«منذ ايام تغير مزاجي .. صرت عصبيا اكثر من اللزوم .. هجرني النوم و هجرت الاكل .. تعطل تفكيري .. و شعرت بأن عقلي بات مشلولا ..احسست اني اعيش حالة غريبة لم يسبق لي ان عشتها من قبل .. لم اعد اذكر شيئا من الماضي غير ان افكر في المستقبل القريب .. والمستقبل عندي صار محطة واحدة وموعدا واحدا هو نهائي دوري ابطال اوروبا بين برشلونة ومانشستر يونايتد في اولمبيكو روما» هذا ماقاله لي احد المتيمين بالبارسا قبل يوم من نهائي الابطال.
و قد اسر لي هذا العاشق الكاتالوني ان سبب ارقه هو سؤال وحيد كلما حاول الاجابة عنه الا وتجمد الدم في عروقه .. وتباطأت دقات قلبه واصفر وجهه.. والسؤال الخطير هو : كيف يمكن لنجوم البارسا ان تنجو من «الشياطين الحمر» المتوحشة .. الجائعة؟ وكيف يمكن لفريق البارسا الناعم .. الساحر الخلوق ان يروض الشياطين امام الملايين في روما رمز التاريخ والعراقة؟
كان هذا المحب البرشلوني متخوفا من هول شياطين مانشستر الى حد بعيد. وعندما دقت ساعة الحقيقة واطلق الحكم السويسري صافرة بداية المباراة وبدأت ترسانة المدرب فيرغسون في تهديد مرمى فالديس عن طريق رونالدو تذكرت كلام ذلك العاشق الكاتالوني وآلمني حاله ..ولكن لم تكن تلك الزمجرة الشياطينية خلال العشر دقائق الاولى امام مرمى الفريق الكاتالوني الا زوبعة في فنجان لاننا سمعنا جعجعة ولم نر طحينا.
فها هو الاسمراني الكاميروني يقصف الشياطين الحمر بهدف رائع ويصيبهم بسهامه المسمومة في الرأس .. ليجن جنونهم ويفقدون وعيهم ويضيعون رشدهم.. وتاريخهم و جاههم وقوتهم وصورتهم في ما تبقى من المباراة.. سهم اصابهم في الرأس فخلخلهم فوق مسرح المعركة وحولهم في برهة من شياطين الى اشباح.. وسبحانه مغير الاحوال لقد انطفأت شعلة مانشستر يونايتد ولاح الشياطين كالحمل الوديع يتهادون بين احضان البارسا.. يترنحون متثاقلين كالسكارى..
قل كالدمى ..شبهه بما شئت من الاشياء التي لا تؤذي ولا تؤلم. 10 دقائق اولى خدعت الملايين ممن شاهدوا المباراة بأن ليلة السابع والعشرين هي ليلة مانشستر يونايتد وان برشلونة سيمر بجانب الحدث وسيعود الى معقله الكاتالوني جريح الجسد والخاطر.. ولكن عندما تكون تشكيلة برشلونة تحفل باسماء مثل الساحر الارجنتيني ميسي والمرعب الفرنسي تيري هنري والخطير صامويل ايتو وثنائي الوسط تشافي وايينستا وقائد اشبه بالجندي منه الى لاعب كرة قدم ونعني بيول لا شيء يمنعه من قهر اقوى اندية العالم ولو كان اسمها مانشستر يونايتد.
البارسا يكسب معركة الوسط
الانقلاب الذي نفذه لاعبو برشلونة على مانشستر يونايتد كان مفتاحه وسط الميدان .. من هذه المنطقة الحساسة تسلقت كتيبة البارسا سلم المجد وعلى درجته الاخيرة اعدمت «الشياطين الحمر» في اولمبيكو روما امام حوالي 90 الف متفرج ومئات الملايين من المشاهدين عبر شاشة التلفزيون في مختلف اصقاع الدنيا. و الانقلاب نفذه وتزعمه تشافي وايينستا .. ثنائي وسط الميدان الرهيب .. هما من قطع اوصال الهجمات المانشستراوية من اوصال الرحم .. وهما ايضا من يهندس للغزوات الكاتالونية على عرين فاندير سار بحنكة واقتدار.. يمرران كرات الى ميسي وايتو وهنري بدقة امهر المهندسين .
