بات فريق الجزيرة لكرة القدم لغزاً محيراً في عالم الساحرة المستديرة، خاصة في السنوات الخمس الماضية.. فهو يمتلك كل مقومات البطولة من جهاز فني على أعلى مستوى ولاعبين متميزين ومن خلفهم إدارة واعية وفاهمة تخطط بحنكة وتملك الإمكانيات الكفيلة بتحقيق الإنجازات وجماهير تزحف خلف الفريق في كل الملاعب.
لكن النهاية دائماً تأتي مختلفة عن الطموحات المرجوة والأهداف الموضوعة.. وبمعنى أدق تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن! «البيان الرياضي» يفتح ملف فريق العنكبوت من أجل إلقاء الضوء على السلبيات والإيجابيات وأسباب فقدان البطولات في الأمتار الأخيرة من عمر المسابقات ومعرفة الأسباب والحقائق خلال ثلاث حلقات متتابعة.
ضعف الإعدادوالاستهانة بالخصم وراء الظاهرة
لم تشأ الأقدار أن تكتحل عيون الجزراويين بمشاهدة فريقهم وهو يعانق لقب دوري المحترفين لموسم 2008/ 2009، وذلك على الرغم من الجهد الجبار الذي بذله كل من في النادي من إدارة وجهاز إداري للفريق الأول وجهاز فني ولاعبين وحتى الجهاز الطبي. الجزيرة وقبل بداية الموسم المنصرم قام بكل ما هو ضروري من أجل المنافسة وتحقيق اللقب فتعاقد مع مجموعة من خيرة لاعبي الدولة المواطنين والحقهم بلاعبين أجانب في صفقات مالية اهتز لها الشارع الرياضي في الإمارات.
وكذلك التعاقد مع جهاز فني على أعلى مستوى، وفوق كل هذا وذاك كان هناك مجلس إدارة متابعا لكل صغيرة وكبيرة، ويواظب على مرافقة الفريق في حله وترحاله، ويراقب تدريباته بشكل يومي عن كثب، ولكن مع ذلك عجز الفريق عن تحقيق اللقب بعد منافسة ضارية مع فريق الأهلي لم تحسم نتيجتها إلا في الدقائق الأخيرة من موسم طويل وشاق. في الموسم المنصرم قبض الجزيرة على الصدارة لأسابيع طويلة من عمر الدوري، بل إنه كان بطل الصدارة معظم مراحل الدوري.
لكن الأهلي نجح في الانقلاب عليه بفضل المواجهات المباشرة بين الفريقين التي صبت في صالح الفريق الأحمر. وموسم 2008/ 2009 هو ليس الأول الذي يفقد فيه الجزيرة اللقب بعد طول عناء، وإنما سبق وأن عانى نفس الأمر منذ خمسة مواسم سابقة، فقد نجح في فرض نفسه رقما صعبا في معادلة اللعبة على المستوى المحلي منذ موسم 2004/ 2005 عندما حل في المركز الثالث مع نهاية الدوري خلف كل من الوحدة والعين على التوالي.
صراع مستميت
وفي موسم 2005/ 2006 حافظ على نفس المركز خلف الأهلي والوحدة، وحل أيضاً ثالثاً في موسم 2006/ 2007 خلف الوصل والوحدة، وفي موسم 2007/ 2008 كاد يفعلها بعد منافسة قوية للغاية مع الشباب ذهب اللقب في نهايتها للأخير. وخلال صراعه المستميت طوال هذه المواسم على لقب البطولة وإخفاقه في تحقيق هدفه ارتفعت علامات استفهام كبيرة من قبل المتابعين والمراقبين عن السر الذي يكمن في عدم قدرة هذا الفريق على تحقيق اللقب رغم أنه يدخل منافساً قوياً في البداية وسرعان ما يتراجع إلى الوراء مع دخول المراحل الأخيرة من كل موسم تاركا الصدارة إلى منافسه.
وفي محاولة منه للوقوف على سبب إخفاق الفريق في الحصول على لقب الموسم المنصرم، والأسباب الكامنة في عدم قدرته على تحقيق البطولة في المواسم السابقة، أجرى «البيان الرياضي» تحقيقا موسعا للوقوف على هذه الظاهرة ومعرفة الخلفيات والأسباب الكامنة وراء هذا الإخفاق المتكرر في كل موسم. وقد راعينا التنوع في مصادر البحث، فأخذنا وجهة النظر الفنية التي مثلها مدربون، وكذلك التقينا مع مسؤولين وإداريين في النادي، وأيضاً استطلعنا آراء بعض اللاعبين.
