أخلص الملاكم الأميركي اوسكار دي لاهويا لامرين اعتبرهما أساسيين في حياته، أصوله المكسيكية التي اعتز بها وفاخر، وعصاميته التي أوصلته إلى أعلى المراتب، فلم ينس يوما انه ابن عائلة فقيرة، كانت تؤمن قوتها اليومي من قسائم إعاشة توزع على المحتاجين المعدمين، لذا حرص على الاحتفاظ بواحدة منها في محفظته لتزيده عزما في كل مرة ينظر اليها، لكن المحفظة سرقت منه لاحقا.
على غرار قصص مشاهير «الفن النبيل» ثار لاهويا على واقعه المعرم. بعدما عرف الطريق إلى «حلقات النزالات» منذ سن الخامسة، وها هو يعلن قبل أيام اعتزاله وهو في السادسة والثلاثين، متوجا بعشرة ألقاب عالمية في ستة أوزان، فضلا عن ميداليته الذهبية في دورة برشلونة الاولمبية عام 1992 وقدرت صحيفة «نيويورك تايمز» ما جناه لاهويا خلال مسيرة رائعة استمرت 17 عاما، 696 مليونا و400 ألف دولار. وهي تتضمن 39 فوزا منها 30 بالضربة الفنية القاضية وست هزائم فقط «الفتى الذهبي» أو «بيكهام الملاكمة» كما أطلق عليهم بعضهم رمى قفازيه جانبا بعد تفكير عميق وبحث مستفيض شارك فيهما العائلة والأصدقاء المقربين، وأكد أن قلبه لا يزال يهوى المنافسات، «لكن عندما لا تتجاوب اللياقة البدنية مع هذه الرغبة لا يمكن إلا تلبية نداء العقل».توج لاهويا (مواليد 4-2-1973 في مونتيبيللو - كاليفوريا) مرحلة مضيئة من مسيرته، عندما أحرز لقب وزن الخفيف في دورة برشلونة يوم 3 أغسطس وكان في التاسعة عشرة من عمره، وفي جعبته 224 انتصارا في مقابل 5 هزائم فقط في مباريات الهواة. وأهدى الميدالية الذهبية إلى روح والدته التي توفيت قبل الألعاب الاولمبية بعامين بعد إصابتها بالسرطان. ودخل حقبة جديدة في حياته نجح خلالها في استثمار الموهبة والشهرة.
أعلن لاهويا الأعسر و«المر القبضة» 80,1م احترافه في 23 نوفمبر عام 1992، وتنقل بين الأوزان وفئاتها وبطولات «اتحادات» الملاكمة ومجالسها ومنظماتها فغزا القلوب وسحر فتيات كثيرات بفضل بسمته ووجهه البشوش وطلته المحببة، وجذبهن إلى مدرجات قاعات المباريات. ولا يغالي منظم اللقاءات بوب اروم حين يقول إن لاهويا «عاصفة تجتاح الحلبة نظرا لأسلوبه الجذاب والملفت» مستدركا «طبعا بعد مايك تايسون».
لكن نقطة الضعف في سجل «الفتى الذهبي» تبقى عدم هيمنته فترة طويلة وبراحة على وزن محدد أو تتويجه بطلا مطلقا على غرار مواطنيه جو لويس وراي روبنسون ومحمد علي كلاي، إذ كان مثل النحلة التي تنتقل بين الزهور وترتشق رحيقا وتطير بحرية.
وإذا استعرضنا ابرز محطات تألق لاهويا، نلاحظ فوزه بلقب وزن الخفيف في 7 يونيو 1996 مسقطا مثاله الأعلى المكسيكي خوليو سيزار تشافيز في الجولة الرابعة، ثم خسارته الاولى امام بطل العالم لوزن المتوسط (الاتحاد الدولي) البورتوريكي فيلكس ترينيداد بالنقاط في 18 سبتمبر 1999 في لاس فيغاس. اما الخطوة الحاسمة «التي لا تنسى»، فكانت خسارته بالضربة الفنية القاضية في الجولة الثامنة من مباراته والفيليبيني ماني باكياو في 6 ديسمبر الماضي، في قاعة «متروغولدن ماير ارينا» في لاس فيغاس.
يومها، صفق الفيليبيون وهتفوا في الحانات ودور السينما والملاعب في أنحاء بلادهم، حين فاجأ باكياو «الفتى الذهبي» بالفوز عليه بالضربة الفنية القاضية في الجولة الثامنة، من المباراة. هكذا بدا «تراكم السنين» قاسيا على كاهله. وفور إعلان باكياو فائزا، توجه لاهويا صوب مدربه فريدي روش قائلا: «كنت على حق فريدي أنا انتهيت». وصعدت زوجته ميلي إلى الحلبة وهمست في أذنه «يكفي عزيزي انتهى الأمر».
منذ يومها عاش لاهويا في صراع مع نفسه، وأراد خوض مباراة رد أمام باكياو وأخرى في مواجهة البريطاني ريكي هاتون حضرت لها شركته «غولدن بوي بروموشين»، وكانت مقررة في 2 مايو المقبل في لاس فيغاس. لكن لاهويا فضل أن يكون صادقا مع نفسه في الدرجة الأولى، فحسم أمره وأعلن اعتزاله «فإذا كنت لا استطيع المنافسة على مستوى متقدم، من المعيب لي ولأنصاري والمعجبين بأدائي أن استمر».
وسبق أن أعلن لاهويا مرات عن عزمه وضع نهاية لمسيرته، على غرار ما لمح له بعد الخسارة بالضربة الفنية القاضية أمام مواطنه برنارد هوبكنز عام 2004، لكنه كان يعاود الظهور ويقدم لمحات رائعة مستمدا معنويات وصمودا من الشعبية الجارفة التي يتمتع بها، ما حير دائماً فنيين اللعبة الذين تفهموا مثلا خسارته أمام فلويد ماي ويزر وباكياو بسبب التقدم في العمر، لكنهم لم يجدوا مبررا لسقوطه مثلا أمام ترينيداد وشاين موسلي وهوبكنز.
والى تميزه على الحلبات، برع لاهويا في استثمار الأموال التي جناها في العقارات كما أسهم في مصرف، وأصبح منظما رئيسا لمباريات الملاكمة التي لن تفتقده بعدما اعتزال نزالاتها.
(أ.ف.ب)

