بدأت قصة التحكيم وأخطائه بهمسات خجولة اعتبرها البعض ثقوباً في ثوب كرة القدم ناصعة البياض، ثم تحولت إلى لغط غاضب باعتبار أن أخطاء الحكم أصبحت عاملاً يؤثر في نتائج المباريات المفصلية التي تحدد هوية أبطال المسابقات الكبرى.
والرواية هنا ليست جديدة بل هي قديمة قدم كرة القدم وهي كذلك ذات صفة عالمية تحدث في كافة دول العالم حتى المتقدمة كروياً منها. بل ووصلت إلى نهائيات كأس العالم التي يتم اختيار حكام مبارياتها في صرامة اختيار قضاة المحاكم الكبرى. إلى درجة أن امبراطور الفيفا شخصياً «سيب بلاتر أقر بوقوع عدد من الأخطاء التي أثرت على نتائج مباريات الصفوة فلا شيء يعلو على لقاءات المونديال سيد بطولات كرة القدم في الكرة الأرضية.
عندما قال بعد أن أعلن منتخبي كل من ايطاليا واسبانيا أن الحكم هو سبب النتائج السيئة أمام منتخب كوريا الجنوبية البلد المضيف في مونديال 2002 حيث حقق الفوز على ايطاليا في الجولة الثانية بالهدف الذهبي أمسية الثلاثاء ثم أتبعه المنتخب الاسباني ليلة السبت في ربع النهائي وعن ذلك قال بلاتر معترفاً «وقع خطآن كبيران لفتا الانتباه، والحكام ما هم إلا بشر لذلك لا يمكن تفادي الأخطاء كلياً في مباريات كرة القدم».
وأضاف كيث كوبر المتحدث الرسمي للفيفا أنه تلقى العديد من الرسائل الالكترونية من الجمهور الاسباني حول ما آلت إليه نتيجة مباراة اسبانيا أمام كوريا، لكنها لا تفوق ما جملته 400 ألف رسالة من الجمهور الإيطالي وعنها قال كوبر «طغت المشاعر على ما هو محتوم في كرة القدم».
وإذا كان هذا هو الحال في أكبر تظاهرة كروية في العالم فإن ما يحدث في ملاعبنا يعتبر هيناً ويقع في خانة المحتمل فلماذا نحمل الحكام مالا طاقة لهم به ونسارع إلى نصب المشانق لهم؟ خصوصاً أنه لا سبيل إلى إصدار فرمان بعكس قراراتهم الخاطئة بعد نهاية المباراة وهو ما توضحه تداعيات قصة منتخبي اسبانيا وإيطاليا التي تقول:
استقال انخيل ماريا فيلار رئيس اتحاد الكرة الاسباني من لجنة الحكام بالفيفا بعد الواقعة وأعلن أنه سيرفع احتجاجاً رسمياً معلقاً «الغرض هو أن نوضح أن ما فعله الحكم كان له تأثير سلبي في البطولة. ورغم أن الكارثة قد وقعت ولا يمكن تصحيحها إلا أننا حريصون على عدم تكرار ذلك».
ومثلما يحدث عقب كل مباراة تعالى اللغط حول أن حكم هاتين المباراتين قد جامل أصحاب الأرض والجمهور «كوريا الجنوبية» لكن سارع المتحدث الرسمي إلى استبعاد هذا الزعم نافياً نظرية المؤامرة بقوله «لاحظنا وجود نظرية المؤامرة في كل المنافسات الكروية واتضح في 99 بالمئة من الحالات أنه لا وجود لها.
وهنا يهب الحكم الاسكوتلندي هيو دالاس إلى الدفاع عن الفيفا وعن زملائه الحكام قائلاً «لا مجال للزعم هنا أن أحد منسوبي الفيفا تحدث إلى الحكام أو طلب منهم مجاملة كوريا واليابان وإلا فلماذا لم تتقدم اليابان كذلك في هذا المونديال وحتى في وجود مثل هذه الأخطاء نلاحظ أن الفرق لا تتوقف عندها طويلاً بل تواصل المباراة بالقوة المطلوبة لتحقيق الفوز.