وقد جاءت الآراء متنوعة، فقد تحدث البعض عن أسباب رآها جوهرية ولعبت دوراً رئيساً في ضياع اللقب من الجزيرة مثل التحكيم الذي قالوا إنه تسبب بشكل مباشر وغير مباشر في حرمان الجزيرة من اللقب سواء في الموسم المنصرم أو في بعض المواسم السابقة، وهناك من قال إن الجزيرة فعل في الموسم المنصرم كل شيء ولكنه افتقد إلى الحظ والتوفيق في مراحل حساسة من الدوري، مركزاً على أهمية التوفيق والحظ في عالم كرة القدم، بينما ركز البعض على أن السبب الرئيس في ضياع اللقب لموسم 2008/ 2009 يتمثل في عدم التحضير النفسي للفريق بشكل جيد.
وضعف اللياقة النفسية وقد تجلى ذلك في أكثر من مباراة خسر الجزيرة فيها نقاطا مهمة، وآخرون رأوا أن الجزيرة افتقد إلى التركيز وإلى القدرة على التعامل مع مباريات حساسة، فأهدر نقاطا مهمة كان من الممكن لو أحسن التعامل مع مبارياتها أن يكون لخاتمة الدوري كلام آخر.
لكن الرابط الذي جمع بين أصحاب كل هذه الآراء هو أن الجزيرة تمتع في الموسم المنصرم بمستوى عال، وبأنه بات قريبا للغاية من إحراز اللقب، وبأن فوزه ببطولة الدوري ما هو إلا مسألة وقت، وقالوا أيضاً بأن الجزيرة لو نجح في إحراز اللقب في أقرب فرص ممكنة فإنه سيتمكن من احتكاره لمواسم عدة، وكل ما ينقصه حالياً هو فوزه لمرة واحدة فقط حتى يفرض نفسه رقما قويا في المسابقات المحلية المقبلة.
تغيير أسلوب اللعب
قال أيمن الرمادي مدرب فريقي الشعب والظفرة السابق إن الجزيرة يعتبر الفريق الأكثر توهجاً في الموسم الماضي لأنه حافظ على مستوى ثابت طوال أسابيع الدوري، ولأنه يملك أفضل لاعبي الدولة من مواطنين وأجانب، وكذلك لأنه يضم جهازاً إدارياً يعمل بتفان ونشاط منقطع النظير، وفوق كل هذا وذاك فهو يمتلك قاعدة جيدة من اللاعبين في قطاع المراحل السنية، وهذا يعني أن المستقبل أمام هذا الفريق، لكن المشكلة الأساسية التي عانى منها في الموسم المنقضي والتي تسببت في ضياع اللقب منه تتمثل في ضعف الإعداد النفسي الجيد للاعبين.
وأعتقد أن من يتحمل مسؤولية هذا الأمر هو الجهاز الفني، وليس بالضرورة أن يكون لدى الفريق متخصص سيكولوجي لمعالجة هذا الأمر، بل إن الجهاز الفني هو المسؤول عن ذلك، والدليل على ضعف هذا الجانب النفسي لدى الفريق يتجسد في أنه خسر من الفريق المنافس المباشر، وفقد أمامه ست نقاط كانت في غاية الخطورة وتسببت بشكل مباشر في فقدان الصدارة، وأرى أن المدير الفني البرازيلي للجزيرة أبل براغا مدرب كبير وعالمي.
ولكنه مع ذلك فشل في تهيئة الفريق من الناحية النفسية للبطولة وخسر أهم مواجهتين مع خصمه المباشر الأهلي، فقد بدا المدرب خائفا وقلقا نسبيا في بعض مراحل الدوري، بعكس فريق الأهلي الذي بدا إعداده النفسي أكثر قوة من الجزيرة، وقد جسدت تصريحات خليفة سليمان رئيس مجلس إدارة النادي الأهلي على امتداد فترات المسابقة حقيقة التهيئة النفسية التي تعرض لها الفريق قبل انطلاقة الموسم.
وقال الرمادي أما من ناحية المستوى العام للاعبين فرديا فأعتقد أن الجزيرة هو الأفضل وكان يجب أن يحصل على اللقب منذ منتصف الدور الثاني قياسا إلى هذه المقارنة. وسأعطيك مثلا على قدرة كل من الأهلي والجزيرة على التعامل من الناحية النفسية مع الدوري، فقد كان الجزيرة خائفا وقلقا أمام الشعب في الإياب ولذلك انتهت نتيجة المباراة إلى التعادل بسبب عدم وجود اللياقة النفسية لدى لاعبيه، أما الأهلي فعلى الرغم من أنه كان أيضاً خائفا وقلقا من المباراة مع نفس الفريق.
