من فوت على نفسه متابعة مباراة الليلة قبل الماضية بين تشلسي وليفربول فقد أضاع نصف عمره... وضيع على نفسه فرصة قد لا يكررها التاريخ... فليلة الرابع عشر من ابريل 2009 حازت لنفسها صفحة مميزة في سجلات الكرة العالمية... بأحداث دراماتيكية اشبه بأفلام هوليوود كان ابطالها لاعبو «البلوز» و«الريدز» على ملعب «ستامفورد بريدج»... 22 لاعباً صنعوا إحدى أروع مباريات كرة القدم... وقدموا للعالم لوحة فنية كروية غاية في الجمال والروعة.. كانت مباراة الاثارة..

والحماس والتسابق والتلاحق.. كانت مباراة الدروس والعبر... عفوا كانت مباراة العمر. فكم من لقطة مثيرة.. وكم من لعبة جميلة تخللت المباراة.. 90 دقيقة مرت على ايقاع سريع، كرة لا تهدر ولاعبون أشبه بالقاطرات السريعة، ويكفي ان تتذكروا معي ان الشباك قد اهتزت في 8 مناسبات لتتصوروا من جديد الايقاع الذي عزفت عليه انشودة المباراة. فمن كان يعتقد ان ليفربول سيتقدم (2-0) بعد 28 دقيقة وهو يلعب على أرض تشلسي؟ اجزم ان اشد المتفائلين من عشاق «الحمر» لم ينتظر ابداً هذا.. ولم يتوقع ان ينتهي الشوط الاول لصالح فريقه بهدفين دون مقابل.

1-بين تشلسي وليفربول تاريخ كبير.. تاريخ يعبق برائحة العداوة والتنافس حامي الوطيس... والتنافس بين البلوز و«الريدز» بلغ ذروته وهذا امر طبيعي عندما يتعلق الأمر بلاعبين لا يعترفون بالمستحيل.. وهذا كان عنوان الدرس الاول الذي اعتبر منه من يعتبر من العبر... فاصرار تشلسي اثمر هدف عودة الامل بعد 6 دقائق من بداية الشوط الثاني من خدعة ماكرة من الفيل الايفواري دروغبا... عندما حول وجهة كرة وصلته من انيلكا فخادع الحارس رينا واربكه ليكملها في شباكه...

2- هدف ألهب الفريق التشلساوي وجعله يثق بقدراته اكثر فقرر وضع ليفربول تحت الحصار .. وأجبره على اللعب في منطقته وارتكاب الاخطاء القاتلة والساذجة.. ومن هذه الاخطاء خطف تشلسي هدف التعادل بصاروخ برازيلي هز عرش «الحمر».. هدف يصلح ليكون درسا يلقن للناشئين في اكاديمياتنا الكروية في كيفية تنفيذ الركلات الحرة المباشرة واستغلال الثغرات في جدار الصد... واعتماد القوة الساحقة في التسديد.

1-المتيمون بحب تشلسي فسروا تسجيل اللعب الكس للهدف بتلك التصويبة النارية ردا على هدف في مرمي تشاك من ركلة حرة مباشرة عندما أوهم الجميع انه سيوزعها نحو رؤوس اللاعبين الا انه اودعها بذكاء مباشرة في المرمى محققا أول اهداف المباراة.. وهذا الهدف يحمل في طياته ايضا فنونا في تنفيذ الركلات الحرة وهو الدرس الثالث من دروس قمة تشلسي وليفربول.

4- الدرس الرابع يكمن في احترافية اللاعبين.. فرغم قيمة الرهان وحاجة كل فريق لنقاط المبارة وبطاقة التأهل لنصف نهائي دوري ابطال اوروبا فاننا لم نر لاعبا يطرد ويشهر في وجهه الكارت الاحمر... وحتى عدد الانذارات كان فقط 4 لا غير بطاقتين في صفوف كل فريق... وهذا ما يعني ان اللاعبين كانوا قمة في الانضباط والالتزام بالروح الرياضية لان الانتصارات لا تصنعها المهارات فقط بل بالعقل والهدوء والرصانة.

