شوارع خالية من المارة وسكون يخيم على دبي واغلب الامارات .. صمت رهيب فلا تكاد تسمع شيئا سوى بعض الانفاس التي تخرق جدران البيوت او بعض الصيحات التي تنفذ من نوافذ بعض المقاهي ..كان واضحا ان حدثا ما يشد الناس ويذهل العالم في هذه الدقائق..
ما الذي يحدث يا ترى؟ ما الذي يجري في العالم؟
هل ان طائرات ضربت ابراجا في نيويورك مرة أخرى .. وهل ان احداث 11 سبتمبر تكررت من جديد في تاريخ جديد هو27 مايو؟ بعض عشاق الاشاعات بث بين الناس ان الرئيس الاميركي اوباما تعرض للاغتيال .. وقال آخرون ان شرارة النار اندلعت بين ايران والكيان الصهيوني ... تعددت الاحتمالات والاشاعات والحقيقة واحدة ان حدثا كبيرا ومدويا يذهل الناس في هذه اللحظات ..
و في الواقع فان الحدث كان مدويا وقويا وليس اقل من احداث الحادي عشر من سبتمبر.. ولكن موقع الهجوم هذه المرة كان روما و منفذ الهجوم هو برشلونة الاسباني اما المستهدف فهو مانشستر يونايتد الانجليزي.. والمناسبة هي نهائي دوري ابطال اوروبا لكرة القدم وليس للحدث لا ناقة ولاجمل في السياسية..
ونهائي ابطال اوروبا ليلة اول من امس كان ممتعا ورائعا للغاية وخاصة من طرف سحرة البارسا09.. دقيقة نسي الناس خلالها هموم الحياة ومشاغلهم ومشاكلهم .. نسوا خلالها انفلوانزا الخنازير .. وشيك الايجار .. و باقي القرض البنكي و حر الطقس و تكاليف الاجازة الصيفية.. بدت الحياة رائعة وجميلة اجمل مما عرفها الناس من قبل واحلى مما تذوقها اشد المتفائلين في الدنيا.
لقد تسمر الشباب والكهول .. الرجال والنساء امام شاشات التلفزيون في البيوت والمقاهي وتابعوا قمة اولمبيكو روما بين البارسا والشياطين الحمر .. تابعوها بشغف كبير ونهم اكبر. فهذا شيخ عجوز حضر الى المقهى في ساعة متأخرة متحديا ارق السهر واتعابه.. يتابع المباراة بتركيز،، يتفاعل مع احداثها.. يقفز حينا ويركل الطاولة احيانا اخرى فينثر ما كان فوقها من مشروب وفاكهة على الارض غير مبال ودون ان يعى جنونه.. كان يركل بقدمه تفاعلا مع حركات الكرة فوق الميدان ويبدو ان يخال نفسه في تلك اللحظات الهستيرية انه بالفعل يعيش ايام زمان ايام الشباب عندما كان يصول ويجول في الملاعب مع الاصدقاء والاتراب.
ومباراة نجوم البارسا وشياطين مانشستر يونايتد كانت افضل وصفة طبية واحسن اقراص دوائية تقضي على الشيخوخة وتعيد الى الشيوخ الشباب.. ولعمري ان القدر في ليلة اول من امس استجاب لكل من قال: «ليت الشباب يعود يوما».
وهذا شاب متيم بحب البارسا وقد ارتدى لباسا مشكلا من فسيفساء من اللونين الاحمر والازرق.. جلس لوحده يتابع فصول موقعة روما بعيون جاحظة حمراء.. كان هادئا لا يقدر على الحراك الا ايصال السيجارة العالقة بين اصبعيه الى شفتيه ليسحب منها ما يسكن آلامه ويطلق سحابات من الدخان التي تعلو في بهو المقهى حتى تحجب شاشة التلفزيون عن الانظار وتصبح الصورة القادمة من روما ضبابية..