وكان واضحا ان مانشستر تأثر كثيرا بغياب قلبه النابض في وسط الميدان فليتشر بعدما حصل على ورقة حمراء في نصف النهائي.. وكان واضحا ان الشياطين بلاروح .. وبلا قلب .. كانت مجرد اشباح تتطاير في الهواء حسب تيار رياح برشلونة المزمجرة. وفي كرة القدم عندما تخسر معركة وسط الميدان فانك خسرت «الحرب» كلها وليس لك الا ان تخرج باخف الخسائر وتصون هيبتك وسمعتك.. ولكن مانشستر لم يقدر على صيانة تاريخه واسمه الكبير و سمعته الضاربة في اعماق التاريخ.
انهيار المان
ذهب الظن بمن تابع المباراة ان مانشستر سيلملم جراحه ويرمم معنوياته في حجرات الملابس بين الشوطين .. وان الفرق الكبيرة تسقط ولاتموت.. وبالتالي فان الشوط الثاني سيكون شوط الشياطين وشوط المدربين حيث انتظر المشاهدون ان يغير فيرغسون وجه المباراة.. ولكن كل هذا ذهب ادراج الرياح مع اولى اللحظات .. فالمان هومان الشوط الاول الضعيف الشبح .. الشيطان المريض.. والبارسا رفع من نسق المباراة و ضبط ايقاعه على موسيقى افراح التتويج الاوروبي .. فقد استعرض عضلاته و راح يرسم لوحات كروية جميلة خدشت سمعة مانشستر.. حتى ان الكثيرين لم يصدقوا فعلا ما يحدث في فريق المان..
ماذا اصاب روني .. وغيغس وأين برباتوف المتوهج ؟.. وحتى «الاباتشي» تيفيز فقد كان بلا جناحين..وكان بامكان برشلونة ان يسجل اكثر من هدف وان يكبد خصمه خسارة كبيرة لولا اهدار« الديك الفرنسي» تيري هنري الذي خاض المباراة بجناح مكسور لفرصة واضحة و تحالف القائم الايمن مع الحارس فاندير سار عندما تصدت لركلة تشافي الحرة .. فخسارتك كادت ان تكون اكثر يامان وحالك اول من امس اسمال عطف القائم وانقذك من هدف محقق .. كنت يامان في اسر ايامك عبر الزمان..
الضربة القاتلة
وجاءت الدقيقة 70 لتحسم الامور .. وتؤكد خبر وفاة «الشياطين الحمر» في خبر عاجل تناقلته شاشات التلفزيون واستقبل بحرارة وبالورود والاهازيج في اسبانيا بينما كان كالصاعقة على مدينة مانشستر وانجلترا بصفة عامة. فالمان تعرض للمهانة من البارسا امام الملايين والا بماذا تفسر ان يأتي لاعب ليس له من الطول الا 1و 86 سنتيمترا ليسجل هدفا غاية في الروعة بالرأس.. وهل هناك اكبر من هذه المذلة لمانشستر ان يسجل لاعبا قزما هدفا بالرأس بعدما تغلب على البرجين العاليين فيرديناند واوشي؟
هدف اشعل النار في روما لتسيري حتى كاتالونيا.. وليتهاوى بعده مانشستر يونايتد ويستسلم لخصمه ليفعل به ما يشاء، وماذا يمكن للشياطين ان تفعل و قائدهم في المعركة الكس فيرغسون كان اول من رمى المنديل واول من ايقن انه خسر المعركة منذ الدقيقة العاشرة فعلى خلاف العادة كان فيرغسون هادئا جالسا في مكانه دون انفعالات وبلا تفاعلات .. لانه كان يعلم بخبرته ودرايته ان شياطينه غير قادرة على الصمود تحت اشعة نجوم البارسا القاتلة.. كان يعرف انها ستموت في ساحة المعركة.. وهو ماحدث فعلا..
فالبارسا كان رهيبا مدمرا مزلزلا لا احد يقدر على مقاومته هذه الايام. وامام تسونامي برشلونة لم يكن بوسع مانشستر الا ان يسحب له كأس البطولة من خزائنه ويقدمها له حتى يطلق سراحه في معركة روما ويخرج من قفص الاسر الكاتالوني. .. فعادت الجيوش الكاتالونية الى معقلها بالكأس الغالية في موكب احتفالي مازال مستمرا حتى هذه اللحظات وسيستمر لايام اخرى.. موكب بهيج تمنى كل عاشق للبارسا ان يمشي به ولعمري ان اولهم ذلك الصديق الذي عاش اياما عصيبة قبل المباراة ولم يعرف طعم النوم بسبب هواجسه من الشياطين.
صلاح الدين الشيحاوي