5-لأن المباراة كانت قمة رائعة وجميلة فان الحكم أراد ان يساير اللاعبين في أدائهم الجميل بتحكيم عادل ونزيه، كان القاضي المهاب لوجوده باستمرار قرب الكرة بفضل لياقته البدنية الجيدة.. وكانت قراراته صائبة وتميز بقوة الشخصية خاصة عندما اعلن عن ركلة جزاء لليفربول في الشوط الاول للاعب تم اسقاطه في منطقة 18 متراً دون ان تكون بحوزته الكرة...

وهو قرار سليم وصائب لانه طبق القانون، والقانون عند الحكام الكبار مثل حكم مباراة تشلسي وليفربول لويس مدينا يعلو ولا يعلى عليه ولا يتأثر بألوان الفرق واسماء النجوم.. ولذلك يصدق القول ان التحكيم كان درساً هو الآخر من دروس المباراة.

6-ايقاع المباراة السريع وانتقال الكرة من هنا الى هناك في لمح البصر جعلنا نشاهد في كثير من الأحيان من مراحل المباراة ما يسمى بكرة القدم الشاملة... وهو ما يعني ان يضطلع كل لاعب فوق الميدان بجميع الادوار الدفاعية والهجومية... ولن يقتصر على اللعب في مركز واحد...

وكم مرة شاهدنا خلال المباراة دروغبا يعود الى الدفاع يقاتل ويفتك كرات ثمينة ويقطع هجمات خطيرة.. وكم مرة شاهدنا العكس... مدافعين في موقع رأس الحربة مثلما فعل ايفانوفيتش ولوكاس وكارفالو...والكرة الشاملة كانت سادس دروس موقعة «الليفر» والازرق التشلساوي.

7- المباراة وخاصة شوطها الثاني لم يعرف الهدوء تماما ويكفي ان نذكر اننا تابعنا واستمتعنا بستة أهداف كاملة خلال 54 دقيقة اي بمعدل هدف خلال كل 7 دقائق... وهذا يؤكد الروح الانتصارية الكبيرة التي خاض بها اللاعبون المباراة.. فقد كانوا محاربين... مقاتلين في ساحة الوغى وليس مجرد 22 لاعبا يطاردون جلدا مدو فوق مستطيل اخضر. وعندما يضعك دوري ابطال اوروبا امام هذا الدرس ليس الا ان تحزن على مبارياتنا العربية التي كثيرا ما تتسم بالملل والروتين والبرود حتي كاد الاطباء يمنحونها وصفة لجلب النوم..

8-الدرس الثامن الذي تجلى في موقعة تشلسي وليفربول ما أحوجنا اليه.. ويا ليت لاعبونا العرب يعتبرون منه وهو العقلية الاحترافية.. فعندما تكون فوق الميدان فلا شيء اسمه المستحيل... الامل دائما قائما وابواب النجاح مفتوحة على الدوام.. ليفربول سجل هدفين في اقل من نصف ساعة وامل في قلب الطاولة على تشلسي بعد اسبقية مباراة الذهاب (1-3) للازرق.. وكان قريبا من تحقيق الحلم..

وتشلسي لم يرم المنديل ويسلم لعناد خصمه بل رد بقوة في الشوط الثاني وذلل الفارق ثم عادل بل وتقدم (3-2)، قبل ان يعود ليفربول مرة اخرى ويتسلح بالامل ويعادل النتيجة (3-3) ثم يتقدم (3-4) بدافع الرغبة في الفوز.. ولكنه اصطدم بأحلام تشلساوية مناقضة خطفت منه التعادل من جديد(4-4).. وكم عذبنا لاعبونا في بطولاتنا العربية بالاستسلام بمجرد قبول هدف والتسليم بأمر الواقع ويقدمون انفسهم فريسة للخصم.. ولا يستبسلون... ولا يملكون الروح الانتصارية ولايؤمنون بأنه لا مستحيل في كرة القدم..

وهذا كان درس المباراة الثامن... وما اكثرها من دروس في قمة الازرق والاحمر.. وما أروعها من مباراة.. انقضت دقائقها التسعين بسرعة .. تمنيناها ان تستمر لساعات.. لأيام.. لأشهر... كل العمر لما فيها من روعة واثارة.. ودروس وعبر.

صلاح الدين الشيحاوي