إلا أنه نجح في التعامل معها وتمكن من تحقيق الفوز، وهنا تجلى بشكل واضح الفارق في الإعداد النفسي لكل من الفريقين، فالجزيرة بسبب ارتباكه أضاع أكثر من ست فرص حقيقية أمام مرمى الشعب وذلك على الرغم من أنه كان يمتلك مجموعة صاحبة الخبرة من اللاعبين أمثال راشد عبد الرحمن وعبد السلام جمعة وسبيت خاطر. ويوجد سبب آخر لعب دوراً في ضياع مباريات مهمة من الفريق في الدوري وهو تغيير أسلوب اللعب أحيانا، فقد لجأ إلى تغيير أسلوب لعبه في بعض المباريات وهذا ما أثر على مجريات المواجهات وعرّضه لمواقف سلبية نتج عنها فقدان نقاط مهمة وحساسة.
أما عن السر وراء فشل الفريق في تحقيق اللقب في المواسم السابقة عن الموسم ما قبل الماضي عندما ذهب اللقب إلى الشباب، فأرى أن الجهاز الفني بقيادة لازلو بولوني يتحمل مسؤولية تقهقر الفريق في المراحل الأخيرة لأنه لم يحسن القراءة التكتيكية ولجأ إلى تغيير أسلوب لعبه في بعض المباريات كما فعل أمام النصر في ملعب محمد بن زايد وكذلك أمام الشباب والأهلي.
وعلى الرغم من أنه مدرب كبير إلا أن بولوني افتقد إلى المعرفة الحقيقية بالكرة الخليجية. وفي المحصلة فقد خطا الجزيرة خطوات واسعة نحو فوزه باللقب وخاصة منذ ثماني سنوات عندما وضع قدمه على الطريق الصحيح وبات أحد أعمدة المنافسة، وقد حصد آثارا جيدة لسياساته الناجحة بتفجر عدد من المواهب بالفريق أمثال سلطان برغش وعلي مبخوت، وأعتقد أنه لو تمكن الجزيرة من الحصول على اللقب في الموسم القادم أو الذي يليه فسيتمكن من الاحتفاظ باللقب لمواسم طويلة مقبلة.
التشتت الذهني
«اللعب على أكثر من جبهة سبب تشتتا ذهنيا للاعبين الذين يفتقدون إلى الخبرة اللازمة» بهذه العبارة لخص عيد باروت مدرب الظفرة السابق أسباب فقدان الجزيرة للقب الموسم الماضي لصالح فريق الأهلي، وقال: حارب الجزيرة على أكثر من جبهة وسبب هذا الأمر تشتتا في ذهن لاعبيه، وبما أنهم يفتقدون إلى الخبرة الاحترافية التي تمكنهم من التعامل مع مثل هذه الظروف، فقد تعرضوا للضغوطات وفشلوا في تحقيق هدفهم الرئيس وهو الفوز ببطولة الدوري، فقد كانوا يلعبون كل أربعة أيام مباراة وهو وضع لم يتعودوا عليه خاصة وأنهم لعبوا بصف واحد في المباريات المحلية والآسيوية، أما فريق الأهلي فقد حسبها بشكل مختلف عندما أدرك منذ البداية هذا الوضع ولعب في دوري المحترفين الآسيوي بالفريق الاحتياطي وركز كل جهوده على الدوري ففاز به.
وهناك سبب آخر هو افتقاد الجزيرة إلى المهاجم البديل للبرازيلي بيانو الذي عندما غاب أمام الشعب برز مقدار الحاجة إلى بديله فعجز الفريق عن التسجيل وخسر نقطتين في غاية الأهمية بتعادله السلبي، وبالمحصلة فقد احتاج الجزيرة إلى لاعبين بديلين على مستوى عال في مركزين مهمين الأول بديل بيانو وقد تحدثنا عنه، والثاني بديل لراشد عبد الرحمن في قلب الدفاع، فراشد كان يحتاج لبعض الراحة ولم يكن له بديل مناسب، وكانت النتيجة أن خسر الفريق بأربعة أهداف أمام الأهلي في مباراة الإياب بين الفريقين.