كان واضحا ان هذا الشاب من اصحاب القلوب الضعيفة وان قلبه يدق للبارسا بقوة اكثر مما تحتمله شرايينه.. لذا فقد كان احد الندلاء بالمقهى يتابعه باستمرار ويسقيه بين الفينة والاخرى بشئ من الماء لانه كان يخشى عليه من الاغماء.. خاصة وان العزف الكاتالوني في ذلك الوقت قد بلغ ذروته ولامس اروع درجات الابداع في مشهد كروي لا يحدث في ملاعب كرة القدم الا نادرا امام خصم اسمه مانشستر يونايتد.
وهذه حسناء شقراء بملامح اوروبية ويبدو انها انجليزية لانها ظلت تتابع المباراة وهي ترتجف وتردد دون ان تشعر :«مان .. مان ..مان» كان واضحا انه عاشقة لمانشستر يونايتد وانها جاءت الى المقهى وحجزت لنفسها مكانا بين الشيب والشباب حتى لاتفوت على نفسها فرصة الاحتفال مع الشياطين باللقب الاوروبي الاغلى ولكن امالها تبددت في سحابات الدخان التي كان تطلقها من الشيشية التي ظلت تعانقها لاكثر من ساعة ونصف.
وفي الحقيقة في مباراة البارسا والمان يونايتد كشفت الرقم الحقيقي للنواعم اللاتي يعشقن كرة القدم .. فقد شهدت قمة روما اقبالا منقطع النظير من طرف الحسناوات في ليلة كان العريس فيه اسمه برشلونة الاسباني.
واصداء الانجاز الاوروبي للبارسا لم تكن في كاتالونيا فقط بل كانت في كل مكان من العالم .. منها الامارات فعلى سبيل المثال ان دبي سهرت ليلة اول من امس على نخب الفرح و غنت حتى الصباح اناشيد النصر الكاتالوني .. وقد كانت بهجة انصار البارسا وفرحتهم لا توصف فقد خرجوا الى الشوارع ورفعوا شعارات برشلونة وارتدوا الوانه الزاهية ووزعوا الحلويات والمشروبات على اصدقائهم في ليلة اشبه بليلة العيد. والمجانين بكرة القدم يحتفلون بانتصارات فرقهم مثلما يحتفل بقية الناس بالاعياد.
وفي المقابل فان انصار مانشستر يونايتد صدموا وذهلوا لمردود فريقهم المخيب.. لم يتوقعوا ابدا ذلك العطاء الباهت .. لم يصدقوا ما حدث للاعبيهم ولمدربهم. لا شيء كان يوحي بان الفريق الذي يواجه البارسا هو مانشستر يونايتد صاحب التاريخ الكبير.. لذلك فان حزنهم كان شديدا ..اكتفوا بالاهات والتساؤل عما اصاب الشياطين في ليلة روما الحزينة بالنسبة اليهم..
و أي سحر نثره نجوم البارسا فوق الميدان ليتحول لاعبو المان من شياطين الى اشباح.. وكم من شاب متوهج .. وكم من كهل عاقل رصين غالبته الدموع.. وانهرت على خديه كقطرات المطر اسفا على خسارة اللقب الاوروبي.. واسفا على المردود المخيب.. وكم من طفل في بيوتنا بات ليلة اول من امس بغصة بكاء في الحلق و عيون تنهمر بالدموع.
المقاهي تنتعش من المباراة
شهدت مقاهي اغلب امارات الدولة تدفقا كبيرا من الجماهير عليه بغاية متابعة مباراة الدور النهائي لدوي ابطال اوروبا بين برشلونة ومانشستر يونايتد. ولا شك ان المقاهي انتعشت مداخيلها من الحضور الجماهيري وحققت ارقاما قياسية في المرابيح وهذا يكشف عن احد الجوانب الاخرى الايجابية لكرة القدم فهي ليست مجرد لعبة ومنافسة في الملاعب بل هي استثمار و مال ايضا .. والمبارة اول من امس كانت في روما والفوائد كانت في الامارات ومختلف مقاهي بلدان العالم.
صلاح الدين الشيحاوي
