الزيارة التي قمنا بها لاستاد سان سيرو الشهير في مدينة ميلانو الإيطالية على هامش اجتماعات الاتحاد الدولي للصحافة الرياضية، كانت سببا في العودة بذاكرتنا إلى الوراء، وبالتحديد إلى 19 عاما مضت عندما حل منتخبنا الوطني في هذه المدينة وفي هذا الاستاد بالتحديد وهو الملعب الذي خاض عليه منتخبنا الوطني مباراته التاريخية أمام ألمانيا والتي شهدت تسجيل خالد إسماعيل الهدف الأول للإمارات في أول حضور للكرة الإماراتية على مسرح المونديال العالمي، وبالتحديد في مونديال إيطاليا عام 90.

منذ أن وطأت أقدامنا مدينة ميلانو بدأ شريط الذكريات يتجدد حيث لم تتمكن السنوات الطوال من التأثير على الذاكرة التي ما زالت تختزل تلك الأحداث وذلك التواجد غير المسبوق للكرة الإماراتية على صعيد المونديال العالمي، وهو الحدث الذي لا نزال نتذكره في كل مناسبة على أمل أن يتكرر ذلك المشهد الذي وضعنا ووضع منتخبنا جنبا إلى جنب مع عمالقة الكرة في العالم وإلى جانب أفضل المنتخبات العالمية، إن كل تلك المشاهد كانت حاضرة بمجرد أن وصلنا إلى مدينة ميلان للمشاركة في كونجرس الاتحاد الدولي للصحافة الرياضية التي استظافتها مدينة ميلانو على مدى ثلاثة أيام وسط مشاركة من 114 دولة و280 صحفيا يمثلون مختلف وسائل الإعلام في العالم .

حدث تاريخي

زيارة استاد سان سيرو كانت بمثابة فرصة ذهبية لوفد الصحافة العالمية الذين تسابقوا لتسجيل حضورهم التاريخي في ذلك الاستاد التحفة، والذي يعتبر حدثا استثنائيا للعاملين في الحقل الصحفي والإعلامي، تماما كما حدث لنا عند مشاركة منتخبنا في المونديال والذي يمثل حدثا تاريخيا لا يمكن أن ينسى أبدا، وشاءت الظروف أن يصادف كونجرس الاتحاد الدولي إقامة مباراة مهمة في الكالشيو بين متصدر الدوري الإيطالي فريق إنتر ميلان وضيفه القادم من روما فريق لاتسيو والتي انتهت لصالح متصدر الدوري بهدفين للاشيء، والمناسبة كانت فرصة لا تعوض لتسجيل واقع وحقيقة أعظم دوري في العالم ومعاينته لحظة بلحظة من على أرض الواقع ومن موطن الصدارة وعلى الاستاد الذي يمثل علامة فارقة في أوروبا لما يتميز به من مواصفات جعلت منه واحدا من أهم وأفضل الملاعب في العالم .

من الليغا للكالشيو

الزيارة لملعب سان سيرو كان مرتبا لها بدقة متناهية ولأننا توجهنا إلى الاستاد قبل أربع ساعات من موعد المباراة، فقد كان ذلك التوقيت في صالحنا لمراقبة الوضع عن كثب وبالتفصيل، ولأننا كنا أمام تجربة مشابهة قبل أسابيع في برشلونة وفي استاد نو كامب ، فقد تولد لدينا الفضول لتجربة جديدة تمكننا من المقارنة بين الليجا الأسبانية والكالشيو الأيطالي ، وشاءت الصدف أن يكون تواجدنا في كلا الحدثين مع الفرق المتصدرة للدوري حدث ذلك مع برشلونة وتكرر مع الأنتر .

طقوس خاصة

أربع ساعات قبل موعد صافرة حكم المباراة كانت كافية لمراقبة الوضع عن كثب حيث الهدوء الذي كان يسيطر على الأجواء العامة داخل الاستاد في الوقت الذي كانت التجهيزات على أشدها في الخارج والتي كان يقوم بها أنصار الأنتر ، فالدخول للملعب عند الطليان له طقوس خاصة، وهذا ما تأكدنا منه من على أرض الواقع مع العلم أن هناك الآلاف من الجماهير تأتي من خارج ميلانو، كما أن هناك من الجماهير التي تأتي من مدن أوروبية مختلفة لمساندة الفريق، كل تلك التحضيرات يتم الإعداد لها مسبقا ويتم بعدها الدخول للملعب بشكل جماعي ومنظم حيث يأخذ كل منهم موقعة بعد أن يتوشح الجميع بقمصان الفريق وشعاراته لتبدأ بعد ذلك المهمة التي جاءوا من أجلها .

الملعب منطقة ( محرمة)

من الملفت أيضا وهي من الأمور التي عايشناها على أرض الواقع ذلك الحضور المبكر لرئيس النادي الذي سجل تواجده في الملعب قبل موعد المباراة بثلاث ساعات، حيث كان حريصا على الالتقاء برجال الصحافة وتبادل الحديث معهم دون أن يتوجه للاعبين في غرفة تبديل الملابس كما يفعل الكثير من رؤساء الأندية لدينا، وفي تلك الأثناء كان مشهد المدرجات التي بدأت تكتظ بالجماهير ملفتا للغاية .

فلا وجود للاختناقات عند البوابات ولا يوجد من يجلس مكان الآخر في مقعده والأمور كانت تسير بسلالة وبشكل متناغم ودون وجود للعشرات من المنظمين في الملعب ولمثلهم من المذيعين كما يحدث عندنا ، علما أن منطقة حدود الملعب محرمة حتى على مصوري التلفزيون الذين يمنع تحركهم على حدود المستطيل الأخضر، فالكاميرات ثابته في مواقعها ولا وجود للكاميرا العنكبوتية التي لم نشهد لها مثيل سوى في ملاعبنا، وكأننا أكثر تطورا وتحضرا عن الطليان في النقل التلفزيوني.

المقارنة ظالمة .. ولكن

بالتأكيد المقارنة تعتبر ظالمة بين ثقافة التعاطي مع المباريات بالنسبة لما يحدث عندنا وفي ملاعبنا، وبين ما يحدث في الملاعب الأوربية على وجه التحديد، فنحن وعندما نتحدث عن الدوري الأيطالي وأنديتها فإننا بذلك نتحدث عن تاريخ يتجاوز عمره المئة عام والوضع نفسه ينطبق على الأندية الأسبانية ، وبالتالي فمن غير المنصف أن نقارن أنفسنا بتلك الدول ولكن هذا لا يعني أبدا أن لا نأخذ من تلك التجارب وأن نستفيد منها بالطريقة التي من شأنها نطور أنفسنا وأن تجعلنا نختصر الكثير من الوقت في زمن أصبح الوقت لا يقدر بثمن.

محمد جاسم