميلة التي مرت بها اللعبة في أبوظبي ويحكي قصة انتقال عدد من أفراد أسرة فريق الوحدة وانتقاله من الجزيرة الحمراء برأس الخيمة إلى العاصمة، ويعود بنا إلى التاريخ الطويل والعلاقة المتينة مع الرياضة الكويتية الإماراتية.

aljoker@albayan.ae