إذن الحكام يخطئون وعلى أعلى المستويات فهم في النهاية بشر.
نشأة الرجل في الزي الأسود
قبل أن ينظم الإنجليز كرة القدم تحت مجموعة من القوانين العامة كانت المباريات تقام بلا حكام واقتصر الأمر على أن يتفق الفريقان على عدد من القوانين قبل انطلاق المباراة والعمل على تطبيقها.
والآن تخيلوا فريقاً مكوناً من مجموعة من العمال البريطانيين من ذوي الخشونة ومع كل منهم زوجة وأربعة أطفال يعمل جاهداً طوال اليوم لإطعامهم ولا يجد فترة من الراحة سوى بعد ظهر السبت مع مباراة في كرة القدم. وبالتالي تنفجر كل مشاعر الإحباط والشد العصبي المتراكمة طوال الأسبوع عند كل لمسة يتعرض لها خلال المباراة.
وتترجم كل لمسة من هذه اللمسات إلى معركة بالأيدي بين عناصر الفريقين ومع كل مخاشنة أو هدف في مرماه.
هنا كان لابد من تعيين حكم يعمل على ضمان سير المباراة وتطبيق قوانينها وهو ما يفعله الحكام إلى يومنا هذا.
الغريب في الأمر أنه طوال تاريخ كرة القدم أن تطور الحكام كان ضئيلاً جداً مقارنة بمكونات اللعبة الأخرى مثل قوانين اللعبة، الجوانب التكتيكية والتقنية للاعب بل وحتى كرة القدم نفسها التي مرت بالعديد من مراحل التطوير والتحديث من حيث النوع والحجم.
والآن يظل الرجل في الزي الأسود في منتصف الملعب هو تماماً نسخة طبق الأصل من نظيره الذي ظهر أول مرة عام 1890.
والدور الأساسي لحكم المباراة هو أن يتأكد من احترام اللاعب لقوانين اللعبة وأن يعاقب الخارجين عن هذا القانون كأن يعلن عن ركلة حرة ضد من يقوم بمخاشنة الآخرين وأن يذهب إلى أبعد من ذلك كأن يخرج له البطاقة الصفراء وهو إنذار يعني أن البطاقة التالية ستكون حمراء يخرج على أثرها اللاعب مطروداً.
ورغم أننا جميعاً نقول إن هذا القرار يتخذه الحكم منفرداً لكن الجميع يدرك بوجود أربعة حكام لكل مباراة لكن حكم الساحة هو الذي يقوم بكل الجهد والركض وراء الكرة واللاعبين واتخاذ القرارات بينما يقتصر دور رجال الخطوط على مساعدته وإشعاره مثلاً بحالات التسلل أو الأخطاء القريبة منهم التي قد لا يلاحظها حكم الساحة.
أما الحكم الرابع فيهتم غالباً بالأمور التنظيمية من مراقبة عمليات تسخين البدلاء وعدم تجاوز المدربين الخطوط المخصصة لهم. كذلك يتعامل الحكم الرابع مع الوقت بدل الضائع وعملية استبدال اللاعبين. بل وبإمكانه استبدال حكام الخطوط أو حكم الساحة في حالة عجزه عن أداء مهمته.
هذه العملية تؤكد أنه بما أن الحكم هو بشر فهو معرض للخطأ وهذه الخاصية قد تضيف بطريقة أو بأخرى المزيد من الإثارة للعبة رغم أن مجرد خطأ بسيط من قبل الحكم قد يؤدي إلى نتائج وخيمة لأي من الطرفين وهو ما حدث كثيراً في ملاعب كرة القدم فهل توقفت الفرق عن المشاركة أم هل توقف الجمهور عن متابعة اللعبة الجميلة ذات الشعبية الأولى على بقية الرياضات حول العالم. الحكام بشر فلا تنصبوا لهم المشانق وإلا قتلتم كرة القدم.
محمد سيف النصر