وأستطيع أن أضيف شيئا مهما وهو أن الجزيرة افتقد بشكل نسبي إلى القدرة على التعامل مع بعض المباريات الحساسة في الدوري بدليل سقوطه أمام الأهلي وتعادله مع الشعب. وهذه الأسباب التي وقفت حائلا دون إحراز الفريق لقب دوري الموسم الماضي تختلف عن تلك التي تسببت في ضياع اللقب في المواسم السابقة.
ففي الماضي كان الجزيرة يفتقد إلى خبرة البطولات، وكان غضّ العود، وكذلك افتقد إلى دكة البدلاء التي تستطيع أن تصنع الفارق، وقد تمكن من تجاوز هذين العاملين في الموسم الماضي ولكنه وقع في أخطاء جديدة تحدثنا عنها، ومع ذلك أعتقد أن الجزيرة تسبب في المتعة لكل من تابعه بالتغير النوعي الذي طرأ على أسلوب لعبه وتحوله إلى الهجوم وهذا يحسب لجهازه الفني.
جاسم جمعة: الاستهانة بالخصم في بعض المباريات
يرى جاسم جمعة حارس مرمى الجزيرة الأسبق أن هناك عوامل عدة أسهمت في عدم قدرة الفريق على إحراز بطولة الدوري حتى الآن، ففي المواسم السابقة كانت المشكلة الرئيسة تتمثل في المنظومة الدفاعية التي كنا نعاني فيها من مشاكل عدة، وكانت سبباً رئيساً في تعرض الجزيرة لهزائم كثيرة، حيث كثيراً ما كان يتحول الفوز من الجزيرة إلى الخصم بسبب عدم التركيز الدفاعي وافتقاد الفريق إلى منظومة دفاعية تستطيع أن تتعامل مع المباريات المهمة وقد كلفنا ذلك كثيراً في السابق، وسبب آخر يتمثل في افتقاد الفريق في المواسم السابقة إلى عناصر الخبرة في مختلف الخطوط القادرة على التعامل مع المباريات المفصلية في الدوري.
واستطاع الفريق تجاوز هذه المشاكل وحلها بطريقة جيدة في الموسم المنقضي ولكنه وقع في مطب آخر تسبب في ضياع اللقب لصالح فريق الأهلي وهو استهانة الفريق وعدم احترامه لخصمه في بعض المباريات كما حدث أمام الأهلي في ملعب محمد بن زايد، ففي تلك المباراة تلقينا درسا بليغا، حيث كنا متعادلين بهدفين مقابل هدفين وكان يجب علينا أن نلعب بمسؤولية أكبر ولكننا اندفعنا إلى الهجوم بشكل عشوائي دون مراعاة لقوة الخصم فكانت النتيجة أن تلقينا هدفين آخرين خسرنا بهما المباراة.
المكاسب : جهوزية عالية وبديل جيد
في الوقت الذي تحدث فيه ضيوف التحقيق الموسع الذي أجريناه عن افتقاد الجزيرة إلى عوامل الخبرة وكذلك المنظومة الدفاعية ودكة البدلاء التي تسببت في حرمان الفريق من تحقيق لقب بطولة الدوري الساعي لها منذ مواسم عدة، إلا أن الجزيرة تمكن من معالجة كل هذه الثغرات في موسم 2008/ 2009 ونجح في الظهور بمظهر مختلف تماماً.
وقد تجلت قدرته وحسن جهوزيته في أواخر مراحل الدوري عندما تعرض لاعبه البرازيل رافائيل سوبيس إلى إصابة بليغة في ركبته أمام اتحاد جدة السعودي في المباراة التي جمعت بين الطرفين في ملعب محمد بن زايد في أبوظبي ضمن منافسات دوري المحترفين الآسيوي، وكذلك عندما تعرض نجمه إبراهيما دياكيه إلى إصابة قوية في قدمه في التدريب السابق ليوم لسفره إلى جدة لملاقاة فريقها.
وفوق كل هذا وذاك واجه عقوبة إيقاف لاعبه المهم وقائد الفريق صالح عبيد مباراتين في المراحل الأخيرة من الدوري، ولكنه مع ذلك لم يتأثر وحقق الانتصارات في جميع المباريات التي غاب عنها هذا الثلاثي، بل إنه تمكن من الفوز على فريق عجمان القوي في عقر داره وبأربعة أهداف مقابل هدف في المباراة الأخيرة من الدوري، وهذا يعكس الجهوزية العالية للفريق وامتلاكه بديلاً على مستوى جيد قام بالمطلوب منه.
تحقيق ـ جهاد عدلة


